زيلينسكي يفتح باب جولة جديدة مع واشنطن لإنهاء الحرب
ماذا تعني محادثات زيلينسكي الجديدة مع واشنطن؟
إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (@zelenskiy_official على إنستغرام) عن جولة جديدة مرتقبة من المحادثات مع الولايات المتحدة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تصريح بروتوكولي عابر. فالرجل تحدث من كييف في خطابه المسائي، واضعا على الطاولة أربعة ملفات شديدة الحساسية: التسوية السلمية، الطاقة، الأمن الغذائي، والأسلحة. هذا الترتيب في حد ذاته يكشف أن كييف لا ترى الحرب فقط كسجال عسكري على الجبهات، بل كمعركة طويلة على قدرة الدولة على الصمود اقتصاديا وخدميا وسياسيا.
الموقع الرسمي للرئاسة الأوكرانية نشر في 16 سبتمبر/أيلول 2026 خطابا لزيلينسكي قال فيه بوضوح إن المباحثات المقبلة مع الجانب الأمريكي تتعلق بـتقريب السلام إلى جانب قضايا أخرى مهمة تشمل الطاقة والأمن الغذائي والأسلحة. كما أدرجت الرئاسة الأوكرانية المضمون نفسه ضمن تحديثاتها في 17 سبتمبر/أيلول 2026، ما يمنح التصريح صفة رسمية واضحة، وليس مجرد تسريب أو قراءة إعلامية. وفي تغطيات لاحقة، أشير أيضا إلى أن لقاءات بين فريقين أوكراني وأمريكي يُنتظر أن تُعقد في وقت لاحق من سبتمبر الجاري، مع تداول نيويورك كأحد المواقع المرجحة لهذه الجولة.
التوقيت: لماذا الآن تحديدا؟
التوقيت مهم بقدر أهمية مضمون الرسالة. فخلال سبتمبر/أيلول 2026 بدا واضحا أن كييف تحاول استثمار أي نافذة سياسية قبل دخول الشتاء، وهو فصل يضاعف الضغط على شبكة الطاقة الأوكرانية وعلى كلفة التشغيل والمعيشة. زيلينسكي نفسه ربط في خطابات رسمية سابقة بين المرونة الأوكرانية في الشتاء وبين دعم الحلفاء، ولا سيما في مجالي الدفاع الجوي والطاقة. وبعد اجتماع مع مبعوثين للرئيس الأمريكي في كييف مطلع سبتمبر، قالت الرئاسة الأوكرانية إن استئناف العملية التفاوضية مهم، وإن أوكرانيا تعوّل على دعم شركائها خلال الشتاء لتعزيز الدفاعات الجوية وقطاع الطاقة.
ومن زاوية تحليلية، يبدو أن كييف تريد تثبيت معادلة تقول لواشنطن: إذا كان الهدف الأمريكي هو دفع مسار تفاوضي قابل للحياة، فإن ذلك لن يتحقق من دون تقليل هشاشة أوكرانيا في ثلاثة مجالات مترابطة؛ حماية البنية التحتية للطاقة، إبقاء صادرات الغذاء ممكنة، وضمان استمرار الإمدادات العسكرية. لهذا لا تظهر الملفات الأربعة منفصلة، بل كأضلاع لمعادلة تفاوضية واحدة.
السلام هنا ليس شعارا منفصلا عن السلاح
قد يبدو للوهلة الأولى أن الجمع بين الحديث عن التسوية السلمية والأسلحة ينطوي على تناقض، لكنه في الأدبيات الأوكرانية الحالية يبدو متسقا تماما. كييف تقول منذ شهور إن أي تفاوض جاد يحتاج إلى أوراق قوة تردع موسكو وتمنع فرض تسوية من موقع الإكراه. وفي 14 سبتمبر/أيلول 2026 شدد زيلينسكي، في خطاب رسمي آخر، على أن الطاقة وطرق الغذاء والبنية التحتية الحيوية يجب أن تكون جزءا من أي نقاش لإنهاء الضربات، بالتوازي مع الحاجة إلى تعزيز الصمود الأوكراني في التسليح والإنفاق الدفاعي.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة الموجهة إلى واشنطن: أوكرانيا لا تطلب دعما عسكريا بمعزل عن الدبلوماسية، بل تعتبر أن هذا الدعم هو ما يجعل الدبلوماسية ذات معنى. وفي المقابل، فإن الإدارة الأمريكية تبدو معنية بإحياء إطار تفاوضي أوسع، خصوصا بعد الزيارات والاتصالات التي جرت هذا الشهر بين مبعوثين أمريكيين وقيادات في كييف وموسكو، بمشاركة أوروبية في بعض المسارات.
ملف الطاقة: عقدة الشتاء والحرب على الخدمات
بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو ملف الطاقة بعيدا جغرافيا لكنه في الحقيقة من أكثر الملفات حساسية في الحرب. الضربات الروسية على منشآت الكهرباء والحرارة والنقل داخل أوكرانيا تجعل مسألة الطاقة جزءا من الأمن القومي اليومي، لا مجرد بند اقتصادي. الرئاسة الأوكرانية تحدثت أكثر من مرة خلال سبتمبر عن ضرورة حماية شركات ومرافق الطاقة، فيما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن زيلينسكي تحذيره من استهداف منشآت الطاقة والبنية الحرجة، وربطه ذلك بأي خطوات محتملة لخفض التصعيد.
أهمية هذا الملف لمصر والمنطقة العربية تتجاوز التعاطف السياسي؛ فأي اضطراب كبير في الطاقة الأوكرانية ينعكس على حركة الموانئ واللوجستيات والتكاليف، ويؤثر بصورة غير مباشرة في سلاسل الإمداد العالمية. لهذا ليس مستغربا أن يضع زيلينسكي الطاقة في صدارة حديثه مع واشنطن، لأن القدرة على اجتياز الشتاء قد تحدد سقف المرونة التفاوضية لكييف في الأشهر التالية.
الأمن الغذائي: البعد الذي يهم القاهرة كما يهم كييف
إدراج الأمن الغذائي في المحادثات ليس تفصيلا. أوكرانيا تظل من الدول المؤثرة في تجارة الحبوب والزيوت النباتية عالميا، وأي اهتزاز في مسارات التصدير عبر البحر الأسود أو الممرات البديلة يترك أثره على الأسواق المستوردة، ومنها أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي 17 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت الرئاسة الأوكرانية أن زيلينسكي اجتمع مع رئيس الوزراء سيرهي كوريتسكي ومسؤولين وممثلين عن القطاع الزراعي لبحث تحديات صادرات الغذاء وسبل التعامل معها. كما سبق أن ربطت الرئاسة بين الاحتياجات الأمنية وبين أمن صادرات الغذاء في البحر الأسود.
ومن منظور مصري، هذه نقطة لا تخص السياسة الدولية وحدها، بل تمس قضية الأسعار والقمح وكلفة الاستيراد واستقرار الأسواق. لذلك فإن أي تقدم في المحادثات الأوكرانية الأمريكية حول حماية الموانئ والطرق اللوجستية أو تقليل استهداف البنية التحتية قد يحمل أثرا أوسع من ساحة القتال نفسها.
واشنطن بين الضغط على موسكو ودعم كييف
الولايات المتحدة ما زالت الطرف الخارجي الأكثر تأثيرا في قدرة أوكرانيا على الصمود عسكريا وماليا. وفي 17 سبتمبر/أيلول 2026 مرر مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون عقوبات واسع النطاق، وهو ما اعتبره زيلينسكي إشارة سياسية مهمة في ظل الهجمات الروسية المستمرة، مؤكدا أن العقوبات القوية ضرورية لإنجاح جهود السلام المشتركة مع الولايات المتحدة وأوروبا. هذه النقطة تكشف أن كييف تنظر إلى أدوات واشنطن على مستويين: السلاح والدعم المباشر من جهة، والضغط الاقتصادي والسياسي على موسكو من جهة أخرى.
لكن الرهان على واشنطن ليس بلا تعقيدات. فالمفاوضات، إذا تقدمت، ستصطدم حتما بتباين أولويات الأطراف: أوكرانيا تريد ضمانات أمنية عملية، والولايات المتحدة تبحث عن مسار قابل للتسويق سياسيا ويحد من مخاطر التصعيد، بينما تراهن موسكو تقليديا على استنزاف الوقت والموارد. لذلك فإن نجاح الجولة الجديدة من المحادثات لن يُقاس بمجرد انعقادها، بل بما إذا كانت ستنتج ترتيبات ملموسة حول وقف الاستهداف المتبادل لبعض المنشآت، أو تثبيت خطوط حماية للبنية التحتية، أو توسيع الدعم الدفاعي قبل الشتاء.
هل نحن أمام انفراجة فعلية؟
القراءة الهادئة تقول إن الطريق ما زال بعيدا عن تسوية شاملة، لكن مجرد إعادة فتح قنوات بحث مركزة بين كييف وواشنطن حول السلام والطاقة والغذاء والسلاح يعني أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تركيبا. لم تعد المسألة فقط: من يتقدم ميدانيا؟ بل أيضا: من ينجح في إدارة الاستنزاف، وحماية الخدمات، والحفاظ على الدعم الدولي، ومنع انهيار شروط التفاوض.
لهذا يبدو إعلان زيلينسكي الأخير مهما، ليس لأنه يعد بسلام قريب بالضرورة، بل لأنه يوضح أين تدور المعركة الحقيقية الآن. إنها معركة على شروط السلام نفسه: من يضعها، ومن يضمنها، ومن يملك القدرة على الصمود حتى لحظة التفاوض. وبالنسبة لمتابع في مصر، فإن أهمية هذه المحادثات لا تتوقف عند حدود أوروبا الشرقية؛ فهي ترتبط مباشرة بملفات الطاقة، والغذاء، واستقرار الأسواق، واتجاهات السياسة الدولية في واحدة من أخطر أزمات العالم الراهنة.