سامح شكري: إعلان المبادئ لم يمنح إثيوبيا صكًا مفتوحًا
سامح شكري يعيد الجدل حول اتفاق إعلان المبادئ
عاد ملف سد النهضة إلى واجهة النقاش في مصر بعد تصريحات للسفير سامح شكري، وزير الخارجية السابق ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، شدد فيها على أن اتفاق إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم يوم 23 مارس 2015 لم يكن تنازلاً عن حقوق القاهرة، بل محاولة لوضع إطار قانوني ينظم التعامل مع السد ويحمي مصالح دولتي المصب، مصر والسودان. كما حمّل إثيوبيا المسؤولية الكاملة عن أي إخلال لاحق بالالتزامات المرتبطة بالملء والتشغيل.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في سياق الجدل الممتد داخل مصر حول ما إذا كان الاتفاق منح أديس أبابا غطاءً سياسياً أو قانونياً. لكن شكري قال بوضوح إن السد كان قائماً بالفعل على الأرض وقت التوقيع، وإن الهدف المصري لم يكن إضفاء شرعية على البناء، بل تقييد مسار التشغيل والملء بمبادئ قانونية تمنع الضرر الجسيم وتُلزم الأطراف بالتعاون.
ما الذي قاله شكري تحديداً؟
في تصريحات منشورة يوم 20 يناير 2026، أوضح سامح شكري أن لدى مصر “أرضية قانونية” تسمح لها بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن الأضرار الناجمة عن السد، مؤكداً أن الانتقادات التي تعتبر اتفاق المبادئ تفريطاً في الحقوق المائية لا تعكس، من وجهة نظره، حقيقة الوضع القانوني والسياسي في ذلك التوقيت. كما أشار إلى أن واشنطن لعبت دوراً مؤثراً في مرحلة من مراحل التفاوض، وأن إثيوبيا تهربت في اللحظة الأخيرة من توقيع اتفاق شامل كانت قد اقتربت منه المباحثات.
وبحسب الموقع الرسمي لمجلس النواب، يشغل شكري حالياً رئاسة لجنة العلاقات الخارجية، وهو ما يمنح تصريحاته ثقلاً سياسياً إضافياً في ملف يرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري.
خلفية الاتفاق: لماذا وُقّع إعلان المبادئ؟
القراءة الرسمية المصرية وقت التوقيع كانت تعتبر أن إعلان المبادئ يمثل نقطة بداية وليس نهاية للمسار التفاوضي. ففي كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة التوقيع في الخرطوم، جرى التأكيد على أن الاتفاق يستهدف التوصل لاحقاً إلى قواعد تفصيلية لملء خزان السد وتشغيله بما يحقق التنمية لإثيوبيا من دون الإضرار بالمصالح والاستخدامات المائية لمصر والسودان.
وتوضح البيانات المصرية الرسمية أن الإعلان استند إلى مبادئ أساسية معروفة في القانون الدولي للمجاري المائية، وفي مقدمتها:
- الاستخدام المنصف والمعقول للمورد المائي المشترك.
- عدم التسبب في ضرر جسيم لدول المصب.
- التعاون وتبادل المعلومات والبيانات.
- التسوية السلمية للمنازعات عبر التفاوض والآليات المتفق عليها.
من هذه الزاوية، تبدو حجة شكري متسقة مع الموقف المصري الذي تمسك منذ سنوات بأن جوهر الأزمة لم يكن في مبدأ التنمية الإثيوبية، بل في الإجراءات الأحادية التي تجاهلت الوصول إلى اتفاق ملزم قبل الملء والتشغيل.
أين وقع الخلاف بعد 2015؟
المشكلة الأساسية، وفق الرواية المصرية الرسمية، بدأت عندما تعثر الانتقال من إعلان المبادئ إلى اتفاق تفصيلي وملزم. فمصر تقول إنها أبدت مرونة على مدى جولات تفاوضية متعددة، سواء عبر المسار الثلاثي، أو برعاية الاتحاد الأفريقي، أو خلال جولة واشنطن التي شاركت فيها الولايات المتحدة والبنك الدولي بصفة مراقب.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 28 فبراير 2020 أن اتفاقاً بشأن ملء وتشغيل السد كان يمكن أن يكون تحولاً مهماً للمنطقة، بينما أشارت بيانات سابقة من واشنطن إلى أن وزراء الخارجية والري من الدول الثلاث اتفقوا خلال اجتماعات يناير 2020 على استكمال العمل لصياغة اتفاق شامل. غير أن إثيوبيا لم تُقدم في النهاية على التوقيع، وهو ما أشار إليه شكري في تصريحاته الأخيرة باعتباره لحظة فارقة كشفت حدود الإرادة السياسية لدى الطرف الآخر.
التحرك المصري في مجلس الأمن
مصر لم تقصر تحركاتها على التفاوض الفني والقانوني، بل صعدت الملف إلى الساحة الدولية. ففي 8 يوليو 2021 عرض سامح شكري، بصفته وزيراً للخارجية آنذاك، الموقف المصري أمام مجلس الأمن، مؤكداً أن القاهرة لا تعارض التنمية في إثيوبيا، لكنها ترفض فرض الأمر الواقع عبر الملء الأحادي من دون اتفاق. كما شدد الخطاب المصري أمام الأمم المتحدة على أن أديس أبابا مضت في إجراءات منفردة رغم استمرار الخلاف حول قضايا محورية، منها إدارة فترات الجفاف وآلية تسوية النزاعات.
وبعدها، أصدر مجلس الأمن في 15 سبتمبر 2021 بياناً رئاسياً شجع مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بهدف التوصل، خلال إطار زمني معقول، إلى اتفاق مقبول وملزم للطرفين بشأن الملء والتشغيل. وهذه النقطة مهمة لأنها تدعم الطرح المصري القائل إن المجتمع الدولي نفسه لم يعتبر إعلان المبادئ بديلاً عن الاتفاق التنفيذي الملزم.
كيف تنظر القاهرة إلى المسؤولية الإثيوبية؟
جوهر الرسالة التي كررها شكري هو أن إثيوبيا وحدها تتحمل مسؤولية عدم الالتزام، لأن القاهرة تعتبر أن التوقيع على إعلان المبادئ كان يفترض أن يفتح الباب أمام قواعد واضحة وملزمة، لا أن يتحول إلى مظلة لتصرفات أحادية. هذا الموقف يتوافق أيضاً مع بيانات وزارة الموارد المائية والري المصرية، التي تحدثت في أكثر من مناسبة عن أضرار محتملة أو واقعة نتيجة غياب التنسيق المسبق بشأن تصرفات السد.
وفي بيان رسمي حديث، انتقدت الوزارة ما وصفته بـالتصرفات الأحادية غير المنضبطة في إدارة السد، معتبرة أنها تمثل تهديداً مباشراً لدول المصب، وتكشف استمرار الخلاف حول مبدأ الشفافية وتبادل المعلومات. كما شددت الوزارة على أن السد العالي يظل صمام الأمان الرئيسي لمصر في مواجهة تقلبات النيل، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى اتفاق قانوني ينظم السلوك الإثيوبي على المجرى المائي المشترك.
لماذا يظل اتفاق المبادئ محل نقاش داخلي في مصر؟
الجدل المصري مفهوم، لأن القضية ترتبط مباشرة بـالأمن المائي لدولة تعتمد بصورة شبه كاملة على مياه النيل. ووفق ما ورد في الكلمة الرئاسية المصرية وقت توقيع الاتفاق، فإن استخدامات مصر من مياه النيل تُقدَّر بنحو 55 مليار متر مكعب سنوياً، في ظل بيئة شديدة الجفاف ومحدودية شديدة في مصادر المياه البديلة.
لهذا، فإن أي حديث عن إعلان المبادئ لا يُقرأ في مصر باعتباره وثيقة قانونية مجردة فقط، بل باعتباره جزءاً من معادلة أكبر تمس الزراعة والشرب والصناعة والاستقرار السكاني. ومن هنا يمكن فهم حرص شخصيات رسمية سابقة وحالية على إعادة شرح خلفيات الاتفاق كلما عاد الجدل إلى السطح.
خلاصة المشهد
تصريحات سامح شكري لا تقدم جديداً في الوقائع بقدر ما تعيد صياغة الدفاع السياسي والقانوني عن خطوة 2015: مصر، بحسب هذا التصور، لم توقّع لتمنح إثيوبيا حقاً مفتوحاً في السد، وإنما لتحاول إدخال المشروع في إطار من القواعد والالتزامات. لكن تعثر الوصول إلى اتفاق نهائي، ثم المضي في سياسات أحادية، هو ما جعل الأزمة تتفاقم.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن النقطة الأهم تبقى واضحة: المشكلة في نظر القاهرة ليست في مبدأ التنمية الإثيوبية، بل في غياب الالتزام باتفاق تفصيلي ملزم يحمي حصة مصر المائية ويمنع الضرر. ولهذا يظل ملف سد النهضة واحداً من أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية المصرية، وأحد الاختبارات المستمرة لقدرة الدبلوماسية على حماية مورد يعتبر بالنسبة للمصريين مسألة حياة.