روسيا تطالب بإحياء مفاوضات السلام في اليمن فورًا
روسيا تعيد طرح أولوية المسار السياسي في اليمن
جددت روسيا دعوتها إلى استئناف فوري لمفاوضات التسوية السلمية في اليمن، في موقف طرحته القائم بالأعمال بالإنابة ونائبة المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة آنا إيفستيغنييفا خلال جلسة لمجلس الأمن عُقدت في 13 يوليو 2026. وبحسب الكلمة المنشورة على موقع البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة، شددت موسكو على أن الطريق الوحيد إلى سلام مستدام واستقرار حقيقي في اليمن يمر عبر حوار مباشر وصريح بين القوى السياسية اليمنية الرئيسية، بما في ذلك جماعة أنصار الله، وتحت رعاية المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ.
الدعوة الروسية تأتي في لحظة شديدة الحساسية؛ فاليمن، الذي دخل عمليًا عامه الثاني من الهدوء النسبي مقارنة بسنوات الحرب الأشد، لا يزال بعيدًا عن تسوية نهائية. ومن منظور متابعين في القاهرة والمنطقة، فإن أهمية هذا الموقف لا تتعلق فقط بالداخل اليمني، بل أيضًا بانعكاساته على أمن البحر الأحمر، وخطوط الملاحة الدولية، والبيئة الإقليمية المحيطة بمصر والقرن الأفريقي والخليج.
ماذا قالت موسكو في مجلس الأمن؟
في إحاطتها أمام المجلس، اعتبرت آنا إيفستيغنييفا أن الأزمة اليمنية ما زالت بلا حل، وأن الوقت مناسب لاتخاذ خطوات جادة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية ومعالجة الملفات الإنسانية الملحة. كما دعت إلى تخفيف التوترات والامتناع عن أي إجراءات أحادية قد تدفع الوضع إلى تدهور غير محسوب، ليس فقط داخل اليمن، بل على مستوى الشرق الأوسط الأوسع.
اللافت في الموقف الروسي أنه ربط بين استئناف المسار السياسي وبين تفعيل خريطة الطريق الأممية الخاصة باليمن، وهي الصيغة التي ظل المبعوث الأممي هانس غروندبرغ يعمل عليها منذ أواخر عام 2023. ووفق ما سبق أن أوضحه مكتب المبعوث الأممي، فإن تلك التفاهمات تضمنت التزامًا من الأطراف باتخاذ خطوات نحو وقف إطلاق نار على مستوى البلاد، ومعالجة أولويات اقتصادية وإنسانية، والتهيئة لعملية سياسية جامعة بقيادة يمنية وبرعاية الأمم المتحدة.
حديث متكرر عن تحديث الإطار الدولي
الموقف الروسي لم يقتصر على الدعوة إلى الحوار، بل أعاد أيضًا طرح فكرة مراجعة الإطار القانوني الدولي الناظم للأزمة اليمنية، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2216 الصادر عام 2015. موسكو ترى أن بعض الأدوات الدولية القائمة لم تعد كافية لمواكبة التطورات الحالية، وهو طرح سبق أن كررته خلال اجتماعات أممية عدة في 2026.
هانس غروندبرغ والمسار الأممي المتعثر
يبقى اسم المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في قلب أي حديث عن الحل. الرجل، الذي يقود جهود الوساطة الأممية منذ أغسطس 2021، تحرك خلال الأشهر الماضية بين عدد من العواصم، بينها موسكو، في محاولة لإنعاش التفاهمات السياسية ومنع العودة إلى المواجهة الواسعة. وتشير الأمم المتحدة إلى أن الهدف الأساسي لا يزال يتمثل في استئناف انتقال سياسي سلمي ومنظم وشامل بقيادة يمنية، بما يلبي تطلعات اليمنيين.
لكن المعضلة الأساسية أن التهدئة لم تتحول حتى الآن إلى اتفاق سياسي شامل. فمنذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في 2022، تراجع مستوى القتال الواسع، غير أن الملفات الجوهرية، مثل تقاسم السلطة، وصرف الرواتب، وفتح المسارات، وإدارة الموارد، لا تزال موضع خلاف. وهذا ما يجعل الدعوات الدولية، ومنها الروسية، أقرب إلى محاولة منع الانتكاس أكثر من كونها إعلانًا عن اختراق وشيك.
الأزمة الإنسانية تضغط على الجميع
الشق الإنساني حاضر بقوة في الخطاب الروسي والأممي على السواء. ووفق خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن 2026 الصادرة عن الأمم المتحدة، فإن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال هذا العام. كما أكدت الأمم المتحدة في إحاطات لاحقة أن الرقم يعكس استمرار واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
هذه الأرقام ليست مجرد خلفية إحصائية؛ فهي تفسر إلحاح الحديث عن إعادة تشغيل قنوات الإغاثة، وتسهيل الحركة، والحفاظ على البنية الصحية والخدمية الهشة. كما ترتبط مباشرة بمخاوف من تدهور أوسع إذا تعطلت المساعي السياسية أو تصاعد التوتر العسكري مجددًا. بالنسبة للقارئ المصري، فإن استقرار اليمن لا ينفصل عن استقرار المجال البحري في البحر الأحمر، وهو شريان حيوي للتجارة الإقليمية والعالمية.
المطارات والموانئ ضمن قلب الخلاف
ضمن النقاط التي أثارتها موسكو، برزت مسألة الوصول الإنساني ورفع القيود عن النقل البحري والجوي والبري، معتبرة أن هذه الملفات لا يمكن فصلها عن أي تسوية مستدامة. وأشارت في كلمتها إلى الأهمية الحيوية لمطار صنعاء بالنسبة لملايين اليمنيين، سواء للسفر العلاجي أو الإنساني أو للحفاظ على الروابط الأسرية.
ورغم أن هذه النقطة تبقى شديدة الحساسية سياسيًا وأمنيًا، فإنها تعكس حقيقة أوسع: أي تقدم في اليمن لن يُقاس فقط بلغة البيانات الدبلوماسية، بل بمدى تحسن الحياة اليومية للسكان، من الغذاء والدواء إلى الحركة والخدمات الأساسية.
لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة؟
من زاوية "العالم"، يتجاوز الخبر مجرد تسجيل موقف روسي جديد. فاليمن يقع على واحد من أهم الممرات البحرية المتصلة بقناة السويس، وأي اهتزاز طويل الأمد في هذا المسرح ينعكس على التجارة العالمية وكلفة الشحن وبيئة الأمن البحري. لذلك تتابع القاهرة، مثل غيرها من العواصم الإقليمية، أي تحرك في مجلس الأمن يتعلق بتثبيت التهدئة أو إعادة إطلاق العملية السياسية.
كما أن الربط بين الملف اليمني والبيئة الإقليمية الأوسع يزداد حضورًا في النقاشات الدولية. فقد أشارت مداخلات روسية سابقة في مجلس الأمن خلال يناير ويوليو 2026 إلى أن الاستقرار في اليمن والبحر الأحمر يتطلبان مقاربة سياسية ودبلوماسية، لا الاكتفاء بإدارة التوترات الأمنية بشكل منفصل.
ما الذي يمكن توقعه بعد الدعوة الروسية؟
من المبكر اعتبار الدعوة الروسية تحولًا حاسمًا بمفردها، لكنها تضيف وزنًا جديدًا لفكرة أن الجمود الحالي لم يعد قابلًا للاستدامة. فكلما طال تعليق التسوية، زادت احتمالات الانزلاق إلى جولة تصعيد جديدة، سواء داخل اليمن أو في محيطه البحري والإقليمي.
السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب قد يكون دفع الأطراف نحو خطوات بناء ثقة محددة، تسبق العودة إلى مفاوضات أوسع. ومن بين هذه الخطوات: تسهيل العمل الإنساني، تثبيت التهدئة، معالجة بعض الملفات الاقتصادية، ثم الانتقال إلى تفاهمات سياسية أكثر شمولًا تحت رعاية الأمم المتحدة.
- أولًا: استمرار الضغط الدولي لإحياء خريطة الطريق الأممية.
- ثانيًا: ربط أي تهدئة ميدانية بتحسينات إنسانية ملموسة.
- ثالثًا: إشراك القوى اليمنية المؤثرة كافة في أي مفاوضات مقبلة.
- رابعًا: تجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعرقل المسار السياسي.
في المحصلة، تعكس الرسالة الروسية في الأمم المتحدة قناعة متزايدة داخل الدوائر الدولية بأن الحل العسكري في اليمن استُنفد عمليًا، وأن إعادة إطلاق المفاوضات لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة عاجلة. ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الدعوات إلى مسار تفاوضي فعلي، أم تظل جزءًا من إدارة أزمة مفتوحة منذ سنوات؟