Akhbar Cairo

زيلينسكي ينهي هدنة الطاقة ويعيد ضرب مصافي روسيا

زيلينسكي يطوي صفحة «هدنة الطاقة».. ومصافي النفط الروسية تعود إلى دائرة الاستهداف

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة أكثر تعقيدًا بعد إعلان كييف عمليًا انتهاء التهدئة المحدودة المتعلقة بمنشآت الطاقة، وهي التهدئة التي جرى الحديث عنها بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026 ما وصفه بـ«وقف فوري للهجمات على البنية التحتية للطاقة» بين موسكو وكييف. لكن هذا المسار لم يصمد طويلًا، إذ قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (@zelenskiy_official على إنستغرام) إن روسيا واصلت ضرب منشآت الطاقة والغاز في بلاده، ما دفع أوكرانيا إلى العودة لاستهداف المصافي الروسية.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، شنت أوكرانيا في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 هجومًا بطائرات مسيّرة على مصفاة نفط في منطقة ريازان، على بُعد نحو 300 كيلومتر جنوب شرق موسكو، ما أدى إلى اندلاع حريق وفق ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية وحاكم المنطقة بافيل مالكوف. وفي الليلة نفسها قالت موسكو إن دفاعاتها الجوية أسقطت 166 طائرة مسيّرة أوكرانية، في مؤشر جديد على اتساع نطاق الهجمات المتبادلة.

كيف بدأت «هدنة الطاقة» ولماذا انهارت سريعًا؟

البداية كانت مع إعلان ترامب، يوم الأحد 12 أكتوبر/تشرين الأول، أن روسيا وأوكرانيا وافقتا على وقف استهداف منشآت الطاقة. زيلينسكي رحّب علنًا بالمبدأ، ووصفه بأنه خطوة جيدة إذا التزم بها الطرفان، وقال إن أوكرانيا مستعدة للامتناع عن ضرب البنية التحتية للطاقة في روسيا مقابل التزام مماثل من موسكو.

لكن الرواية الأوكرانية تقول إن الخرق جاء سريعًا. ففي كلمة ألقاها أمام منتدى وارسو للأمن يوم 12 أكتوبر، قال زيلينسكي إن منشآت أوكرانية تعرضت لهجمات بعد الإعلان الأمريكي مباشرة، بما في ذلك محطة كهرباء في خاركيف ومنشأة لإنتاج الغاز، إلى جانب انقطاع للمياه والكهرباء في أجزاء من كييف. ووفق الموقع الرسمي للرئاسة الأوكرانية، شدد زيلينسكي على أن نجاح أي تهدئة في قطاع الطاقة يتطلب ضغطًا أمريكيًا وأوروبيًا أكبر على روسيا لضمان التنفيذ الفعلي، لا الاكتفاء بالإعلان السياسي.

وبحلول 15 أكتوبر، بدا أن الصبر الأوكراني نفد. فقد نقلت أسوشيتد برس عن زيلينسكي قوله إن كييف شعرت بأنها التزمت التهدئة بينما لم تلتزم موسكو، وإن الهجمات على المصافي الروسية ستُستأنف. بهذا المعنى، لم تكن ضربة ريازان مجرد حادث ميداني منفصل، بل رسالة سياسية وعسكرية تقول إن أوكرانيا لم تعد ترى فائدة في التزام أحادي الجانب.

لماذا تمثل المصافي الروسية هدفًا حساسًا؟

استهداف المصافي ليس تفصيلًا تقنيًا في هذه الحرب، بل جزء من معركة أوسع على موارد الطاقة والقدرة التمويلية. أوكرانيا ترى أن ضرب منشآت التكرير يضغط على الاقتصاد الروسي ويعطل جزءًا من البنية اللوجستية التي تغذي المجهود الحربي، بينما تعتبر موسكو تلك الهجمات تصعيدًا يستهدف قطاعًا سياديًا حيويًا.

ومن زاوية تهم القارئ المصري، فإن أي اضطراب في منشآت النفط الروسية لا يبقى أثره داخل ساحة القتال فقط، بل يمكن أن يمتد إلى أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد، وهو ما تتابعه دول مستوردة ومستهلكة للطاقة في أفريقيا والشرق الأوسط عن كثب. صحيح أن أسعار النفط لا تتحرك بسبب عامل واحد فقط، لكن تصعيدًا من هذا النوع يضيف دائمًا عنصر مخاطرة جديدًا للأسواق، خصوصًا عندما يتزامن مع توترات جيوسياسية أوسع.

توتر متصاعد بين كييف وواشنطن

الأزمة لا تتعلق فقط بموسكو وكييف، بل تكشف أيضًا عن توتر متزايد في العلاقة بين أوكرانيا والإدارة الأمريكية. فوفق أسوشيتد برس، عبّر زيلينسكي عن شعوره بأنه تعرض لـخذلان سياسي بعد استمرار الضربات الروسية رغم الحديث الأمريكي عن هدنة، كما اشتكى من تعطل تدفق معلومات استخباراتية غربية معتادة تتعلق بالصواريخ الباليستية الروسية، ومن فرض قيود على استخدام بعض محطات الاتصال من نوع ستارلينك، وهي أدوات تعتمد عليها القوات الأوكرانية ميدانيًا.

هذا البعد مهم لأن أي تراجع في مستوى التنسيق الأمريكي الأوكراني ينعكس مباشرة على توازنات الحرب. كما أن الخلاف حول استهداف البنية النفطية الروسية يعكس تباينًا واضحًا: واشنطن تنظر أحيانًا إلى استقرار أسواق الطاقة بوصفه أولوية دولية وسياسية داخلية، بينما ترى كييف أن الضغط على قطاع النفط الروسي جزء مشروع من معركة الاستنزاف.

ماذا حدث في ريازان تحديدًا؟

بحسب أسوشيتد برس، اندلع الحريق في المصفاة الواقعة بمنطقة ريازان بعد هجوم بمسيّرات أوكرانية فجر 15 أكتوبر/تشرين الأول. وأكد حاكم المنطقة بافيل مالكوف وقوع الهجوم، فيما قالت وزارة الدفاع الروسية إن أنظمة الدفاع الجوي تعاملت مع موجة واسعة من الطائرات المسيّرة خلال الليل. ولم تعلن كييف رسميًا تفاصيل عملية ريازان، لكن التوقيت جاء بعد تصريحات مباشرة من زيلينسكي عن استئناف استهداف المصافي، ما جعل الربط بين القرار السياسي والحدث الميداني شبه مباشر.

كما تزامن ذلك مع استمرار الضربات الروسية على الداخل الأوكراني. ففي اليوم نفسه، ذكرت أسوشيتد برس أن هجومًا روسيًا على منطقة كيروفوهراد وسط أوكرانيا أدى إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة 6 آخرين، في استمرار للهجمات بعيدة المدى التي تضرب مدنًا ومنشآت مدنية وبنية تحتية.

ما الذي يعنيه هذا التطور لأفريقيا والمنطقة؟

رغم أن الحرب تدور في أوروبا الشرقية، فإن آثارها لا تقف عند حدود القارة. بالنسبة لأفريقيا، ومنها مصر، تظل ملفات الطاقة والنقل البحري وأسعار السلع من أكثر الجوانب تأثرًا بأي تصعيد روسي أو أوكراني. البحر الأسود، ومسارات التصدير، وتكلفة التأمين والشحن، كلها عناصر سبق أن انعكست على اقتصادات أفريقية منذ بداية الحرب في 2022، سواء في أسواق الوقود أو الغذاء.

ولهذا فإن انهيار «هدنة الطاقة» يحمل أهمية تتجاوز البعد العسكري المباشر. فعودة استهداف المصافي الروسية تعني أن ملف الطاقة عاد ليكون ساحة مواجهة مفتوحة، وهو ما يزيد الضبابية حول الاستقرار في الإمدادات العالمية خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اقتراب الشتاء الأوروبي وارتفاع حساسية الأسواق لأي تعطّل في الإنتاج أو النقل.

السيناريوهات المقبلة

المؤشرات الحالية توحي بأن التهدئة الجزئية التي رُوّج لها لم تتحول إلى آلية قابلة للحياة. ويمكن تلخيص المشهد في عدة نقاط:

  • أولًا: كييف لم تعد تعتبر نفسها ملزمة بوقف ضرب المصافي إذا استمرت موسكو في استهداف الطاقة الأوكرانية.
  • ثانيًا: موسكو ستستخدم الهجمات الأوكرانية على المصافي لتبرير مزيد من الضربات داخل أوكرانيا.
  • ثالثًا: العلاقة بين زيلينسكي وترامب مرشحة لمزيد من التوتر إذا ظلت الخلافات قائمة بشأن حدود التصعيد المقبول.
  • رابعًا: أسواق الطاقة العالمية ستبقى شديدة الحساسية لأي ضربات جديدة تطال منشآت التكرير أو التصدير.

في المحصلة، لم تعد القضية مجرد «هدنة طاقة» قصيرة انهارت، بل عودة صريحة إلى معادلة الاستنزاف المتبادل، حيث بات النفط والبنية التحتية جزءًا مباشرًا من المعركة السياسية والعسكرية. وبالنسبة للمتابع في مصر وأفريقيا، فإن ما يجري بين كييف وموسكو لم يعد شأنًا أوروبيًا خالصًا، بل ملفًا له انعكاسات تتصل بالأمن الاقتصادي وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي الأوسع.