Akhbar Cairo

زيارة نمساوية إلى واشنطن قبل استحقاق مجلس الأمن

واشنطن محطة مبكرة في اختبار الدور النمساوي الجديد

تتوجه وزيرة الخارجية النمساوية بياتي ماينل-رايزينجر (@beate_meinl_reisinger على إنستغرام) إلى واشنطن في زيارة رسمية قصيرة تمتد نحو 24 ساعة، لعقد مباحثات مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. ورغم أن الزيارة تبدو بروتوكولية في ظاهرها، فإن توقيتها يمنحها ثقلاً سياسياً أكبر، لأنها تأتي بعد أسابيع من انتخاب النمسا عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2027-2028، وهو استحقاق تعتبره فيينا عودة إلى دائرة التأثير الأممي في لحظة دولية شديدة الاضطراب.

وبحسب وزارة الخارجية النمساوية، تشغل ماينل-رايزينجر منصب وزيرة الشؤون الأوروبية والدولية منذ 3 مارس 2025. كما تؤكد الخارجية النمساوية أن بلادها انتُخبت في 3 يونيو 2026 لعضوية مجلس الأمن للفترة 2027-2028 بعد حصولها على 131 صوتاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عودة هي الرابعة للنمسا إلى المجلس بعد دورات سابقة في 1973-1974 و1991-1992 و2009-2010.

لماذا تحمل الزيارة أكثر من مجرد لقاء ثنائي؟

في القراءة السياسية، لا يمكن فصل زيارة واشنطن عن مسعى نمساوي واضح لترتيب الأولويات قبل بدء العضوية الفعلية في مجلس الأمن في 1 يناير 2027. فالدولة الأوروبية المتوسطة، ذات التقليد الدبلوماسي المرتبط بالحياد واستضافة المنظمات الدولية في فيينا، تدرك أن النجاح في انتخابات الأمم المتحدة شيء، وتحويل المقعد إلى تأثير فعلي شيء آخر.

ومن هذه الزاوية، تبدو واشنطن الشريك الذي لا يمكن تجاوزه. فالولايات المتحدة ليست فقط عضواً دائماً في مجلس الأمن وصاحبة حق النقض، بل تبقى لاعباً مركزياً في ملفات الحرب والسلم، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط إلى قضايا العقوبات والتسليح والتكنولوجيا والأمن السيبراني. لذلك، فإن أي عاصمة تستعد لدخول المجلس تسعى مبكراً إلى بناء قنوات عمل مستقرة مع الإدارة الأمريكية، خصوصاً حين تكون أجندة المجلس مزدحمة بملفات تتجاوز القدرة الأوروبية المنفردة.

ما الذي يمكن أن يناقشه الطرفان؟

السوابق القريبة تعطينا مؤشراً مهماً. ففي 24 يوليو 2025، التقت ماينل-رايزينجر بماركو روبيو في واشنطن، وقالت الخارجية النمساوية آنذاك إن المباحثات تناولت الشراكة الثنائية، والحوار التجاري العابر للأطلسي، إلى جانب الأزمات العالمية. كما أشارت إلى أن العلاقات تستند إلى الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين عام 2019.

وبناءً على ذلك، من المرجح أن تتصدر أجندة اللقاء الجديد ثلاثة محاور: أولاً، تنسيق المواقف قبل عضوية مجلس الأمن؛ ثانياً، إدارة الخلافات التجارية أو الاقتصادية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ وثالثاً، مقاربة النزاعات المفتوحة، ولا سيما الحرب في أوكرانيا والتطورات في الشرق الأوسط. وهذه ليست قراءة افتراضية بالكامل، بل استنتاج منطقي تدعمه البيانات الرسمية النمساوية عن أولويات دبلوماسيتها خلال العامين الأخيرين.

مجلس الأمن: ما الذي تريده فيينا من المقعد؟

البيانات الرسمية الصادرة عن البعثة النمساوية لدى الأمم المتحدة توضح أن فيينا تريد استثمار عضويتها في الدفع بعدة أولويات، بينها حماية المدنيين، وتعزيز عمليات حفظ السلام، والدفاع عن النظام القانوني الدولي، والتعامل مع التهديدات الناتجة عن التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي والتضليل المعلوماتي. هذه العناوين تكشف أن النمسا لا تريد مقعداً رمزياً، بل تحاول تقديم نفسها كصوت أوروبي براغماتي يجمع بين الأمن التقليدي والأمن التكنولوجي.

لكن السؤال الأهم من منظور تحليلي هو: هل تملك النمسا هامشاً حقيقياً داخل المجلس؟ الإجابة المختصرة أن الهامش موجود، لكنه مشروط. فالأعضاء غير الدائمين لا يملكون الفيتو، غير أنهم يستطيعون التأثير عبر صياغة مشاريع القرارات، وتشكيل التحالفات، والدفع بالنقاشات الإجرائية والإنسانية، وتوسيع الضغط الدبلوماسي حول الملفات التي لا تحظى بإجماع القوى الكبرى. وفي هذا النوع من الأدوار، تمتلك فيينا خبرة مؤسسية لا يُستهان بها، بحكم موقعها الدولي وتاريخها مع الأمم المتحدة.

كيف تُقرأ الزيارة من زاوية مصرية وعربية؟

بالنسبة للقارئ في مصر، قد تبدو زيارة وزيرة خارجية النمسا إلى واشنطن خبراً أوروبياً بعيداً. لكن تداعياته ليست بعيدة عن المنطقة. فكل إعادة تموضع داخل مجلس الأمن تهم الشرق الأوسط مباشرة، لأن ملفات غزة، والسودان، وسوريا، ولبنان، وأمن البحر الأحمر، والبرامج النووية، والعقوبات الدولية، كلها تمر بدرجات مختلفة عبر المجلس أو تتأثر بموازين القوى داخله.

ومن هنا، فإن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في اللقاء الأمريكي-النمساوي ذاته، بل في نوعية الدور الذي قد تلعبه فيينا لاحقاً عندما تصبح عضواً غير دائم. هل ستتحرك كصوت أوروبي ملتزم بخط الاتحاد الأوروبي؟ أم كدولة حياد تسعى إلى مساحة تفاوضية أوسع؟ أم كمزيج بين الاثنين؟ هذه الأسئلة تهم المنطقة العربية، لأن كثيراً من القرارات الأممية لا تُحسم فقط بمواقف الدول الكبرى، بل أيضاً بقدرة الدول المنتخبة على صياغة التوازنات.

النمسا بين الحياد والتموضع الغربي

واحدة من المفارقات اللافتة أن النمسا تحافظ تاريخياً على هوية مرتبطة بالحياد، لكنها في الوقت نفسه جزء من الفضاء السياسي والاقتصادي الأوروبي والغربي. هذا يجعل حركتها في مجلس الأمن محكومة بمعادلة دقيقة: الحفاظ على صورة الوسيط القادر على الحوار، من دون الابتعاد عن التوافقات الأساسية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، فإن زيارة واشنطن تمثل، على الأرجح، محاولة لتثبيت هذا التوازن مبكراً. فالدبلوماسية النمساوية تعرف أن النجاح في نيويورك يبدأ غالباً من العواصم المؤثرة: واشنطن، وبروكسل، وباريس، ولندن، فضلاً عن التواصل مع قوى الجنوب العالمي. لذلك يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها جزءاً من هندسة ما قبل الجلوس على مقعد المجلس، لا مجرد موعد ثنائي عابر.

هل تستطيع فيينا لعب دور يتجاوز حجمها؟

التجربة الدولية تقول إن بعض الدول المتوسطة تنجح أحياناً في لعب أدوار أكبر من وزنها التقليدي إذا امتلكت ثلاثة عناصر: وضوح الأولويات، ونشاطاً دبلوماسياً كثيفاً، وقدرة على تقديم صيغ تسوية. والنمسا تراهن بوضوح على هذه المعادلة. فحملتها للفوز بالمقعد استمرت سنوات طويلة، والخارجية النمساوية قالت إن ماينل-رايزينجر تواصلت شخصياً خلال الأشهر الماضية مع ممثلي أكثر من 150 دولة لحشد التأييد لترشيح بلادها.

هذا الرقم مهم، لأنه يكشف أن فيينا لا تنظر إلى مقعد مجلس الأمن كجائزة شرفية، بل كاستثمار سياسي طويل الأجل. وإذا أضيف إلى ذلك كون فيينا إحدى المدن الأممية الرئيسية وموطناً لعدد من المنظمات الدولية، فإن النمسا تمتلك بنية تحتية دبلوماسية تساعدها على لعب دور نشط، حتى إن ظلت حدود هذا الدور مرهونة بتوازنات القوى الكبرى.

خلاصة المشهد

زيارة بياتي ماينل-رايزينجر إلى واشنطن ليست خبراً بروتوكولياً محدود الأثر، بل خطوة يمكن قراءتها باعتبارها جزءاً من تحضير نمساوي مبكر لمرحلة مجلس الأمن. اللقاء مع ماركو روبيو يأتي في سياق سعي فيينا إلى تثبيت موقعها كشريك موثوق غربياً، وكدولة أوروبية تريد أن تدخل المجلس برؤية سياسية لا بمجرد حضور شكلي.

وبالنسبة للمتابع المصري والعربي، فإن دلالة الزيارة تكمن في أن خرائط النفوذ داخل الأمم المتحدة تُرسم قبل بدء العضوية الرسمية بوقت طويل. وما يحدث اليوم بين فيينا وواشنطن قد ينعكس غداً على طريقة تعاطي مجلس الأمن مع أزمات تمس المنطقة بصورة مباشرة. لهذا، فإن الخبر في جوهره ليس عن رحلة قصيرة إلى العاصمة الأمريكية، بل عن كيفية استعداد دولة أوروبية متوسطة لتحويل مقعد أممي إلى مساحة تأثير في عالم مضطرب.