رؤى حكومية جديدة لتسريع التحول الرقمي في مصر وأفريقيا
مركز المعلومات يضع التحول الرقمي في قلب التنافس الإقليمي
عاد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء إلى تسليط الضوء على ملف التحول الرقمي في توقيت تزداد فيه المنافسة داخل القارة الأفريقية على جذب الاستثمارات التكنولوجية وتوسيع نطاق الخدمات العامة الذكية. ووفق ما نشره المركز عبر منصاته الرسمية، فقد استعرض مجموعة من رؤى الخبراء والتوصيات المرتبطة بتطوير الخدمات الحكومية، والتوسع في أنشطة التعهيد، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة عملية لتحسين الكفاءة وجودة الخدمة، وليس مجرد عنوان تقني عام.
أهمية هذه الرؤى لا ترتبط بالسوق المصرية وحدها، بل تمتد إلى موقع مصر داخل أفريقيا وشمال القارة على وجه الخصوص، حيث باتت الحكومات تتسابق على بناء بنية رقمية قادرة على جذب الشركات العابرة للحدود، وتسهيل تعاملات المواطنين، ورفع جاهزية الدولة لتقديم خدمات أسرع وأكثر شفافية. ويؤكد مركز المعلومات في تعريفه المؤسسي أنه يعمل على توظيف التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ودعم القرار، ضمن اختصاصاته التي أعيد تنظيمها بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2085 لسنة 2023.
ما الذي ركزت عليه التوصيات؟
المحاور التي تناولها العرض الأخير تدور حول أربعة اتجاهات رئيسية: تطوير الخدمة الحكومية الرقمية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من المنصات الإلكترونية، وتعميق صناعة التعهيد والخدمات العابرة للحدود، ودمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الحكومية والاقتصادية. وهذه المحاور تبدو منسجمة مع المسار الرسمي الأوسع الذي تتبناه الدولة المصرية في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
- تبسيط الخدمات الحكومية: التركيز على جعل الحصول على الخدمة أسرع وأقل اعتمادًا على الحضور الورقي التقليدي.
- رفع كفاءة المنصات الرقمية: من خلال تحسين تجربة المستخدم وربط الجهات الحكومية على نحو أفضل.
- التوسع في التعهيد: باعتباره مصدرًا للنقد الأجنبي وفرص العمل ذات القيمة المضافة.
- تطبيقات الذكاء الاصطناعي: لا سيما في التحليل، والأتمتة، وتحسين اتخاذ القرار، وبعض القطاعات الخدمية مثل الصحة والتعليم والزراعة.
هذا الطرح يتقاطع مع ما أعلنته وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وذراعها التنفيذية في الصناعة، هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، بشأن التحول من خدمات التعهيد منخفضة التكلفة إلى خدمات رقمية أعلى قيمة تشمل البرمجيات، والبحث والتطوير، والخدمات الهندسية، والعمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
منصة مصر الرقمية تتوسع.. والخدمات في طريقها إلى 270 خدمة
البيانات الرسمية الأحدث تشير إلى أن مسار رقمنة الخدمات الحكومية يتقدم بوتيرة ملحوظة. فقد نقلت الهيئة العامة للاستعلامات عن مسؤولين بوزارة الاتصالات أن عدد الخدمات المقدمة عبر منصة مصر الرقمية بلغ 242 خدمة حاليًا، مع خطة للوصول إلى أكثر من 270 خدمة بنهاية عام 2026. هذا التوسع يعكس أن الحديث عن تطوير الخدمة الحكومية لم يعد نظريًا، بل أصبح مرتبطًا بأرقام وجداول تنفيذ محددة.
وبالنسبة للقارئ في مصر وأفريقيا، فإن هذا التقدم يحمل دلالة أوسع: الدول التي تنجح في رقمنة خدماتها محليًا تكتسب أفضلية في تصدير خبراتها ونماذجها المؤسسية إلى أسواق إقليمية مجاورة، سواء عبر حلول الدفع، أو إدارة البيانات، أو تشغيل مراكز الخدمات المشتركة، أو تطوير المنصات الحكومية.
مصر في المؤشرات الدولية: تقدم رقمي له وزن أفريقي
على مستوى القياس الدولي، أظهر مسح الحكومة الإلكترونية للأمم المتحدة 2024 أن مصر جاءت في المرتبة 95 عالميًا في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، بدرجة 0.6699. كما أظهرت مواد منشورة عبر مركز المعلومات أن هذا الترتيب وضع مصر ضمن الدول ذات الأداء المرتفع على المستوى الأفريقي، مع تقدم عن ترتيبها السابق في نسخة 2022.
هذا التقدم مهم لأن المنافسة في أفريقيا لم تعد محصورة في البنية التحتية الصلبة فقط، بل تشمل أيضًا قدرة الحكومات على تقديم خدمات رقمية موثوقة، ورفع كفاءة مؤسساتها، وتحسين مناخ الأعمال للمستثمرين في التكنولوجيا والخدمات العابرة للحدود.
التعهيد.. من خدمة مساندة إلى رافعة للتصدير
واحد من أبرز الملفات التي سلطت عليها الرؤى المعروضة الضوء هو التوسع في التعهيد. وفي هذا السياق، نشر مركز المعلومات تحليلاً حديثًا حول خدمات التعهيد الإقليمية أشار إلى أن مصر تستطيع الاستفادة من خبرات دولية مثل الهند عبر تسريع دمج الذكاء الاصطناعي والأتمتة داخل الخدمات المقدمة، مع التوسع في التدريب الرقمي المتخصص.
وتؤكد الأرقام الرسمية أن هذا الملف لم يعد هامشيًا. فبحسب بيانات الهيئة العامة للاستعلامات وهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، سجلت صادرات مصر من خدمات التعهيد والخدمات الرقمية نحو 5.2 مليار دولار خلال 2025، مع استهداف الوصول إلى 6 مليارات دولار في 2026، بينما تتجه الخطط إلى 8 مليارات دولار بحلول 2028. كما تستهدف خطة 2025/2026 الحكومية أن تصل الصادرات الرقمية السنوية إلى 8.5 مليارات دولار، من بينها 6 مليارات دولار من خدمات التعهيد.
ومن زاوية أفريقية، فإن هذا التوسع يضع مصر في موقع متقدم كمركز إقليمي يخدم أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا معًا، خاصة مع استمرار اهتمام شركات دولية بإنشاء مراكز تشغيل وخدمات في البلاد.
الذكاء الاصطناعي من الرؤية إلى التطبيق
التوصيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تأتي متسقة مع الإطار الوطني الأوسع. فقد أطلقت مصر الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030، وهي وثيقة تركز على تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي للتقنيات الذكية، مع مراعاة الحوكمة والأخلاقيات وتنمية المهارات. كما يشير الموقع الرسمي للمجلس الوطني للذكاء الاصطناعي إلى استمرار العمل على ملفات الحوكمة والتنظيم والتطبيقات ذات الأولوية.
وفي السياق نفسه، تحدثت وزارة الاتصالات عن تطوير نموذج اللغة الكبير «كرنك» عبر مركز الابتكار التطبيقي، لاستخدامات ترتبط بقطاعات مثل الصحة والزراعة والتعليم. وهذا النوع من التطبيقات يمنح التوصيات التي يناقشها الخبراء بعدًا تنفيذيًا، لأن الذكاء الاصطناعي هنا يُطرح كأداة لتحسين الخدمة العامة والإنتاجية، لا كاتجاه تقني معزول.
لماذا يهم هذا أفريقيا؟
الزاوية الأفريقية في هذا الملف أساسية. فالقارة تشهد طلبًا متزايدًا على الخدمات الحكومية الرقمية، ومراكز البيانات، وخدمات الدعم الفني متعددة اللغات، وحلول تشغيل الأعمال عن بُعد. وتمتلك مصر عدة عناصر تجعلها منافسًا قويًا في هذا المجال، من بينها موقعها الجغرافي، واتصالها بمسارات كابلات دولية، وقاعدة المواهب الشابة، واتساع السوق المحلي بما يسمح باختبار الحلول قبل تصديرها.
وتشير بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة إلى أن مصر تستند أيضًا إلى استراتيجية رقمية لتطوير صناعة التعهيد خلال الفترة 2022-2026، مع استهداف جذب الشركات العالمية وتطوير مهارات الكوادر في تكنولوجيا المعلومات وخدمات الأعمال والهندسة والبحث والتطوير. كما تؤكد الأطر التنظيمية الصادرة عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات توجه الدولة نحو ترسيخ موقعها كمحور إقليمي لحركة البيانات ومراكز الاستضافة والحوسبة السحابية.
الخلاصة
ما عرضه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار لا يبدو مجرد تلخيص لآراء نظرية، بل يأتي ضمن مسار حكومي تتضح ملامحه في توسيع الخدمات الرقمية، ورفع تنافسية التعهيد، وتطبيق الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر عملية. وبالنسبة لمصر، فإن نجاح هذا المسار لن ينعكس فقط على المواطن داخل البلاد عبر خدمة أسرع وأبسط، بل قد يعزز أيضًا حضورها داخل أفريقيا كمصدر للحلول الحكومية الرقمية والخدمات التكنولوجية الموجهة للأسواق الإقليمية.
في النهاية، يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من توسع الأرقام والمنصات إلى قياس الأثر الفعلي: كم خدمة أصبحت أسهل؟ وكم وقت وفرته الرقمنة على المواطن؟ وكم فرصة عمل جديدة خلقتها صناعة التعهيد؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت مصر ستكتفي بتحسين موقعها في المؤشرات، أم ستتحول بالفعل إلى لاعب أفريقي أكثر تأثيرًا في الاقتصاد الرقمي.