سامح شكري يراجع حقبة مبارك بين الاستقرار وجمود الإدارة
سامح شكري يعيد قراءة سنوات مبارك من زاوية الدبلوماسي لا القاضي
أعاد وزير الخارجية المصري الأسبق سامح شكري طرح نقاش قديم ومتجدد حول طبيعة الحكم في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حين قال في مقابلة تلفزيونية إن دوره هو عرض الوقائع كما عاشها لا إصدار أحكام نهائية على تلك المرحلة. وجاءت تصريحاته خلال ظهوره في برنامج "الصورة" الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، وهو البرنامج الذي عاد إلى شاشة النهار في موسم جديد خلال 2026، بحسب ما أعلنته وسائل إعلام مصرية مع انطلاق حلقاته الجديدة.
أهمية هذه التصريحات لا تتوقف عند الشأن المصري الداخلي فقط، بل تمتد إلى المجال العربي الأوسع؛ فحقبة مبارك، التي امتدت من 14 أكتوبر 1981 حتى 11 فبراير 2011، كانت من أطول الفترات التي أثرت في توازنات الإقليم، سواء في ملفات الصراع العربي الإسرائيلي، أو علاقات القاهرة بالعواصم العربية، أو موقع مصر داخل المنظومة الأفريقية والمتوسطية.
كيف وصف شكري أسلوب إدارة مبارك؟
بحسب ما نُقل عن المقابلة، أشار سامح شكري إلى أن الرئيس الأسبق حسني مبارك كان يتعامل مع الزمن السياسي وكأنه مضمون، أو كأن السلطة قادرة على الاستمرار بالإيقاع نفسه، وهو ما انعكس في نمط إدارة روتيني ثابت أكثر منه نمطًا يميل إلى التغيير السريع أو إعادة بناء الأدوات السياسية. هذا التوصيف ينسجم مع صورة ترسخت لدى كثير من المتابعين لسنوات حكم مبارك، حيث غلب الاستقرار المؤسسي على حساب التجديد السياسي الواسع.
وشكري، الذي شغل لاحقًا منصب وزير الخارجية بين 17 يونيو 2014 و3 يوليو 2024، وكان قبل ذلك سفيرًا لمصر في واشنطن من 2008 إلى 2012، تحدث في مناسبات إعلامية عدة عن تجربته داخل الدولة المصرية من موقع الدبلوماسي المهني، مؤكدًا أن وظيفة المسؤول ليست تزيين الوقائع ولا تصفية الحساب مع الماضي، بل تقديم شهادة دقيقة على ما جرى في غرف القرار.
الطابع الاجتماعي والثقافي لمرحلة طويلة
من النقاط اللافتة في حديث شكري إشارته إلى أن البعد الاجتماعي والثقافي كان من أبرز ملامح تلك الحقبة الطويلة. وهذه الإشارة تفتح بابًا مهمًا لفهم كيف تشكلت صورة مصر عربيًا خلال العقود الثلاثة السابقة على 2011؛ فالقاهرة لم تكن آنذاك مجرد عاصمة دولة مركزية، بل منصة تأثير في الإعلام والدراما والتعليم والثقافة العربية.
وخلال تلك السنوات، حافظت مصر على حضور ثقافي عربي واسع عبر الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، والمؤسسات الدينية والتعليمية، وحركة النشر والصحافة. ولذلك فإن الحديث عن عهد مبارك في القسم المعني بـالعالم العربي لا ينفصل عن أثر القاهرة في تشكيل المزاج العام العربي، حتى عندما كانت السياسة تتحرك بإيقاع أبطأ من تحولات الشارع.
بين الاستقرار والجمود
قراءة تصريحات شكري من منظور عربي أوسع تكشف مفارقة أساسية: فالنظام في عهد مبارك نجح لفترات طويلة في تقديم نفسه بوصفه عنوانًا للاستقرار في منطقة كثيرة الاضطراب، لكنه في المقابل واجه انتقادات متزايدة بسبب بطء الإصلاح السياسي واعتماد أدوات حكم تقليدية لم تعد كافية لاحتواء التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
هذه المفارقة كانت حاضرة في نظرة كثير من العواصم العربية إلى مصر آنذاك. فمن جهة، كانت القاهرة لاعبًا لا يمكن تجاوزه في ملفات فلسطين والسودان وليبيا والعلاقات العربية-الأمريكية. ومن جهة أخرى، كانت هناك أسئلة متراكمة حول قدرة النظام على تجديد نفسه داخليًا، وهو ما بدا لاحقًا بوضوح مع اندلاع احتجاجات 25 يناير 2011 التي انتهت بتنحي مبارك في 11 فبراير من العام نفسه.
لماذا تثير شهادة شكري الاهتمام الآن؟
تكتسب شهادة سامح شكري وزنًا خاصًا لأنه ليس معلقًا من الخارج، بل مسؤول شغل مواقع حساسة في الدبلوماسية المصرية على امتداد عقود. كما أن حديثه يأتي بعد انتقاله من وزارة الخارجية إلى موقعه رئيسًا للجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، في لحظة إقليمية تشهد إعادة تقييم واسعة لما جرى في دول عربية عدة منذ 2011.
في هذا السياق، تبدو شهادات رجال الدولة السابقين جزءًا من محاولة أوسع لفهم تاريخ المنطقة الحديث، لا سيما أن كثيرًا من الأنظمة العربية واجهت الإشكال نفسه: كيف تحافظ الدولة على الاستقرار من دون أن تقع في فخ الجمود؟ وكيف توازن بين المؤسسات الراسخة ومتطلبات التغيير السياسي والاجتماعي؟
ماذا تعني "أمانة العرض" في قراءة التاريخ السياسي؟
العبارة التي استخدمها شكري، وهي أنه يمارس "أمانة العرض" لا الحكم، تحمل دلالة مهمة في التغطية السياسية الجادة. فهي تعني أن الشاهد على المرحلة يلتزم نقل ما رآه وعايشه، من دون ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة أو فرض تقييم نهائي على الجمهور. وهذا النوع من المقاربات يهم القارئ العربي، لأن كثيرًا من النقاشات المرتبطة بالماضي تتحول سريعًا إلى انقسام حاد بين تمجيد كامل وإدانة كاملة.
من هنا، فإن قيمة التصريحات ليست في أنها تقدم خلاصة نهائية لعهد مبارك، بل في أنها تضيف قطعة جديدة إلى أرشيف سياسي معقد ما زالت المنطقة كلها تعيد تفكيكه. فالعالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية شهد تبدلات كبرى، ومصر كانت في قلب هذه التحولات بحكم موقعها الجغرافي والسكاني والسياسي.
انعكاس حقبة مبارك على المجال العربي
على المستوى الإقليمي، ارتبط اسم مبارك بعدد من الملفات العربية الثقيلة: الوساطة في القضية الفلسطينية، إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، متابعة توازنات البحر الأحمر، والتعامل مع أزمات السودان والعراق ولبنان في مراحل مختلفة. لذلك فإن أي تقييم لطبيعة إدارته للسلطة لا يظل شأنًا مصريًا صرفًا، بل يتصل بشكل مباشر بكيف فهمت العواصم العربية دور القاهرة وحدود حركتها.
ولعل ما يجعل تصريحات شكري مثيرة للاهتمام لدى جمهور عربي أوسع هو أنها لا تنطلق من خطاب شعبوي، بل من ذاكرة دبلوماسية تعرف كيف كانت القرارات تُصنع، وكيف كان الإيقاع الهادئ أو الروتيني أحيانًا ينعكس على قدرة الدولة في التقاط التحولات قبل انفجارها.
خلاصة المشهد
في المحصلة، أعادت تصريحات سامح شكري فتح ملف مهم في التاريخ السياسي العربي المعاصر: هل كان طول أمد الاستقرار في عهد مبارك ميزة استراتيجية، أم أنه تحول تدريجيًا إلى شعور بأن الوقت مضمون وأن أدوات الحكم القديمة تكفي وحدها؟
الإجابة، كما توحي شهادة شكري، ليست بسيطة ولا أحادية. فمرحلة مبارك كانت مليئة بعناصر القوة والاستمرارية، لكنها حملت أيضًا سمات جمود إداري وسياسي لم تعد قابلة للاستمرار مع تغير المجتمع والمنطقة. ولهذا يبدو استدعاء تلك الحقبة اليوم جزءًا من نقاش عربي أوسع حول معنى الدولة، وحدود السلطة، وكيف يمكن للأنظمة أن تقرأ الزمن قبل أن يفاجئها.
- سامح شكري: دبلوماسي مصري شغل وزارة الخارجية بين 2014 و2024، وسبق أن كان سفيرًا لمصر في الولايات المتحدة.
- حسني مبارك: تولى رئاسة مصر من 14 أكتوبر 1981 حتى 11 فبراير 2011.
- برنامج الصورة: برنامج تقدمه لميس الحديدي، وعاد إلى شاشة النهار في موسم جديد خلال 2026.