زيلينسكي يفتح جبهة داخلية في كييف قبل شتاء الحرب
انتقاد رئاسي في توقيت بالغ الحساسية
مع اقتراب شتاء 2026-2027، عاد ملف الجاهزية المدنية في أوكرانيا إلى واجهة الجدل السياسي، بعدما وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي انتقادات مباشرة لسلطات العاصمة كييف، معتبراً أن المدينة لا تبدو مستعدة بما يكفي لعبور موسم برد جديد في ظل الحرب. أهمية هذا الموقف لا تتعلق فقط بالخدمات، بل بما يكشفه من توتر مستمر بين مركز القرار في الرئاسة والإدارة البلدية للعاصمة، وهي علاقة ظلت طوال الحرب محكومة بالتعاون القسري أحياناً وبالتنافس السياسي أحياناً أخرى.
المؤكد من المصادر الرسمية الأوكرانية أن ملف الاستعداد للشتاء أصبح أولوية دولة لا مجرد شأن محلي. ففي 31 أغسطس/آب 2026 دخل حيّز التنفيذ مرسوم رئاسي مرتبط بقرار مجلس الأمن القومي والدفاع بشأن خطط الصمود في الأقاليم، وتضمن تنبيهاً واضحاً إلى المسؤولية الشخصية للسلطات التنفيذية المحلية ورؤساء البلديات، مع لفت خاص إلى مسؤولية عمدة كييف عن التحضير لموسم التدفئة 2026-2027. هذا يوضح أن انتقاد زيلينسكي لم يأتِ من فراغ، بل من سياق مؤسسي أوسع يربط الأمن الطاقي بالإدارة المحلية في زمن الحرب.
لماذا تبدو كييف أكثر حساسية من غيرها؟
كييف ليست مدينة عادية في الحرب الأوكرانية. فهي العاصمة السياسية، ومركز الإدارة، وواجهة الدولة أمام العالم. وأي تعطل واسع للكهرباء أو التدفئة أو المياه فيها لا يُقرأ فقط كأزمة خدمات، بل كرسالة عن مدى قدرة الدولة على الصمود. لهذا السبب، فإن أي حديث عن قصور التحضير في كييف يتجاوز البلدية إلى صورة النظام الأوكراني نفسه.
السنوات الماضية أظهرت أن البنية التحتية للطاقة والمياه والتدفئة في أوكرانيا أصبحت هدفاً ثابتاً للهجمات الروسية. وكالة أسوشيتد برس وثّقت خلال شتاء 2026 هجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت شبكة الكهرباء، وأدت في أوقات مختلفة إلى انقطاع التدفئة عن آلاف المباني السكنية في كييف، فيما هبطت درجات الحرارة إلى نحو 20 درجة مئوية تحت الصفر في بعض الأيام. في يناير/كانون الثاني 2026، تحدثت تقارير عن خروج أكثر من 5600 مبنى سكني عن خدمة التدفئة بعد ضربات على منشآت الطاقة، كما سُجّلت أيام كانت فيها آلاف المباني الأخرى بلا تدفئة أو مع إمدادات طاقة شديدة النقص.
من منظور القارئ المصري، يمكن فهم المسألة باعتبارها اختباراً لقدرة الدولة على حماية المرافق الأساسية في ظرف استثنائي. وإذا كانت المدن المصرية تتعامل مع ضغوط صيفية على الكهرباء بفعل الحرارة والاستهلاك، فإن كييف تواجه النقيض تماماً: برد قارس يجعل انقطاع الطاقة تهديداً مباشراً للحياة اليومية والصحة العامة وليس مجرد إزعاج خدمي.
الصدام مع فيتالي كليتشكو: إدارة محلية أم حسابات سياسية؟
في قلب هذا الجدل يقف عمدة كييف فيتالي كليتشكو، أحد أبرز الشخصيات العامة في البلاد، والذي يحتفظ بحضور سياسي مستقل عن الرئاسة. ولهذا فإن أي انتقاد يصدر من زيلينسكي يُقرأ في الداخل الأوكراني على مستويين: مستوى إداري يتعلق بالاستعدادات الواقعية، ومستوى سياسي يرتبط بميزان القوة داخل العاصمة.
اللافت أن كليتشكو أعلن في سبتمبر/أيلول 2026 أن كييف أنجزت 80% من إجراءات التحضير لموسم التدفئة، كما سبق أن طالب في مايو/أيار بتوجيه أكثر من 9 مليارات هريفنيا إلى استعدادات الشتاء وخطة تعزيز صمود الطاقة في العاصمة. هذه الأرقام تشير إلى أن البلدية تحاول إثبات أنها تتحرك، لكنها في الوقت نفسه تعكس حجم الفجوة التمويلية والفنية المطلوبة لتأمين مدينة كبيرة تحت التهديد المستمر.
هنا تظهر المعضلة: الرئاسة تريد نتائج ملموسة وسريعة لأنها تتحمل العبء السياسي الوطني، بينما تقول البلدية عملياً إن الإمكانات المتاحة أقل من حجم المخاطر. وبين الموقفين، يبقى المواطن في كييف هو الحلقة الأكثر هشاشة، لأنه لا يعنيه كثيراً من يتحمل المسؤولية بقدر ما يعنيه أن تصل التدفئة والمياه والكهرباء إلى منزله عندما تنخفض الحرارة إلى ما دون الصفر.
الحرب تغيّر معنى “الاستعداد للشتاء”
في الظروف الطبيعية، يقاس الاستعداد للشتاء بمدى جاهزية شبكات التدفئة والصيانة والوقود. أما في أوكرانيا، فالمعادلة صارت أكثر تعقيداً: الاستعداد يعني أيضاً حماية البنية التحتية من الهجمات، وتوفير مولدات وبدائل، وتأمين نقاط تدفئة عامة، وإبقاء الخدمات الحيوية عاملة حتى عند تعرض المدينة لضربة كبيرة.
مصادر رسمية أوكرانية تحدثت خلال العام الجاري عن خطط صمود مناطقية ومجتمعية، وهو تطور مهم لأنه يعكس انتقال الدولة من منطق الإصلاح التقليدي إلى منطق “المرونة تحت النار”. وفي هذا السياق، لم يعد النجاح يقاس بمنع الأعطال بالكامل، فهذا شبه مستحيل في زمن الاستهداف المنتظم، بل بسرعة الاستجابة، وتوزيع الأحمال، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات للسكان.
وكذلك فإن التصعيد الروسي المتوقع مع دخول الشتاء يجعل أي تأخير في التحضيرات أكثر كلفة. تقارير حديثة أشارت إلى أن موسكو تميل إلى تكثيف الضغط على منشآت الطاقة والبنية المدنية مع اقتراب الأشهر الباردة، لأن ذلك يضاعف التأثير الإنساني والنفسي. من هنا، يصبح خطاب زيلينسكي ليس مجرد انتقاد لبلدية، بل إنذار مبكر للرأي العام مفاده أن شتاءاً صعباً قد يكون في الانتظار.
ما الذي يريد زيلينسكي قوله فعلاً؟
سياسياً، يبعث زيلينسكي بعدة رسائل في آن واحد. الرسالة الأولى داخلية: لا حصانة لأي مسؤول محلي في ملف يمس بقاء السكان وصمود العاصمة. الرسالة الثانية موجهة إلى الشركاء الغربيين: أوكرانيا لا تحتاج فقط إلى دعم عسكري، بل أيضاً إلى دعم طاقي وهندسي يحافظ على قدرة المدن على الحياة. أما الرسالة الثالثة، وربما الأهم، فهي أن الجبهة المدنية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية.
هذا النوع من الخطاب يتعمد غالباً رفع سقف الضغط قبل دخول الموسم الأصعب. فعندما يقول الرئيس إن العاصمة ليست جاهزة حقاً، فهو لا يصف الواقع فقط، بل يحاول أيضاً تحريك البيروقراطية، وتسريع الإنفاق، وتحميل المسؤولين المحليين كلفة التأخير أمام الجمهور. وفي أوقات الحرب، يصبح هذا الأسلوب جزءاً من الإدارة السياسية للأزمة، حتى لو أدى إلى احتكاك علني بين مؤسسات يفترض أنها تعمل في خندق واحد.
ماذا يعني ذلك للمرحلة المقبلة؟
الأرجح أن الخلاف بين الرئاسة وبلدية كييف لن يتوقف عند التصريحات، لأن الشتاء سيحوّل كل وعد إلى اختبار عملي. فإذا مرت الأسابيع الأولى بحد أدنى من الأعطال، ستتمكن البلدية من القول إن الانتقادات كانت مبالغاً فيها. أما إذا تكررت انقطاعات واسعة في التدفئة والمياه والكهرباء، فسيكون موقف زيلينسكي أقوى بكثير، ليس فقط أمام كليتشكو بل أمام الرأي العام الأوكراني كله.
في التحليل النهائي، لا يبدو النزاع هنا مجرد سجال على الكفاءة الإدارية، بل صراع على تعريف المسؤولية في دولة تخوض حرب استنزاف طويلة. من يتحمل وزر الفشل: السلطة المركزية التي تقود الحرب، أم البلدية التي تدير التفاصيل اليومية، أم روسيا التي تهاجم أساساً كل ما يجعل الحياة ممكنة؟ عملياً، تتحمل موسكو السبب المباشر عبر استهداف البنية التحتية، لكن ذلك لا يعفي السلطات الأوكرانية من واجب الاستعداد، ولا يمنع المواطنين من محاسبة من يملكون القرار والموارد.
وبالنسبة إلى كييف، فإن المسألة أبعد من موسم بارد جديد. إنها اختبار لصلابة العاصمة كرمز سياسي ونفسي. فإذا اهتزت المدينة تحت ضغط الشتاء والقصف، فإن الأثر سيتجاوز حدود الخدمة العامة إلى المعنويات الوطنية نفسها. لهذا جاء هجوم زيلينسكي حاداً ومبكراً: لأن معركة الشتاء في أوكرانيا لم تعد معركة طقس، بل معركة دولة وصورة وصمود.
- الخلاصة: انتقاد زيلينسكي لسلطات كييف يعكس قلقاً حقيقياً من هشاشة الجبهة المدنية قبل الشتاء.
- البعد السياسي: الضغوط على فيتالي كليتشكو لا تنفصل عن التنافس بين الرئاسة وبلدية العاصمة.
- البعد العملي: أي قصور في الكهرباء والتدفئة والمياه قد يتحول سريعاً إلى أزمة إنسانية في مدينة كبيرة مثل كييف.
- البعد الاستراتيجي: حماية البنية التحتية باتت جزءاً من معادلة الحرب، لا ملفاً خدمياً منفصلاً عنها.