Akhbar Cairo

زيلينسكي يطرح معادلة الطاقة: وقف الضربات مقابل المعاملة بالمثل

معادلة زيلينسكي: الطاقة مقابل الطاقة

في أحدث إشاراته السياسية إلى طبيعة الصراع مع موسكو، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده مستعدة لوقف استهداف مصافي النفط الروسية إذا توقفت روسيا في المقابل عن مهاجمة البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في مضمونه العسكري، بل في ما يعكسه من محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك حول أحد أكثر ملفات الحرب حساسية: الكهرباء والوقود والتدفئة مع اقتراب مواسم البرد واستمرار الضغط على المدن والمنشآت الحيوية.

الطرح الذي نُقل عنه الأحد جاء متسقاً مع مواقف سابقة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (@zelenskyy_official على إنستغرام)، إذ أكد في أكثر من مناسبة أن الهجمات الروسية على الطاقة ليست مجرد عمليات عسكرية، بل أداة لإضعاف الحياة اليومية والاقتصاد ورفع كلفة الصمود على المدنيين. كما أوردت وكالة أسوشيتد برس أن زيلينسكي قال بوضوح إن أوكرانيا ستكون جاهزة لوقف ضرب مصافي النفط الروسية إذا أوقفت موسكو استهداف البنية التحتية للطاقة الأوكرانية.

ما الذي نعرفه عن التصعيد الأخير؟

بحسب المعطيات التي أعلنها زيلينسكي، شهد أسبوع واحد فقط إطلاق روسيا أعداداً كبيرة من القنابل الجوية الموجهة والصواريخ ضد أوكرانيا. ورغم أن بعض الأرقام المتداولة في التغطيات الإخبارية تختلف باختلاف الفترة الزمنية أو نوع الذخائر التي يجري احتسابها، فإن الثابت في المصادر الرسمية الأوكرانية ووكالات الأنباء الدولية هو أن قطاع الطاقة ظل هدفاً متكرراً للهجمات الروسية، وأن كييف تعتبر هذا النمط جزءاً من استراتيجية إنهاك طويلة المدى.

الموقع الرسمي للرئاسة الأوكرانية وثّق مراراً حديث زيلينسكي عن الضربات التي تستهدف الشبكات الكهربائية والمنشآت الحيوية، كما أشار إلى أن روسيا تركز هجماتها على مرافق الطاقة والبنية التحتية الحرجة. وفي مارس 2024، قالت الرئاسة الأوكرانية إن المدن والمجتمعات الأوكرانية تعرضت خلال أسبوع واحد لـ190 صاروخاً و140 طائرة مسيّرة من طراز شاهد و700 قنبلة جوية موجهة، في مؤشر مبكر على التصاعد المنهجي في هذا المسار.

لماذا تركز كييف على مصافي النفط الروسية؟

من زاوية تحليلية، لا يبدو استهداف المصافي الروسية مجرد رد ميداني على قصف المدن الأوكرانية، بل جزءاً من معادلة أوسع تضرب في صميم اقتصاد الحرب. فروسيا تمول جزءاً رئيسياً من قدرتها العسكرية عبر عوائد الطاقة، والقطاع النفطي تحديداً يمثل أحد الأعمدة الأساسية في الإيرادات والصادرات. لهذا ترى كييف أن الضغط على المصافي ومستودعات الوقود ومنشآت التكرير يرفع الكلفة على موسكو ويقيد، ولو جزئياً، قدرتها على مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها.

أسوشيتد برس نقلت أخيراً أن أوكرانيا تقول إنها عطلت أكثر من نصف طاقة التكرير الروسية، بينما أشارت الوكالة إلى تقديرات لوكالة الطاقة الدولية تفيد بأن بعض المصافي الروسية تعرضت لهجمات متكررة، بما يخلق دورة مستمرة من الأضرار والإصلاحات الطارئة. وحتى مع صعوبة التحقق المستقل الكامل من حجم التعطيل الفعلي، فإن مجمل الصورة يدعم فكرة أن ملف الطاقة لم يعد ساحة خلفية للحرب، بل صار أحد ميادينها الرئيسية.

قراءة سياسية: عرض تهدئة أم اختبار للنوايا؟

سياسياً، يقدم زيلينسكي هذه المعادلة باعتبارها اختباراً مباشراً لموقف الكرملين. فإذا كانت موسكو تقول إنها منفتحة على مسارات تفاوضية أو ترتيبات جزئية لخفض التصعيد، فإن التوقف عن ضرب منشآت الكهرباء والطاقة الأوكرانية سيكون، من وجهة نظر كييف، مؤشراً عملياً أكثر صدقية من التصريحات العامة. ولذلك فإن العرض الأوكراني لا يبدو تنازلاً مجانياً، بل محاولة لإحراج روسيا أمام شركاء أوكرانيا الغربيين والرأي العام الدولي.

في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه الرسائل عن حاجة كييف المستمرة إلى الدفاعات الجوية والدعم الغربي. الرئاسة الأوكرانية شددت مراراً على أن حماية قطاع الطاقة تتطلب منظومات دفاع وصواريخ اعتراضية وتمويلاً لإصلاح الشبكات. وفي لقاءات متعددة خلال 2026، ركز زيلينسكي على ضرورة تأمين البنية التحتية للطاقة قبل الشتاء، في ظل استمرار الهجمات الروسية على المدن ومحطات الكهرباء ومرافق النقل والخدمات.

ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟

قد تبدو المعركة على محطات الكهرباء والمصافي بعيدة جغرافياً عن مصر، لكنها تمس ملفين شديدي الصلة بالمنطقة: أمن الطاقة وتقلبات الاقتصاد الدولي. فكلما اتسع نطاق الاستهداف المتبادل لمنشآت النفط والطاقة في الحرب الروسية الأوكرانية، زادت حساسية الأسواق تجاه الإمدادات والأسعار وتكاليف الشحن والتأمين. وبالنسبة للمتابع المصري، فإن أي تصعيد كبير في هذا الملف قد ينعكس بصورة غير مباشرة على حركة التجارة وأسعار الطاقة العالمية وتكاليف النقل البحري.

كما أن الحرب أظهرت بوضوح كيف تحولت الطاقة من ملف اقتصادي إلى أداة ضغط جيوسياسي كاملة الأركان. هذه النقطة مهمة في النقاش العربي عموماً، لأن الصراعات الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الدبابات أو خطوط الجبهة، بل أيضاً بقدرة كل طرف على تعطيل الشبكات الكهربائية، وإرباك سلاسل الوقود، وفرض ضغوط معيشية على المدنيين.

هل يملك هذا الطرح فرصة حقيقية؟

الجواب الأقرب إلى الواقعية هو: فرصة محدودة، لكنها ليست معدومة. السبب أن استهداف البنية التحتية للطاقة يمنح كل طرف أوراق ضغط مهمة. روسيا تستخدمه لإضعاف الداخل الأوكراني ورفع كلفة الحرب على المجتمع والدولة، فيما ترى أوكرانيا أن ضرب المصافي الروسية وسيلة فعالة لإيصال الحرب إلى عمق الاقتصاد الروسي. لذلك فإن أي وقف متبادل للهجمات يحتاج إلى آلية رقابة وضمانات، وهو أمر يبدو معقداً في ظل غياب الثقة واستمرار المعارك على جبهات عدة.

ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه المعادلة علناً يكشف أن ملف الطاقة بات مرشحاً ليكون واحداً من المسارات القليلة القابلة للنقاش في أي تفاهم جزئي مستقبلي، حتى لو تعذر الوصول إلى تسوية سياسية شاملة قريباً. فحين تصبح الكهرباء والتدفئة والوقود أوراق مساومة، فهذا يعني أن الحرب دخلت مرحلة باتت فيها إدارة الاستنزاف لا تقل أهمية عن كسب الأرض.

خلاصة المشهد

ما يقوله زيلينسكي في جوهره بسيط وصادم في آن واحد: إذا توقفت موسكو عن قصف ما يبقي المدن الأوكرانية مضاءة ودافئة، يمكن لكييف أن تتوقف عن ضرب ما يغذي جزءاً مهماً من آلة الحرب الروسية. وبين العرض والرفض المحتمل، تتجلى حقيقة أوسع: الحرب لم تعد فقط صراعاً على الحدود أو المواقع، بل معركة على مفاتيح الحياة اليومية نفسها.

  • النقطة الأولى: كييف تحاول تحويل ملف الطاقة إلى ورقة ضغط تفاوضية وليست عسكرية فقط.
  • النقطة الثانية: استهداف المصافي الروسية مرتبط مباشرة بمحاولة إضعاف اقتصاد الحرب.
  • النقطة الثالثة: استمرار الهجمات على الكهرباء في أوكرانيا يجعل أي حديث عن التهدئة اختباراً عملياً للنوايا لا مجرد خطاب سياسي.

في المحصلة، لا يبدو أن الحرب تتجه سريعاً إلى نهاية قريبة، لكن معادلة «الطاقة مقابل الطاقة» تقدم نافذة مهمة لفهم المرحلة المقبلة: صراع يزداد خشونة، لكنه يترك، في الوقت ذاته، هامشاً ضيقاً لصفقات جزئية إذا توافرت الإرادة السياسية المفقودة حتى الآن.