زيارة السيسي إلى كوريا الجنوبية تفتح مسارًا جديدًا للشراكة
زيارة دولة تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية مهمة
يتوجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية كوريا في زيارة دولة تبدأ يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 ضمن جولة آسيوية تشمل أيضًا ماليزيا وإندونيسيا، بحسب ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية في مصر. وتُعد المحطة الكورية الجنوبية الافتتاحية في هذه الجولة، مع برنامج يتضمن قمة رسمية مع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج يوم الخميس 8 أكتوبر 2026 خلال زيارة تستمر ثلاثة أيام.
وبالنسبة للقارئ المصري، تكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها تضع ملف الاستثمار والتعاون الصناعي ونقل الخبرات التكنولوجية في مقدمة الأجندة، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. ووفق الإحاطة الصادرة من الجانب الكوري، فإن المباحثات المنتظرة ستشمل التجارة والاستثمار والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، فضلًا عن توسيع التبادل بين الشعبين.
ما الذي ستناقشه قمة السيسي ولي جاي ميونج؟
الرئاسة الكورية الجنوبية أوضحت أن القمة المرتقبة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس لي جاي ميونج ستتناول التعاون الاقتصادي بصورة معمقة، مع تركيز على التجارة، والاستثمارات، ومشروعات البنية التحتية، وسلاسل التوريد، بالإضافة إلى مناقشة التطورات السياسية في الإقليم والملفات الدولية. كما أشارت سيول إلى أن الزيارة تمثل فرصة لدفع العلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر تقدمًا، مع ربط ذلك بتعزيز انفتاح كوريا الجنوبية على أفريقيا والشرق الأوسط.
ومن الجانب المصري، أكدت الرئاسة أن الرئيس السيسي سيشارك أيضًا في مائدة مستديرة تضم رؤساء وممثلي كبرى الشركات الكورية، وهي إشارة مهمة إلى أن القاهرة تراهن على نتائج عملية للزيارة، لا تقتصر على البعد البروتوكولي، بل تمتد إلى جذب استثمارات جديدة وتوسيع حضور الشركات الكورية في السوق المصرية.
امتداد لمسار بدأ بزيارة الرئيس الكوري إلى القاهرة
الزيارة الحالية لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى مسار شهد دفعة واضحة خلال زيارة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج إلى القاهرة في 20 نوفمبر 2025. وخلال تلك الزيارة، بحث الجانبان سبل تطوير العلاقات الثنائية، خصوصًا في المجال الاقتصادي، كما شهدا توقيع مذكرتي تفاهم في مجالي الثقافة والتعليم. وطرح الرئيس السيسي آنذاك أفكارًا تتعلق بتوسيع الاستثمارات الكورية في مصر، إلى جانب دراسة إنشاء جامعة كورية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا ومدارس كورية داخل مصر.
كما التقى الرئيسان مرة أخرى في سياق الاتصالات المتبادلة بين البلدين، وهو ما يجعل قمة سيول امتدادًا مباشرًا لحوار سياسي واقتصادي بدأ بالفعل، وليس مجرد افتتاح صفحة جديدة من الصفر. ومن هنا، تبدو الزيارة اختبارًا لقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السابقة إلى برامج تنفيذية ومشروعات قابلة للقياس.
لماذا يهم هذا التحرك مصر اقتصاديًا؟
كوريا الجنوبية تُعد من الاقتصادات الصناعية والتكنولوجية الكبرى في آسيا، وتمتلك خبرة واسعة في مجالات الإلكترونيات، والسيارات، وبناء السفن، والصناعات الثقيلة، والتحول الرقمي، والطاقة، والبنية التحتية. ولهذا، فإن أي تقدم في العلاقات المصرية الكورية يلفت اهتمام دوائر الأعمال في مصر، خاصة مع سعي القاهرة إلى توطين الصناعة، وتوسيع قاعدة التصدير، والاستفادة من موقعها كبوابة للأسواق العربية والأفريقية.
البيانات الرسمية المصرية خلال الشهور الماضية أظهرت اهتمامًا متزايدًا بتشجيع الشركات الكورية على التوسع في مصر، مع إبراز ما تتمتع به السوق المحلية من استقرار نسبي، ومزايا تنافسية، واتفاقيات تجارة حرة مع دوائر إقليمية متعددة. وفي هذا السياق، سبق أن أكدت الرئاسة المصرية أهمية تعميق الشراكة مع سيول على أساس النجاحات المحققة بالفعل، والبناء عليها في قطاعات أوسع.
كما أن الحديث عن البنية التحتية وسلاسل الإمداد في القمة المقبلة يحمل دلالة إضافية لمصر، في ظل اهتمام الدولة بتعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ ومراكز التصنيع والخدمات اللوجستية. وحتى إذا لم تُعلن تفاصيل اتفاقات جديدة بعد، فإن مجرد إدراج هذه الملفات على جدول القمة يعكس أن الاقتصاد سيكون العنوان الأبرز للزيارة.
البعد السياسي والإقليمي حاضر أيضًا
رغم أن الاقتصاد يتصدر المشهد، فإن القمة لن تنفصل عن التطورات الإقليمية. الجانب الكوري ذكر بوضوح أن الزعيمين سيبحثان أيضًا الأوضاع السياسية الإقليمية والقضايا الدولية. وهذا يتسق مع طبيعة العلاقة بين القاهرة وسيول، حيث ترى كوريا الجنوبية في مصر دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بينما تنظر القاهرة إلى تنويع الشراكات الآسيوية باعتباره جزءًا من سياستها الخارجية متعددة المسارات.
وخلال لقاء القاهرة في نوفمبر 2025، تناولت المناقشات كذلك قضايا السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية، ما يعني أن الحوار السياسي بين البلدين ليس هامشيًا، بل يمثل جزءًا ثابتًا من العلاقة الثنائية.
الزيارة الأولى منذ 2016.. ورسائلها العملية
بحسب ما نقلته وكالة يونهاب عبر وسائل إعلام كورية، فإن زيارة الرئيس السيسي الحالية هي الأولى له إلى كوريا الجنوبية منذ عام 2016. وهذه النقطة تمنح التحرك بعدًا إضافيًا، لأن الزيارات على هذا المستوى عادة ما تُستخدم لإعادة ترتيب أولويات التعاون وفتح قنوات مباشرة بين الحكومتين ومجتمعي الأعمال في البلدين.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يُمثل محور التغطية المصرية لهذه الزيارة بوصفها خطوة تخص السياسة الخارجية المصرية ومصالحها الاقتصادية المباشرة. وبالعودة إلى المنصات الرسمية، يظهر الرئيس السيسي من خلال الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية بوصفه صاحب التحرك في هذا الملف، فيما لم يتبين من المصادر الرسمية التي جرى التحقق منها حساب إنستغرام شخصي موثق للرئيس يمكن نسبته إليه بدقة، لذلك يظل ذكره هنا دون أي مقبض غير موثّق.
ماذا يمكن أن تخرج به القاهرة من القمة؟
النتائج النهائية ستتضح بعد انتهاء الزيارة، لكن المؤشرات المتاحة حاليًا تسمح بتوقع عدد من المسارات المحتملة:
- تعزيز الاستثمارات الكورية في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية داخل مصر.
- توسيع التواصل المباشر مع الشركات الكبرى عبر المائدة المستديرة التي يشارك فيها الرئيس السيسي في سيول.
- استكمال التفاهمات السابقة التي طُرحت خلال زيارة الرئيس الكوري إلى القاهرة في نوفمبر 2025، خصوصًا في مجالي التعليم والثقافة، وربما الدفع نحو تعاون مؤسسي أوسع.
- رفع مستوى التنسيق السياسي بشأن ملفات الشرق الأوسط والتعاون الكوري مع أفريقيا عبر البوابة المصرية.
في المحصلة، تبدو زيارة الرئيس السيسي إلى كوريا الجنوبية أكثر من مجرد محطة دبلوماسية عابرة؛ فهي اختبار جديد لقدرة القاهرة على تحويل علاقاتها السياسية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، في وقت تبحث فيه مصر عن شراكات نوعية تدعم الصناعة والاستثمار ونقل التكنولوجيا. وإذا خرجت القمة بخطوات تنفيذية واضحة، فقد تتحول الزيارة إلى نقطة فارقة في مسار العلاقات المصرية الكورية خلال المرحلة المقبلة.