Akhbar Cairo

رئيس كولومبيا المنتخب يتجه لنقل السفارة إلى القدس

تحول مرتقب في سياسة بوغوتا الخارجية

تتجه كولومبيا إلى فتح صفحة جديدة في علاقتها مع إسرائيل بعد إعلان الرئيس المنتخب أبيلاردو غابرييل دي لا إسبرييا أوتيرو عزمه استعادة ما وصفه بـ"التحالف التاريخي" بين البلدين، بما يشمل نقل السفارة الكولومبية من تل أبيب إلى القدس فور توليه السلطة رسميًا في 7 أغسطس 2026. ويأتي هذا التوجه بعد أكثر من عامين من قرار الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في 2 مايو 2024 على خلفية الحرب في غزة.

الخطوة الجديدة لا تبدو مجرد تعديل بروتوكولي في عنوان البعثة الدبلوماسية، بل تعكس انقلابًا واضحًا في توجهات السياسة الخارجية الكولومبية، مع سعي الإدارة القادمة إلى إعادة تموضع بوغوتا إقليميًا ودوليًا، في وقت تراقب فيه عواصم أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط تداعيات هذا التبدل.

ماذا قال الرئيس المنتخب؟

بحسب ما أعلنته دوائر مقربة من الرئيس المنتخب، فإن حكومة دي لا إسبرييا تمضي نحو إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ونقل السفارة إلى القدس بعد تنصيبه. كما أشار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى أنه تلقى إخطارًا من الفريق الدبلوماسي الكولومبي القادم يفيد بأن كولومبيا ستفتتح سفارتها في القدس، لتصبح من الدول القليلة التي اتخذت هذا المسار الدبلوماسي.

أهمية هذا الإعلان لا تتوقف عند الجانب الثنائي فقط، بل تمتد إلى حساسية ملف القدس في القانون الدولي والسياسة الدولية، وهو ما يمنح القرار أبعادًا أوسع بالنسبة للمنطقة العربية، وبينها مصر التي تتابع عادة أي تحرك دبلوماسي مرتبط بالمدينة المقدسة وموقعها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

من هو أبيلاردو دي لا إسبرييا؟

دي لا إسبرييا، وهو محامٍ ورجل أعمال كولومبي، صعد سياسيًا من بوابة الخطاب اليميني المحافظ والأمني المتشدد. وقد خاض انتخابات الرئاسة لعام 2026 ممثلًا لحركة "Defensores de la Patria" أو "مدافعو الوطن"، وفاز رسميًا في جولة الإعادة ليقود كولومبيا خلال الفترة الدستورية 2026 - 2030. كما أُعلن خوسيه مانويل ريستريبو نائبًا منتخبًا له.

النتائج الرسمية أظهرت أن السباق كان شديد التقارب. ووفق تقرير بعثة منظمة الدول الأمريكية حول جولة الإعادة، حصلت بطاقة دي لا إسبرييا - ريستريبو على 12,960,166 صوتًا، ما يفسر الحديث عن فوز بفارق محدود للغاية يقل عن نقطة مئوية واحدة مقارنة بمنافسه اليساري إيفان ثيبيدا كاسترو. هذا الفارق الضيق يعني أن الرئيس المنتخب يدخل القصر الرئاسي بتفويض انتخابي قائم، لكنه محاط باستقطاب داخلي حاد.

من القطيعة إلى الاستعادة

لفهم وزن الإعلان الجديد، ينبغي التوقف عند الخلفية القريبة للعلاقات بين البلدين. ففي 1 مايو 2024 أعلن الرئيس غوستافو بيترو من ساحة بوليفار في بوغوتا أن بلاده ستقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل اعتبارًا من اليوم التالي. وبعدها أكدت وزارة الخارجية الكولومبية أن الخدمات القنصلية للكولومبيين في إسرائيل وفلسطين ستستمر عبر القسم القنصلي التابع للسفارة في تل أبيب.

وخلال الأشهر التالية، واصلت حكومة بيترو تبني مواقف متشددة تجاه إسرائيل، شملت إدانة العمليات العسكرية في غزة، والإشارة رسميًا إلى خطوات مثل حظر تصدير الفحم إلى إسرائيل، فضلًا عن دعم المسار القانوني الذي قادته جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية. لذلك فإن عودة العلاقات الآن، إذا نُفذت كما هو معلن، ستشكل تراجعًا عمليًا عن واحدة من أبرز بصمات بيترو في السياسة الخارجية.

القدس في قلب الجدل الدبلوماسي

نقل أي سفارة إلى القدس يظل ملفًا بالغ الحساسية، لأن وضع المدينة من قضايا الحل النهائي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما أن غالبية دول العالم أبقت سفاراتها في تل أبيب. لذلك فإن القرار الكولومبي المحتمل سيضع بوغوتا في معسكر محدود من الدول التي اختارت الاعتراف بالقدس مقرًا للسفارات.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط بأمريكا اللاتينية، بل أيضًا بكونه مثالًا على كيفية تفاعل دول الجنوب العالمي مع ملفات الشرق الأوسط. فبينما تبنت إدارة بيترو خطابًا أقرب إلى دعم الموقف الفلسطيني، تتحرك الإدارة الجديدة في اتجاه معاكس تمامًا، ما يعكس مدى ارتباط السياسة الخارجية بتحولات الداخل الانتخابي والأيديولوجي.

أولويات الداخل: الأمن قبل كل شيء

بعيدًا عن الملف الإسرائيلي، بنى دي لا إسبرييا جزءًا كبيرًا من حملته على وعود بتشديد القبضة الأمنية ضد الجماعات المسلحة التي تنشط في كولومبيا، وهي قضية شديدة الحساسية في بلد لا يزال يواجه إرثًا طويلًا من الصراع الداخلي مع فصائل مسلحة وشبكات تهريب ومناطق خارجة نسبيًا عن سيطرة الدولة الكاملة.

هذا الخطاب الأمني ساعده على جذب قطاعات من الناخبين الباحثين عن مقاربة أكثر صرامة مقارنة بسياسات التفاوض والتهدئة التي ارتبطت بإدارة بيترو. ومن هنا، فإن تقاربه مع إسرائيل لا يُقرأ فقط من زاوية السياسة الخارجية، بل أيضًا من زاوية رمزية تتعلق بالخبرات الأمنية والتكنولوجية والعسكرية التي قد تسعى حكومته إلى توسيع التعاون فيها مستقبلًا.

ما الذي يعنيه ذلك لأفريقيا والشرق الأوسط؟

رغم أن الخبر يخص أمريكا الجنوبية، فإن موقعه في قسم "أفريقيا" يظل منطقيًا للقارئ المصري إذا نظرنا إلى تداخل دوائر السياسة بين القارة الأفريقية والجنوب العالمي والشرق الأوسط. فالقاهرة، مثل كثير من العواصم الأفريقية، تتابع عن قرب اتجاهات التصويت والمواقف الدبلوماسية في الأمم المتحدة، وتحولات مواقف دول أمريكا اللاتينية من القضية الفلسطينية، لما لذلك من أثر على التوازنات الدولية الأوسع.

كما أن التبدل الكولومبي قد يشجع قوى يمينية أخرى في أمريكا اللاتينية على الدفع نحو تقارب أكبر مع إسرائيل، وهو ما قد ينعكس على خرائط الاصطفاف السياسي في المحافل الدولية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالحرب في غزة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، ووضع القدس.

هل يصبح القرار نهائيًا؟

حتى الآن، ما صدر هو تأكيد سياسي واضح من الرئيس المنتخب وفريقه، مدعوم بإشارات من الجانب الإسرائيلي، لكن التنفيذ العملي سيبدأ بعد تسلم السلطة رسميًا في أغسطس. وعادة ما يتطلب نقل السفارات ترتيبات قانونية وإدارية وأمنية وميزانية تشغيلية، إلى جانب إعادة تنظيم التمثيل الدبلوماسي على الأرض.

ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية باتت واضحة: كولومبيا في طريقها إلى إعادة صياغة علاقتها مع إسرائيل بصورة مغايرة تمامًا لنهج العامين الماضيين. وإذا مضت الخطة كما أُعلن عنها، فستكون بوغوتا أمام واحدة من أبرز انعطافاتها الدبلوماسية في السنوات الأخيرة، في خطوة ستبقى تحت مجهر المتابعين في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا على حد سواء.