Akhbar Cairo

سامح شكري: فلسطين تبقى أولوية العرب رغم تعقيدات الإقليم

فلسطين في صدارة النقاش العربي

عاد ملف القضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش السياسي العربي بعد تصريحات أدلى بها السفير سامح شكري، وزير الخارجية المصري السابق ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، شدد فيها على أن فلسطين ما زالت تمثل القضية المركزية والمزمنة في ترتيب الأولويات العربية، حتى مع تصاعد ملفات أخرى مثل التوتر بين إسرائيل وإيران، وأمن البحر الأحمر، واتساع دوائر عدم الاستقرار في الإقليم.

وجاءت تصريحات شكري خلال استضافته في برنامج "يحدث في مصر" الذي يقدمه الإعلامي شريف عامر على شاشة MBC مصر، حيث طرح عليه سؤال بشأن كيفية ترتيب المخاطر الإقليمية من منظور عربي، بين الصراع المرتبط بإسرائيل، والضغط الإيراني، وتهديدات الملاحة في البحر الأحمر. وردّ شكري بأن مركز الثقل لا يزال فلسطين، باعتبارها القضية التي ترتبط بتاريخ طويل من الصراع وتداعياته على الأمن الإقليمي. وقد نشرت وسائل إعلام مصرية، بينها الشروق ومصراوي، مضمون هذه التصريحات يومي 1 و2 أكتوبر 2026.

من هو سامح شكري وما موقعه الحالي؟

يشغل سامح شكري حالياً رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب المصري، وفق قوائم اللجان النوعية المنشورة لعام 2026، بعد مسيرة دبلوماسية طويلة كان أبرزها توليه حقيبة الخارجية المصرية بين عامي 2014 و2024. هذا الموقع يمنح تصريحاته وزناً سياسياً إضافياً، خصوصاً أنها تصدر من مسؤول سابق تولى إدارة ملفات إقليمية حساسة خلال سنوات شديدة التعقيد في المنطقة.

وفي حديثه التلفزيوني، ربط شكري بين المخاطر الإقليمية وبين أي محاولات لـتصفية القضية الفلسطينية أو تجاوزها، معتبراً أن ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراعات والاضطرابات. هذا الطرح ينسجم مع الموقف المصري المعلن منذ سنوات، والقائم على أن غياب تسوية عادلة ومستدامة يظل مصدر توتر دائماً في الشرق الأوسط.

لماذا تبقى القضية الفلسطينية أولوية رغم تعدد الأزمات؟

في القراءة العربية الأوسع، لا تنفصل أزمات البحر الأحمر أو التصعيد بين إسرائيل وإيران عن المشهد الفلسطيني نفسه. فالحرب في غزة، والضغوط الإنسانية المستمرة، والتوتر في الضفة الغربية، كلها عوامل تجعل القضية الفلسطينية حاضرة في صلب الحسابات الأمنية والسياسية العربية، لا باعتبارها ملفاً رمزياً فقط، بل بوصفها عاملاً مباشراً في استقرار المنطقة.

الأمم المتحدة ما زالت تصف الوضع الإنساني في غزة بأنه بالغ الهشاشة. ووفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خلال عام 2026، استمرت تحديات إدخال المساعدات، بما في ذلك تراجع معدلات تفريغ الشاحنات القادمة من مصر في بعض الفترات، إلى جانب استمرار الضغوط على السكان والبنية المدنية والقطاع الإغاثي. كما أشارت تحديثات أممية إلى أن الأسعار داخل غزة بقيت أعلى بكثير من مستويات ما قبل أكتوبر 2023، ما يعكس عمق الأزمة المعيشية على الأرض.

ومن هذا المنطلق، تبدو مقولة إن فلسطين هي القضية المركزية أقرب إلى توصيف سياسي وواقعي في آن واحد؛ فالمسألة لا ترتبط فقط بمكانة تاريخية لدى الشعوب العربية، بل أيضاً بكونها عقدة أساسية تتقاطع عندها حسابات الأمن، والحدود، والشرعية الدولية، والرأي العام العربي.

البعد القانوني والدولي في الملف الفلسطيني

اللافت أن تصريحات شكري تأتي أيضاً في سياق دولي لم يتوقف عند البعد الإنساني وحده. ففي 19 يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً مهماً بشأن الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وأكدت المحكمة في خلاصاتها وجود التزامات قانونية قائمة على إسرائيل بصفتها قوة احتلال، كما تناولت مسألة استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة من زاوية القانون الدولي.

هذا التطور القانوني لا يحسم النزاع سياسياً بطبيعة الحال، لكنه يعيد تثبيت مركزية القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية، ويمنح الأطراف العربية سنداً إضافياً عند الحديث عن ضرورة التسوية على أساس الشرعية الدولية، بدلاً من مقاربات تتجاوز أصل الأزمة أو تؤجلها.

البحر الأحمر وإيران: ملفات ضاغطة لكن ليست بديلاً

النقاش الذي أثير في البرنامج حول أمن البحر الأحمر والتوتر المتصل بإيران يعكس بالفعل ما تواجهه المنطقة من تهديدات متشابكة. فالملاحة في هذا الممر الحيوي تمثل أولوية اقتصادية وأمنية للدول العربية المطلة عليه، ومصر في مقدمتها بحكم موقع قناة السويس وارتباطها بحركة التجارة العالمية. كما أن أي تصعيد بين إسرائيل وإيران يحمل دائماً مخاطر تمدد المواجهة إلى ساحات عربية متعددة.

لكن رؤية شكري، كما بدت في حديثه، تقوم على أن هذه الملفات رغم خطورتها تبقى نتائج أو امتدادات لمشهد إقليمي أوسع لم يُعالج جذره الأساسي. وبصياغة أخرى، فإن إهمال الملف الفلسطيني لا يؤدي إلى تخفيف التوترات الأخرى، بل قد يضاعفها ويدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب.

كيف يُقرأ الموقف في مصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، تحمل هذه التصريحات دلالة خاصة. فالقاهرة ما زالت تنظر إلى الاستقرار الإقليمي من زاوية مترابطة: حماية الأمن القومي العربي، دعم الحقوق الفلسطينية، وتأمين الممرات المائية الحيوية، من دون الفصل بين هذه الدوائر. كما أن الدور المصري في إدخال المساعدات إلى غزة، والتحرك الدبلوماسي المتواصل منذ بداية الحرب، جعلا القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في المجالين الرسمي والشعبي داخل مصر.

ومن ثم، فإن حديث سامح شكري لا يبدو مجرد تعليق إعلامي عابر، بل امتداداً لمدرسة سياسية مصرية تعتبر أن أي ترتيب جديد للأولويات في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتم على حساب حقوق الفلسطينيين أو عبر القفز فوق جوهر الصراع.

خلاصة المشهد

في لحظة إقليمية مزدحمة بالاشتباكات والضغوط، من البحر الأحمر إلى التوترات الإيرانية الإسرائيلية، يعيد سامح شكري التذكير بأن فلسطين ليست ملفاً ثانوياً يمكن إرجاؤه، بل تظل محوراً مركزياً في فهم أزمات المنطقة. وبينما تتبدل أشكال التهديد من فترة إلى أخرى، يبقى جوهر الرسالة واضحاً: لا استقرار عربياً حقيقياً من دون مسار عادل وموثوق يعالج القضية الفلسطينية باعتبارها أصل الأزمة، لا هامشها.