زيلينسكي بين صواريخ كييف وضغوط التفاوض الثلاثي
بين الميدان والتفاوض: لماذا يعود الحديث عن صيغة ثلاثية الآن؟
في لحظة شديدة الحساسية من الحرب الروسية الأوكرانية، عاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (@zelenskyy_official على إنستغرام) لطرح مسار تفاوضي جديد يقوم على محادثات ثلاثية تضم أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة. أهمية الطرح لا تأتي فقط من تركيبته السياسية، بل من توقيته أيضاً: فكلما ارتفع منسوب الحديث عن الدبلوماسية، تتعرض المدن الأوكرانية، وفي مقدمتها كييف، لهجمات كثيفة تذكّر بأن الكلمة النهائية لم تنتقل بعد من الجبهة إلى طاولة التفاوض.
المعطيات المتاحة حتى 22 أكتوبر 2026 تشير إلى أن الاتصالات الجارية لا تزال تدور حول استئناف محادثات على المستوى الفني بين الأطراف الثلاثة، بعدما شهدت الأشهر الماضية جولات سابقة في أبوظبي وجنيف من دون اختراق حاسم يتجاوز تبادل الأسرى وبحث ترتيبات أولية. كما أن تقارير حديثة أفادت بأن موسكو وافقت “من حيث المبدأ” على استئناف هذا المسار، بينما رجّحت أوساط غربية أن تُعقد الجولة التالية في منتصف نوفمبر 2026 لا مطلعه، وهو فارق زمني مهم يعكس أن التفاصيل النهائية ما زالت قيد الشد والجذب.
كييف تحت النار: الرسالة العسكرية تسبق الرسالة السياسية
اللافت أن طرح التفاوض جاء متزامناً مع تصعيد ميداني جديد على العاصمة الأوكرانية. فخلال الأسابيع الأخيرة تكررت الضربات الباليستية والطائرات المسيّرة على كييف، مع استهداف مبانٍ سكنية ومنشآت طاقة وبنية نقل. وفي 24 سبتمبر 2026، أعلنت السلطات الأوكرانية مقتل شخصين في هجوم على كييف، بينهم ضحية قرب موقف تابع لمستشفى ولادة تضرر جراء القصف، في مؤشر واضح إلى اتساع نطاق المخاطر على المدنيين.
ثم تصاعدت الصورة أكثر في 22 أكتوبر 2026، حين تحدثت تقارير ميدانية عن موجات من الصواريخ الباليستية استهدفت العاصمة الأوكرانية، مع أضرار طالت أبنية سكنية ومرافق طاقة ومحطة سكك حديدية وشبكة المترو ومراكز تجارية. هذا النمط من الضربات لا يبدو مجرد رد عسكري تقليدي، بل جزء من معادلة ضغط موازية تقول إن أي اندفاعة تفاوضية ستجري تحت وقع القوة النارية، لا في ظل تهدئة مسبقة.
ماذا تريد موسكو من هذا الإيقاع؟
من زاوية تحليلية، تبدو روسيا متمسكة باستخدام التصعيد الجوي كوسيلة لتحسين شروطها السياسية قبل أي جولة جديدة. فالموقف الروسي لم يُظهر حتى الآن تحولاً جوهرياً في المطالب الأساسية، رغم قبول استئناف المحادثات من حيث المبدأ. وهذا ما يفسر لماذا يشدد زيلينسكي في مواقفه الأخيرة على أن موسكو لم تقدم بعد ما يثبت استعدادها الحقيقي لخفض التصعيد، بل تواصل اختبار قدرة أوكرانيا على الصمود الدفاعي، خاصة مع اقتراب الشتاء.
واشنطن في قلب المعادلة: وسيط أم طرف ضاغط؟
وجود الولايات المتحدة في أي صيغة ثلاثية ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل اعتراف ضمني بأن الحرب لم تعد شأناً ثنائياً بين موسكو وكييف فقط. فالقرار الأمريكي، سواء في التسليح أو العقوبات أو الضمانات الأمنية، بات عنصراً مقرراً في ميزان الحرب والسلم. وفي التطورات الأخيرة، برز اسم المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، إلى جانب مشاركة جاريد كوشنر عبر الاتصال المرئي في بعض المشاورات، ضمن الجهد الأمريكي لإحياء المسار التفاوضي.
لكن المعضلة أن الدور الأمريكي نفسه أصبح جزءاً من الأزمة. فزيلينسكي ودوائر أوكرانية عبّروا خلال أكتوبر عن قلقهم من تباطؤ بعض أشكال الدعم، وخاصة ما يتصل بالإنذار المبكر والذخائر الدفاعية اللازمة لاعتراض الصواريخ الباليستية. وفي المقابل، مارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطاً علنية على كييف لدفعها نحو “صفقة”، بما يعكس أن واشنطن تتحرك بين موقع الوسيط وموقع الطرف الراغب في تسوية سريعة، حتى لو جاءت أقل من السقف الأوكراني المعلن.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
بالنسبة للقارئ في مصر، لا تبدو الحرب الأوكرانية حدثاً بعيداً جغرافياً فحسب، بل أزمة ذات آثار ممتدة على ملفات حساسة مثل أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسواق الحبوب، وتوازنات الأمن الدولي. ومن ثم فإن أي تحرك جدي نحو مفاوضات ثلاثية يستحق المتابعة، ليس فقط لأن نتائجه قد تخفف التوتر العسكري، بل لأن فشله قد يعني موجة جديدة من الاستنزاف الاقتصادي العالمي، خصوصاً مع دخول الشتاء وعودة استهداف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.
ومن منظور مصري أوسع، تكشف هذه الأزمة مرة أخرى أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالدبابات والخنادق، بل بقدرة الأطراف على إدارة التداخل بين السلاح والدبلوماسية والإعلام والاقتصاد. وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن “محادثات ثلاثية” أكبر من مجرد خبر عاجل؛ إنه تعبير عن إعادة تشكيل موازين التأثير في الحرب، حيث لا تستطيع كييف تجاهل واشنطن، ولا تستطيع موسكو تجاوزها، ولا تستطيع الولايات المتحدة فرض نهاية سريعة من دون حسابات ميدانية معقدة.
هل نحن أمام فرصة حقيقية أم جولة جديدة من كسب الوقت؟
المؤشرات الحالية لا تسمح بتفاؤل ساذج. فالجولات السابقة من المحادثات الفنية لم تحقق تحولاً نوعياً، كما أن الفجوة لا تزال واسعة بين شروط روسيا وأوكرانيا. زيلينسكي يميل إلى التشديد على أن كسر الجمود يحتاج في النهاية إلى قرار سياسي على مستوى القادة، بينما تميل الأطراف الأخرى إلى اختبار فرص “الترتيبات الفنية” أولاً. هذا التباين يعكس اختلافاً في تصور معنى التفاوض نفسه: هل هو مدخل لتسوية شاملة، أم مجرد آلية لإدارة التصعيد ومنع انفجاره الكامل؟
هناك أيضاً عامل لا يقل أهمية: كلما اقتربت الأطراف من الحديث عن تسوية، ارتفع احتمال استخدام القوة لتحسين الشروط التفاوضية. لذلك فإن القصف الذي يضرب كييف لا يمكن قراءته فقط بوصفه تطوراً عسكرياً، بل باعتباره جزءاً من لغة الرسائل المتبادلة. موسكو تقول إنها لا تزال قادرة على الإيلام. وكييف تقول إنها تريد السلام لكن ليس تحت الإكراه. أما واشنطن، فتبدو حريصة على إظهار أنها ما زالت تملك مفتاح المبادرة، حتى مع تصاعد الأسئلة حول مدى ثبات التزامها الطويل الأجل.
خلاصة المشهد
- التوقيت: الحديث عن استئناف محادثات ثلاثية جاء بالتوازي مع هجمات مكثفة على كييف ومدن أوكرانية أخرى.
- الصيغة: ما يجري بحثه حالياً هو اجتماع على المستوى الفني بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، مع ترجيحات بأن يكون في منتصف نوفمبر 2026.
- العقبة الأساسية: الهوة لا تزال واسعة بين أهداف موسكو وسقف كييف، ولم تُسجل حتى الآن اختراقات حقيقية في جوهر التسوية.
- الدلالة الأوسع: الحرب تدخل مرحلة يصبح فيها القصف جزءاً من التفاوض، لا نقيضاً له.
وعليه، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت المحادثات الثلاثية ستُعقد فقط، بل ما إذا كانت قادرة على الصمود أمام منطق الميدان. وحتى هذه اللحظة، يبدو أن الصواريخ التي تسقط على كييف تقول إن الطريق إلى أي تسوية ما زال طويلاً، وأن نوفمبر 2026 قد يحمل بداية مسار جديد، لكنه بالتأكيد لن يكون نهاية سهلة للحرب.