زيارة كوشنر المرتقبة لإسرائيل تضع خطة غزة أمام اختبار سياسي
زيارة كوشنر: تحرك سياسي في توقيت بالغ الحساسية
تتجه الأنظار إلى الزيارة التي يُرتقب أن يقوم بها جاريد كوشنر إلى إسرائيل ومصر خلال الأسبوع المقبل، في محاولة لدفع النقاش حول مستقبل قطاع غزة، في وقت تبدو فيه خطة ترامب لغزة عالقة بين اعتراضات إسرائيلية، وحسابات فلسطينية معقدة، ودور مصري يصعب تجاوزه في أي ترتيبات انتقالية. وبحسب ما أوردته تقارير أمريكية متطابقة، فإن كوشنر سيتوجه ضمن وفد يضم نيكولاي ملادينوف وتوني بلير، لبحث المسار التنفيذي لخطة تشمل نزع سلاح حركة حماس، ونقل الإدارة المدنية والأمنية إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية جديدة. وقد أكدت وكالة أسوشيتد برس أن الزيارة مقررة الأحد المقبل، وأن القاهرة مدرجة على جدول الجولة إلى جانب إسرائيل.
التحرك في حد ذاته لا يبدو مجرد زيارة بروتوكولية. فالإدارة الأمريكية الحالية تحاول ترجمة إعلان سابق للرئيس دونالد ترامب عن التوصل إلى تفاهم يقضي بنزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، لكن التنفيذ تعثر سريعًا مع بروز رفض واضح من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (@netanyahu على إنستغرام) لبعض بنود الخطة، خاصة ما يتعلق بالانسحاب العسكري قبل حسم ملف السلاح بصورة كاملة.
ما الذي تريده واشنطن من الزيارة؟
المعطيات المتاحة تشير إلى أن واشنطن تريد أمرين متوازيين: أولًا، تثبيت وقف إطلاق النار الهش الذي تأسس على تفاهمات أكتوبر 2025، وثانيًا، الانتقال من منطق الهدنة إلى منطق إدارة اليوم التالي في غزة. النص الكامل للاتفاق الذي نشرته وكالة أسوشيتد برس في 31 يوليو 2026 يتحدث عن إطار أوسع يستند إلى خطة شاملة أعلنها ترامب، ويتضمن مراقبة الالتزام بوقف النار، ودعم حكومة فلسطينية انتقالية، وتدريب الشرطة الفلسطينية، وتأمين دخول المساعدات الإنسانية.
لكن هذه الرؤية الأمريكية تصطدم بمشكلة جوهرية: إسرائيل تريد نزع سلاح حماس أولًا وبصورة نهائية، بينما يفترض المسار الأمريكي تدرجًا سياسيًا وأمنيًا متزامنًا، لا سيما في ما يخص الانسحاب الإسرائيلي وتولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولياتها داخل القطاع. هنا تحديدًا تصبح زيارة كوشنر محاولة لردم الفجوة بين النص السياسي للخطة ووقائع الميدان.
نتنياهو بين ضغوط الداخل والاحتكاك مع واشنطن
أهمية الزيارة لا تنبع فقط من ملف غزة، بل من توقيتها الإسرائيلي الداخلي أيضًا. تقارير أمريكية أشارت إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في أكتوبر 2026 تجعل أي تنازل في ملف غزة أكثر كلفة على نتنياهو سياسيًا. وقد أوضحت أسوشيتد برس أن نتنياهو رفض علنًا الخطة الأخيرة المدعومة من إدارة ترامب، مؤكدًا أن إسرائيل لن تنسحب من نحو 60% من القطاع الذي تسيطر عليه قبل نزع سلاح حماس بالكامل. هذا الموقف يكشف عن تباين غير معتاد في العلن بين الحكومة الإسرائيلية والبيت الأبيض.
من منظور تحليلي، لا يبدو نتنياهو في وارد خوض مواجهة مباشرة مع واشنطن، لكنه في المقابل غير مستعد لدخول انتخابات صعبة وهو يواجه اتهامًا من اليمين بأنه قدّم ترتيبات أمنية غير مضمونة. لذلك قد يحاول كسب الوقت، أو إعادة تفسير الخطة بطريقة تمنح إسرائيل سيطرة أمنية أطول داخل غزة، حتى لو قبل من حيث المبدأ بمسار انتقالي محدود.
لماذا تبقى مصر عنصرًا حاسمًا؟
بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يمكن قراءة زيارة كوشنر من زاوية إسرائيلية أمريكية فقط. فالقاهرة ليست مجرد محطة في الجولة، بل طرف مؤثر في هندسة أي تفاهم قابل للحياة. وزارة الخارجية المصرية تؤكد في مواقفها الرسمية أن مصر تتمسك بحل الدولتين، وترفض الإجراءات الأحادية التي تفصل غزة عن الضفة الغربية أو تغيّر الواقع الديموغرافي داخل القطاع. كما شددت القاهرة مرارًا على ضرورة تمكين إدارة فلسطينية من الاضطلاع بمهامها في غزة، ورفض أي مخططات للتهجير أو إعادة تشكيل القطاع خارج الإطار الفلسطيني الشرعي.
وفي 24 يونيو 2026، استقبل وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي نيكولاي ملادينوف لبحث تطورات الأوضاع في القطاع، في مؤشر واضح إلى أن القاهرة منخرطة بالفعل في المشاورات المرتبطة بالمرحلة التالية. كما أوضحت الخارجية المصرية في اتصالات ومواقف لاحقة أهمية تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها داخل القطاع باعتبار ذلك خطوة مركزية في المرحلة الانتقالية.
هذه النقطة بالذات مهمة: أي خطة تتحدث عن إدارة جديدة أو ترتيبات أمنية أو إدخال مساعدات وإعادة تأهيل للمؤسسات المدنية لا يمكن أن تتجاوز مصر، سواء بحكم الجغرافيا عبر معبر رفح والعريش، أو بحكم ثقلها السياسي في ملف الوساطة الفلسطينية. من هنا، فإن مرور كوشنر بالقاهرة ليس تفصيلًا ثانويًا، بل اعتراف عملي بأن المسار الأمريكي يحتاج غطاءً إقليميًا وممرًا تنفيذيًا مصريًا.
هل تنجح فكرة «نزع السلاح مقابل الانسحاب»؟
العقدة الأكبر في كل هذه الترتيبات تتمثل في سؤال واحد: من يضمن التزام الأطراف؟ الصيغة المطروحة تقوم على معادلة شديدة الحساسية: نزع سلاح حماس مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، مع تسليم الإدارة إلى جسم فلسطيني تكنوقراطي. المشكلة أن كل طرف ينظر إلى هذه المعادلة باعتبارها مجازفة. إسرائيل تخشى أن يتحول الانسحاب إلى فراغ أمني، وحماس تخشى أن يتحول مطلب نزع السلاح إلى أداة لإبقاء السيطرة الإسرائيلية بأشكال مختلفة.
لذلك، فإن زيارة كوشنر قد تكون أقل ارتباطًا بإعلان اختراق سريع، وأكثر ارتباطًا باختبار مدى استعداد الأطراف للقبول بآليات تنفيذية مرحلية، تشمل جداول زمنية، ومراقبة خارجية، وربما أدوارًا أوسع لجهات دولية وإقليمية. من دون ذلك، ستظل الخطة أقرب إلى تصور سياسي طموح منها إلى اتفاق قابل للتطبيق.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر والمنطقة؟
في الحسابات المصرية، أي مسار جدي في غزة يجب أن يحقق ثلاثة أهداف متلازمة: وقف الحرب بشكل مستدام، حماية الفلسطينيين من التهجير أو التفريغ السياسي، وتهيئة بيئة تسمح بعودة إدارة فلسطينية معترف بها. ولهذا تبدو القاهرة حذرة من الصيغ التي تختزل الأزمة في بعدها الأمني وحده، أو تفصل بين التهدئة وإعادة الإعمار والمسار السياسي الأشمل.
إذا نجحت جولة كوشنر في تقليص الفجوة بين واشنطن وتل أبيب، فقد تفتح الباب أمام مرحلة تفاوضية أكثر تفصيلًا. أما إذا بقي نتنياهو أسير حسابات ائتلافه والانتخابات المقبلة، فمن المرجح أن تستمر المراوحة، مع بقاء غزة تحت إدارة أزمة لا تحت إدارة حل. وفي الحالتين، ستظل مصر في قلب المشهد: وسيطًا، وضامنًا سياسيًا، وطرفًا معنيًا مباشرة بمنع انفجار جديد على حدودها الشرقية.
الخلاصة أن زيارة جاريد كوشنر لا تختبر فقط مصير خطة ترامب لغزة، بل تختبر أيضًا ما إذا كانت اللحظة الإقليمية تسمح أصلًا بترجمة الأفكار الكبرى إلى ترتيبات واقعية. وحتى الآن، تبدو العقبة الأساسية سياسية بقدر ما هي أمنية: كيف يمكن إقناع حكومة إسرائيلية متجهة إلى انتخابات صعبة بقبول صيغة لا تمنحها نصرًا كاملًا، وفي الوقت نفسه إقناع الفلسطينيين بأن «اليوم التالي» لن يكون مجرد إعادة إنتاج للوصاية تحت عنوان جديد؟
- المرجح سياسيًا: استمرار التفاوض على التفاصيل لا إعلان اتفاق نهائي سريع.
- العقدة المركزية: ترتيب تزامن الانسحاب الإسرائيلي مع نزع سلاح حماس.
- الدور المصري: حاسم في الوساطة، واللوجستيات، وشرعية أي مرحلة انتقالية.
- تأثير الانتخابات الإسرائيلية: يزيد كلفة التنازل على نتنياهو ويبطئ فرص التنفيذ.