زيارة نتنياهو إلى واشنطن: هل يصطدم بطلبات أمريكية للانسحاب؟
زيارة جديدة إلى واشنطن وسط ملفات أمنية متشابكة
تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، مع استمرار الحرب في غزة، وتعقّد الترتيبات الأمنية على الجبهتين اللبنانية والسورية، إلى جانب عودة الملف الإيراني إلى صدارة المحادثات بين تل أبيب وواشنطن.
المؤكد حتى الآن أن الزيارة تأتي بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأن لقاءً في البيت الأبيض جرى ترتيبه ليوم الثلاثاء 28 يوليو 2026، بحسب ما أوردته تقارير أمريكية نقلا عن بيان صادر عن مكتب نتنياهو، في وقت يترقب فيه مراقبون ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستضغط فعليا من أجل إعادة انتشار أو انسحاب إسرائيلي من بعض الساحات الإقليمية.
هل يوجد طلب أمريكي مباشر بشأن لبنان وسوريا؟
خلال الأسابيع الأخيرة، ظهرت مؤشرات متزايدة على وجود رغبة أمريكية في تقليص الحضور العسكري الإسرائيلي خارج حدوده المباشرة، خصوصا في جنوب لبنان وبعض النقاط داخل سوريا. ووفقا لما نقلته تقارير صحفية أمريكية عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، فإن ترامب أبلغ نتنياهو في اتصال هاتفي بضرورة البدء في إعادة تموضع القوات الإسرائيلية في سوريا، وشجعه على اتخاذ خطوة مماثلة في لبنان.
هذا التوجه لا يبدو منفصلا عن تصريحات علنية أدلى بها ترامب في 8 يوليو 2026 خلال قمة حلف الناتو في أنقرة، حين قال إنه يعتقد أن إسرائيل ستنسحب من جنوب لبنان، مضيفا أنه ناقش هذا الأمر مع نتنياهو، وأن هناك ترتيبات بين إسرائيل ولبنان يمكن أن تقود إلى تلك النتيجة. كما أشارت التغطية نفسها إلى أن اتفاقا أمنيا وُقّع في 26 يونيو 2026 بوساطة أمريكية بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية، ويتضمن تسليم منطقتين إلى الجيش اللبناني.
لكن موقف نتنياهو المعلن مختلف
في المقابل، لا تعكس تصريحات نتنياهو الأخيرة استعدادا واضحا للانسحاب السريع. ففي أكثر من مناسبة خلال يوليو 2026، شدد على أن إسرائيل ستبقي لنفسها حرية العمل ضد ما تعتبره تهديدات ناشئة، كما تحدث علنا عن استمرار الوجود الإسرائيلي في لبنان “طالما اقتضت الضرورة الأمنية”، وربط ذلك بحماية بلدات الشمال الإسرائيلية. كذلك أشار في خطاب آخر إلى أن ما يسميه “الحزام الأمني” لم يعد عند حدود غزة أو لبنان فقط، بل يمتد عمليّا إلى الداخل السوري.
هذا التباين بين خطاب ترامب العلني وموقف نتنياهو المعلن يفتح الباب أمام سؤال محوري: هل تشهد الزيارة مواجهة سياسية هادئة بين الحليفين، أم أنها ستنتهي بصيغة وسط تقوم على إعادة انتشار تدريجية بدل انسحاب كامل وفوري؟
ماذا عن غزة؟
رغم أن العنوان الأوسع للزيارة يتصل بغزة ولبنان وسوريا، فإن قطاع غزة يظل الملف الأكثر ثقلا سياسيا وإنسانيا. الخطاب الرسمي الإسرائيلي لا يزال يربط أي ترتيبات لاحقة في القطاع بتحقيق أهداف الحرب واستعادة الرهائن. وفي مداولات داخلية إسرائيلية سابقة هذا العام، كرر نتنياهو أن التنسيق مع ترامب يشمل السعي إلى استعادة المحتجزين ومنع عودة التهديدات من غزة.
لكنّ السؤال المطروح في واشنطن أوسع من مسألة العمليات العسكرية وحدها: هل تقبل إسرائيل بخفض الوجود العسكري المباشر داخل غزة أو بإعادة صياغة شكل انتشاره ضمن تفاهمات أوسع ترعاها الولايات المتحدة؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثقة على إعلان إسرائيلي بالموافقة على انسحاب كامل من القطاع، كما لا يوجد إعلان أمريكي رسمي منشور يحدد جدولاً زمنيا ملزما لذلك. ولهذا يبقى ملف غزة مرشحا لأن يكون محور تفاوض أكثر منه ملفا محسومًا مسبقا.
إيران على طاولة المباحثات
المصدر الأصلي أشار إلى أن نتنياهو قال سابقا إنه سيبحث مع ترامب كل القضايا المدرجة على جدول الزيارة، بما في ذلك الوضع في إيران. هذا المعطى تؤيده مصادر متعددة؛ إذ إن مكتب نتنياهو والدوائر الإسرائيلية الرسمية تحدثت خلال الأشهر الماضية عن تنسيق وثيق مع واشنطن بشأن منع إيران من إعادة بناء قدراتها الباليستية أو استئناف برنامجها النووي بصورة تهدد إسرائيل، كما أن تقارير أمريكية حديثة ربطت الزيارة أصلا بتصاعد القلق من احتمال تجدد المواجهة مع طهران.
بالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا الترابط بين غزة ولبنان وسوريا وإيران مهم لفهم الصورة الكاملة: أي تفاهم أمريكي-إسرائيلي بشأن الانسحاب أو إعادة الانتشار لن يكون منفصلا عن حسابات أوسع تخص ميزان الردع في المنطقة، ومسار التهدئة، واحتمالات التصعيد عبر أكثر من جبهة في وقت واحد.
لماذا تهم الزيارة المنطقة العربية ومصر تحديدا؟
في القاهرة، يُنظر إلى أي تحرك أمريكي مرتبط بغزة بقدر كبير من المتابعة، لأن تطورات القطاع تمس مباشرة ملفات التهدئة والمساعدات الإنسانية وأمن الحدود والتوازنات الإقليمية. كما أن أي تبدل في المشهد اللبناني أو السوري ينعكس على معادلات الأمن في شرق المتوسط، وعلى فرص خفض التوتر في الإقليم ككل.
ومن هنا، فإن أهمية زيارة نتنياهو لا تكمن فقط في احتمال بروز خلاف مع ترامب، بل أيضا في ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تحويل المكاسب العسكرية الإسرائيلية في بعض الجبهات إلى ترتيبات سياسية وأمنية أكثر استقرارا، أو على الأقل أقل كلفة على المدى البعيد.
السيناريوهات الأقرب بعد اللقاء
1- استمرار الخلاف العلني مع إدارة أمريكية ضاغطة
هذا السيناريو يفترض أن يتمسك ترامب علنا بفكرة الانسحاب أو خفض الوجود العسكري في لبنان وسوريا، وربما الدفع نحو ترتيبات مماثلة في غزة، بينما يواصل نتنياهو رفض أي خطوة يراها مهددة للأمن الإسرائيلي.
2- تسوية مرحلية بصيغة “إعادة انتشار”
وهو السيناريو الأرجح لدى كثير من المتابعين، لأنّه يتيح للطرفين إعلان تقدم سياسي من دون الظهور بمظهر المتراجع الكامل. وقد يشمل ذلك:
- تقليصا تدريجيا للوجود الإسرائيلي في بعض نقاط جنوب لبنان.
- تخفيفا أو إعادة تموضع في مواقع داخل سوريا.
- تفاهمات أمنية مؤقتة بشأن إدارة العمليات أو الوجود العسكري في غزة.
3- ربط كل الملفات بالورقة الإيرانية
هناك احتمال أن يربط نتنياهو أي مرونة في الساحات الثلاث بالحصول على ضمانات أمريكية أشد تجاه إيران، سواء في الملف النووي أو في ما يتعلق بالنفوذ الإقليمي.
الخلاصة
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لا توجد وثيقة أمريكية رسمية منشورة تؤكد وجود أمر ملزم لنتنياهو بالانسحاب من غزة ولبنان وسوريا دفعة واحدة. لكن المؤكد أن واشنطن بعثت، علنا أو عبر التسريبات، بإشارات واضحة إلى رغبتها في تقليص التورط العسكري الإسرائيلي في بعض الساحات، خاصة لبنان وسوريا. في المقابل، يتمسك نتنياهو بخطاب أمني متشدد يربط أي انسحاب بزوال التهديدات على الأرض.
وعليه، فإن السؤال الأصح ربما ليس: هل سيرفض نتنياهو المطلب الأمريكي؟ بل: إلى أي مدى يستطيع المناورة قبل أن يضطر إلى قبول صيغة وسط مع إدارة ترامب؟ الإجابة ستتضح أكثر بعد لقاء واشنطن المقرر في 28 يوليو 2026، والذي قد يحدد شكل المرحلة المقبلة في غزة ولبنان وسوريا، وربما في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية نفسها.