سالم الجازولي: الصوفية تساند الدولة المصرية في زمن الاضطراب
الطرق الصوفية وتجديد خطاب الاصطفاف الوطني
عاد اسم الشيخ سالم جابر الجازولي إلى واجهة المشهد العام في مصر بعد تصريحات شدد فيها على أن الطرق الصوفية، وفي مقدمتها الطريقة الجازولية، تقف إلى جانب الدولة المصرية ومؤسساتها في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. ويشغل الجازولي موقع شيخ الطريقة الجازولية وعضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وهو ما يمنح تصريحاته وزنًا داخل واحد من أكبر التيارات الدينية الشعبية المنظمة في البلاد.
الرسالة الأساسية التي حملها الموقف الأخير لم تكن معزولة عن السياق الأوسع في المنطقة العربية؛ فمع استمرار بؤر التوتر والحروب والصراعات في الشرق الأوسط، برز حديث الجازولي عن أن دعم مؤسسات الدولة وقيادتها السياسية ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل التزام وطني تفرضه طبيعة المرحلة، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات تمس أمن الدول واستقرارها.
ماذا قال الشيخ سالم الجازولي؟
بحسب ما نشرته بوابة الأهرام في أبريل 2026، أكد الشيخ سالم الجازولي أن دعم الدولة المصرية والرئيس عبد الفتاح السيسي ضرورة وطنية ودينية في المرحلة الراهنة، معتبرًا أن الوقوف خلف القيادة السياسية يمثل ركيزة للحفاظ على مقدرات الدولة في محيط إقليمي مضطرب. كما ربط الجازولي بين هذا الموقف وبين الدور التقليدي للطرق الصوفية في نشر التسامح والاعتدال وترسيخ الانتماء الوطني.
ولم يكن هذا الموقف فرديًا؛ إذ جاء متسقًا مع بيانات ومواقف أوسع صدرت عن المجلس الأعلى للطرق الصوفية، الذي أكد بدوره اصطفاف أبناء الطرق الصوفية خلف الدولة المصرية، مشيرًا إلى أن ملايين المريدين في أنحاء الجمهورية يدعمون مؤسسات الدولة في مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية.
خلفية مؤسسية: من هو المجلس الأعلى للطرق الصوفية؟
بالنسبة للقارئ المصري والعربي، فإن فهم وزن هذه التصريحات يتطلب التوقف عند البنية التنظيمية للتصوف في مصر. فالطرق الصوفية تعمل ضمن إطار قانوني منظم بموجب قانون نظام الطرق الصوفية رقم 118 لسنة 1976، وهو القانون الذي وضع الإطار المؤسسي للعلاقة بين الدولة والمشيخات الصوفية، ونظم عمل المجلس الأعلى للطرق الصوفية واختصاصاته.
كما تشير تقارير صحفية مصرية وتصريحات صادرة عن أعضاء في المجلس الأعلى للطرق الصوفية إلى أن عدد الطرق الصوفية الرسمية في مصر يدور حول 80 طريقة، مع تقديرات تتحدث عن نحو 15 مليون مريد. هذه الأرقام تفسر لماذا يُنظر إلى أي موقف صادر عن مشايخ الطرق الكبرى باعتباره مؤشرًا مهمًا في المجالين الديني والاجتماعي، وليس فقط في الشأن المحلي الضيق.
التصوف المصري في سياق عربي أوسع
إدراج هذا الملف ضمن قسم العالم العربي ليس تفصيلًا شكليًا؛ فخطاب الطرق الصوفية في مصر يتجاوز حدود الداخل، خصوصًا مع تصاعد الأسئلة في المنطقة حول دور المؤسسات الدينية التقليدية في حماية المجتمعات من الاستقطاب والتشدد. وفي هذا السياق، يقدَّم التصوف المصري غالبًا باعتباره أحد روافد الإسلام الوسطي الذي يركز على التزكية والسلم الأهلي واحترام الدولة الوطنية.
هذه الزاوية تكتسب أهمية مضاعفة عندما ترتبط بموقف القاهرة من أزمات المنطقة. فالرئاسة المصرية أكدت في مناسبات عدة خلال 2026 أن التحرك المصري الخارجي يركز على استعادة الاستقرار الإقليمي، سواء عبر الاتصالات السياسية أو المشاركة في القمم الدولية والإفريقية أو دعم التهدئة في بؤر النزاع. ومن ثم، فإن إشادة بعض رموز التصوف بهذا النهج تأتي ضمن قراءة ترى أن حماية الجبهة الداخلية المصرية جزء من استقرار الإقليم العربي الأوسع.
لماذا يكرر مشايخ الصوفية خطاب دعم الدولة؟
اللافت أن مواقف الجازولي لا تبدو طارئة. ففي مناسبات سابقة، عبّر عن دعم الأزهر الشريف، وأكد أهمية تحصين النشء من التطرف، كما ربط نشاط الطريقة الجازولية بقيم المواطنة والوعي المجتمعي. وفي مايو 2024، كُرِّم الشيخ سالم جابر الجازولي من لجنة ثقافة القانون والمواطنة وحقوق الإنسان بالمجلس الأعلى للثقافة، في إشارة إلى حضوره في ملفات تتجاوز المجال الديني التقليدي إلى قضايا التماسك المجتمعي.
من هذا المنظور، فإن تكرار خطاب الدعم لا يمكن فصله عن تصور صوفي راسخ يعتبر أن الحفاظ على الدولة الوطنية، ومنع الفوضى، ونشر السكينة المجتمعية، مهام متصلة بالدور الروحي والأخلاقي للطرق. كما أن هذا الخطاب ينسجم مع رؤية ترى أن الصوفية تمثل حائط صد ثقافيًا ودينيًا أمام الأفكار المتشددة.
بين الرمزية الدينية والاستقرار السياسي
في بلد مثل مصر، حيث يرتبط الوجدان الشعبي بمحبة آل البيت والمواسم والموالد والتراث الصوفي، تحتفظ المشيخات الصوفية برصيد اجتماعي لا يستهان به. ولهذا، فإن أي تأكيد علني على الثقة في مؤسسات الدولة يحمل بعدًا رمزيًا مهمًا، خصوصًا عندما يصدر من شخصيات لها حضور داخل شبكات المريدين والزوايا والاحتفالات الدينية.
الشيخ سالم الجازولي، الذي يوصف في مصادر صحفية مصرية بأنه شيخ عموم السادة الجازولية في مصر والعالم الإسلامي، قدّم في أكثر من مناسبة نفسه بوصفه داعمًا للوسطية، وللتماسك الوطني، وللخطاب الذي يربط الدين بالبناء لا بالهدم. وفي لحظة عربية تتسم بتزايد التوترات، يصبح هذا النوع من الرسائل جزءًا من معركة أوسع على الوعي العام.
قراءة في توقيت التصريحات
توقيت التصريحات مهم بحد ذاته. فخلال عام 2026، واصلت القاهرة تحركاتها السياسية في دوائر عربية وإفريقية ودولية، فيما كانت المنطقة تشهد استمرارًا لملفات شائكة تتعلق بالحروب والأزمات الإنسانية ومخاوف اتساع نطاق الصراع. وفي مثل هذا المناخ، تميل القوى الدينية والاجتماعية الكبرى إلى إعلان مواقف واضحة تؤيد الاستقرار الداخلي وتدعو إلى الاصطفاف خلف مؤسسات الدولة.
ولهذا، فإن تصريحات الجازولي يمكن قراءتها كرسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل المصري، ومفادها أن لحظة الاضطراب الإقليمي تستدعي التكاتف؛ والثانية إلى المجال العربي الأوسع، ومضمونها أن التجربة المصرية في توظيف الخطاب الديني الوسطي ما تزال تعتبر نفسها عنصرًا داعمًا للاستقرار، لا مجرد فاعل وعظي هامشي.
ما الذي يعنيه ذلك للقارئ العربي؟
الأهمية الإخبارية هنا لا تتوقف عند تأييد شخصية دينية بارزة للرئيس أو للحكومة، بل تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بموقع التيارات الصوفية في العالم العربي اليوم. ففي وقت تراجعت فيه بعض الأطر الأيديولوجية التقليدية أو دخلت في مواجهات حادة مع الدولة الوطنية في بلدان عدة، تبدو الصوفية في مصر متمسكة بخيار المساندة المؤسسية، وتقديم نفسها كقوة داعمة للاعتدال الاجتماعي والاستقرار السياسي.
- أولًا: التصريحات تعكس استمرار التداخل بين الدور الديني والدور الاجتماعي للطرق الصوفية.
- ثانيًا: تؤكد أن مؤسسات التصوف المنظم في مصر ترى الاستقرار الداخلي أولوية في ظل الاضطراب العربي.
- ثالثًا: تعكس حضورًا مستمرًا للفاعلين الدينيين التقليديين في النقاش العام حول الأمن الوطني.
- رابعًا: تبرز كيف توظف مصر خطاب الوسطية كجزء من صورتها الإقليمية.
في المحصلة، فإن تصريحات الشيخ سالم الجازولي لا تبدو مجرد موقف بروتوكولي، بل تعبر عن اتجاه واضح داخل قطاع مؤثر من التصوف المصري يعتبر أن حماية الدولة، ودعم مؤسساتها، وترسيخ الاعتدال، كلها عناصر متداخلة في لحظة عربية تتطلب كثيرًا من التماسك وقليلًا من المغامرة. ولهذا تحديدًا، تحظى مثل هذه الرسائل باهتمام يتجاوز الداخل المصري إلى الفضاء العربي الأوسع.