Akhbar Cairo

سامح شكري يستعيد أصعب لحظاته بين ليبيا وشرم الشيخ

سامح شكري: مأساة المصريين في ليبيا بقيت من أثقل محطات العمل الدبلوماسي

أعاد وزير الخارجية المصري الأسبق سامح شكري الحديث عن واحدة من أكثر اللحظات قسوة في مسيرته المهنية، مؤكدًا أن واقعة مقتل المصريين في ليبيا ظلت من أصعب ما مرّ به على المستوى الإنساني والمهني، نظرًا لما حملته من ألم لأسر الضحايا وارتباطها بملف إقليمي شديد الحساسية يخص أمن مصر ومحيطها الأفريقي المباشر.

تصريحات شكري تأتي في سياق استرجاعه محطات مفصلية من سنوات توليه وزارة الخارجية بين 2014 و2024، وهي الفترة التي تداخلت فيها أزمات إقليمية حادة، من بينها تطورات الوضع الليبي، إلى جانب ملفات دولية كبرى مثل رئاسة مصر لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27 في شرم الشيخ.

لماذا ظلت ليبيا جرحًا مفتوحًا في الذاكرة المصرية؟

قضية المصريين الذين قُتلوا في ليبيا لم تكن مجرد حادث عابر في سجل السياسة الخارجية، بل لحظة مفصلية في علاقة القاهرة بالأزمة الليبية. فليبيا تمثل بالنسبة إلى مصر عمقًا استراتيجيًا غربيًا، كما أن استقرارها يرتبط مباشرة بأمن الحدود، وحركة العمالة، ومكافحة الإرهاب، ومسارات التسوية السياسية في شمال أفريقيا.

وبحسب الهيئة العامة للاستعلامات، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في فبراير 2015 موقفًا رسميًا واضحًا بعد جريمة قتل 21 مصريًا على يد تنظيم داعش في ليبيا، مؤكدًا أن الدولة المصرية تحتفظ بحق الرد بالأسلوب والتوقيت المناسبين، في لحظة عكست حجم الصدمة داخل مصر. كما بقيت تلك الواقعة من أبرز الأمثلة على تداخل البعد الإنساني مع اعتبارات الأمن القومي المصري في الساحة الليبية.

تحرك مصري سريع داخل الأمم المتحدة

في حديثه عن تلك المرحلة، أوضح شكري أن القاهرة تحركت بسرعة على الساحة الدولية، خصوصًا داخل الأمم المتحدة، في محاولة لضمان غطاء قانوني وسياسي للموقف المصري. وأشار إلى أن مصر استندت إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهي المادة الخاصة بحق الدول في الدفاع عن النفس، بما يحد من أي اعتراضات دولية محتملة على خطواتها.

هذا التفصيل يكتسب أهمية خاصة عند قراءته في ضوء طبيعة التوازنات الدولية وقتها؛ إذ لم تكن الأزمة الليبية شأنًا داخليًا فحسب، بل ملفًا متشابكًا تتقاطع فيه حسابات قوى إقليمية ودولية. ومن هنا، بدا التحرك المصري في الأمم المتحدة جزءًا من إدارة أزمة متعددة المستويات: حماية المواطنين، وتوجيه رسالة ردع، وتأكيد أن أي خطوة مصرية تنطلق من أسس قانونية معترف بها دوليًا.

ليبيا في صميم السياسة المصرية تجاه أفريقيا

رغم أن تصريحات شكري انطلقت من زاوية شخصية، فإن دلالتها السياسية أوسع بكثير. فالقاهرة ما زالت تؤكد، عبر وزارة الخارجية المصرية (@egyptmfa على إنستغرام)، دعمها لحل سياسي ليبي-ليبي يحافظ على وحدة الدولة الليبية وسيادتها وسلامة أراضيها، مع الدفع نحو توحيد المؤسسات وإنهاء المراحل الانتقالية وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن.

هذا الخطاب الرسمي يعكس ثبات المقاربة المصرية تجاه ليبيا خلال السنوات الأخيرة: رفض الفوضى، والتعامل مع الملف باعتباره جزءًا من أمن الجوار الأفريقي، وليس مجرد أزمة حدودية. كما يفسر لماذا بقيت مأساة المصريين في ليبيا حاضرة في ذاكرة صانع القرار والدبلوماسيين المصريين بوصفها لحظة اختبرت فيها الدولة قدرتها على التحرك السريع سياسيًا وأمنيًا.

من ليبيا إلى شرم الشيخ: اختبار آخر للدبلوماسية المصرية

لم يقتصر حديث شكري على الملف الليبي، بل أشار أيضًا إلى أن رئاسة مصر لمؤتمر المناخ في شرم الشيخ كانت من اللحظات التي شهدت ضغوطًا استثنائية، خصوصًا خلال الساعات الأخيرة من المفاوضات. وقال إن مؤتمر COP27 واجه محاولات لإفشال الرئاسة المصرية، وهي إشارة تعكس حجم التعقيد الذي صاحب المفاوضات الدولية حول التمويل المناخي والخسائر والأضرار.

وشغل سامح شكري رئاسة مؤتمر الأطراف السابع والعشرين بصفته وزير الخارجية المصري آنذاك، وقادت مصر المؤتمر باعتبارها دولة أفريقية تستضيف الحدث باسم القارة وتدافع عن أولويات الدول النامية. وقد أكدت وزارة الخارجية لاحقًا أن الرئاسة المصرية نجحت في تحقيق نتائج مهمة، على رأسها التقدم في ملف تمويل الخسائر والأضرار، وهو أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى أفريقيا.

ماذا حققت مصر في مؤتمر COP27؟

وفقًا لموقع وزارة الخارجية المصرية والوثائق الأممية المرتبطة بالمؤتمر، ارتبط اسم شرم الشيخ بمخرجات اعتبرتها القاهرة تاريخية، أبرزها التوصل إلى اتفاق حول آلية تمويل الخسائر والأضرار للدول الأكثر تضررًا من تغير المناخ. كما شددت مصر مرارًا على أن استضافتها للمؤتمر لم تكن مجرد حدث تنظيمي، بل منصة للدفاع عن مصالح أفريقيا والدول النامية في مفاوضات المناخ العالمية.

وفي هذا السياق، أكدت وزارة الخارجية أن الرئاسة المصرية لمؤتمر المناخ حظيت بتقدير من دول الجنوب العالمي، خاصة الدول الأفريقية، كما ارتبطت بها مبادرات ونتائج تفاوضية وُصفت بأنها أسست لمرحلة جديدة في النقاش الدولي حول العدالة المناخية.

  • أولًا: تثبيت أولوية تمويل الخسائر والأضرار على أجندة العمل المناخي الدولي.
  • ثانيًا: إبراز الصوت الأفريقي داخل مفاوضات المناخ العالمية.
  • ثالثًا: ربط قضايا المناخ بالتنمية والأمن المائي والغذائي، وهي ملفات تمس القارة الأفريقية مباشرة.
  • رابعًا: تقديم شرم الشيخ كنموذج لاستضافة مصرية لحدث دولي عالي الحساسية سياسيًا وتنظيميًا.

الساعات الأخيرة.. أصعب ما في المؤتمرات الكبرى

الإشارة إلى “آخر 48 ساعة” من مؤتمر شرم الشيخ تكشف طبيعة ما جرى خلف الأبواب المغلقة في القمم الدولية. ففي مثل هذه المفاوضات، تُحسم الملفات الكبرى عادة في اللحظات الأخيرة، حيث تتصادم مطالب الدول الصناعية مع أولويات الدول النامية، وبينها الدول الأفريقية التي دفعت بقوة من أجل الاعتراف بتكلفة الأضرار المناخية الواقعة عليها.

ومن هذه الزاوية، تبدو المقارنة التي طرحها شكري بين مأساة ليبيا وتحديات مؤتمر المناخ لافتة؛ فالأولى كانت اختبارًا إنسانيًا وسياديًا حادًا، والثانية كانت اختبارًا تفاوضيًا ودبلوماسيًا معقدًا، لكن القاسم المشترك بينهما هو العمل تحت ضغط شديد، وفي ملفات ترتبط مباشرة بصورة مصر ودورها في محيطها الأفريقي.

دلالة التصريحات على الدور المصري في أفريقيا

بالنسبة للقارئ المصري، تحمل هذه التصريحات أهمية تتجاوز البعد الشخصي. فهي تفتح نافذة على طريقة إدارة القاهرة لملفين أساسيين في القارة: الأمن الإقليمي في ليبيا والتمثيل الأفريقي في مفاوضات المناخ. وفي الحالتين، سعت مصر إلى الجمع بين التحرك السياسي والقانوني، وبين الدفاع عن مصالحها الوطنية ومصالح محيطها القاري.

كما تعكس هذه الشهادة أن السياسة الخارجية لا تُقاس فقط بنتائج البيانات الرسمية، بل أيضًا باللحظات الضاغطة التي تُصنع فيها القرارات. وفي حالة ليبيا، كان الأمر متعلقًا بأرواح مصريين وبأمن الحدود الغربية. أما في حالة شرم الشيخ، فكان متعلقًا بقدرة دولة أفريقية على إدارة واحد من أصعب الملفات الدولية وإخراج نتائج تفاوضية من قلب الانقسام العالمي حول المناخ.

في النهاية، تعيد كلمات سامح شكري التذكير بأن بعض المحطات تبقى راسخة في الذاكرة السياسية المصرية لأنها تمس وجدان المجتمع وتوازنات الدولة في آن واحد. وبين مأساة المصريين في ليبيا والرهان على نجاح شرم الشيخ، يظهر وجه آخر للدبلوماسية المصرية: وجه يعمل في مناطق التوتر الأفريقي، حيث تختلط المأساة بالسياسة، والضغط الإنساني بحسابات القانون الدولي.