سامح فهمي يروي كواليس زيارات مبارك الرمضانية السرية إلى ليبيا
رواية جديدة عن ملف قديم في العلاقات المصرية الليبية
أثار وزير البترول المصري الأسبق سامح فهمي مجددًا الحديث عن طبيعة العلاقة التي ربطت الرئيس الراحل حسني مبارك بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بعدما كشف في ظهور إعلامي حديث عن زيارات رمضانية غير معلنة استمرت، بحسب روايته، على مدى 11 عامًا كان يرافق خلالها الرئيس المصري إلى ليبيا. وجاءت الشهادة ضمن حوار مع الإعلامي عبد اللطيف المناوي في بودكاست "رؤية أخرى"، وهي رواية أعادت تسليط الضوء على واحدة من أكثر صفحات التواصل المصري الليبي حساسية وتعقيدًا في العقود الأخيرة.
ماذا قال سامح فهمي؟
بحسب ما نُشر عن تصريحات فهمي، فإن هذه الزيارات كانت تتم في أجواء رمضانية وبطابع بعيد عن الإعلان، في إطار لقاءات جمعت مبارك بالقذافي. كما تحدث الوزير الأسبق عن مواقف مباشرة شهدها بنفسه خلال الاجتماعات، من بينها نقاشات متصلة بملفات اقتصادية وطاقة، وعلى رأسها مشروع ميدور، حيث روى واقعة مواجهة داخل خيمة القذافي في سرت انتهت، وفق شهادته، بإشادة من مبارك بطريقة تعامله مع النقاش.
ورغم أن تفاصيل عدد الزيارات وسنواتها الدقيقة لم تُنشر كلها في مصادر رسمية موثقة حتى الآن، فإن الثابت تاريخيًا أن العلاقات بين القاهرة وطرابلس خلال عهد مبارك شهدت محطات تقارب متقطعة، تخللتها لقاءات معلنة وأخرى وُصفت بالمفاجئة أو غير المعلنة مسبقًا في التغطيات الصحفية آنذاك.
العلاقة بين مبارك والقذافي: بين الحذر والتنسيق
تُظهر الوقائع المنشورة عبر السنوات أن العلاقة بين مبارك والقذافي لم تكن مستقرة على وتيرة واحدة. فهناك لقاءات قمة ومباحثات ثنائية موثقة، مثل الزيارة المفاجئة التي جرت في القاهرة مطلع يناير 2008، حين استقبل مبارك القذافي في زيارة تناولت تطورات الأوضاع العربية والأفريقية والقضايا ذات الاهتمام المشترك. كما شهد يونيو 2010 قمة مصغرة في طرابلس ظهر خلالها الزعيمان ضمن لقاءات عربية أوسع.
في المقابل، سجلت الصحافة أيضًا لحظات فتور أو تباعد، من بينها غياب مبارك عن قمة عربية مصغرة عُقدت في طرابلس في يونيو 2008، في مشهد يعكس أن العلاقة السياسية بين البلدين لم تكن خطًا مستقيمًا، بل خضعت لحسابات إقليمية معقدة وتوازنات عربية متغيرة.
لماذا يكتسب هذا الكلام أهمية الآن؟
أهمية هذه الشهادة لا تتعلق فقط بطابعها الشخصي، بل بما تضيفه إلى أرشيف غير مكتمل عن إدارة الدولة المصرية لعلاقاتها مع ليبيا في حقبة مبارك. فمصر وليبيا كانتا ترتبطان بملفات أمن حدود، وعمالة، وتنسيق عربي وأفريقي، إضافة إلى مصالح اقتصادية واستثمارية. لذلك فإن أي شهادة من مسؤول مصري سابق شغل موقعًا سياديًا أو وزاريًا خلال تلك السنوات تثير اهتمامًا خاصًا لدى المتابعين، خصوصًا عندما تتعلق بلقاءات لم يكن يجري الإعلان عنها على نطاق واسع وقت حدوثها.
سامح فهمي ودوره في ملفات الطاقة
شغل سامح فهمي منصب وزير البترول في مصر لسنوات طويلة خلال عهد مبارك، وكان من أبرز المسؤولين المرتبطين بملفات الطاقة الإقليمية والمشروعات البترولية الكبرى. لذلك فإن حضوره في مثل هذه اللقاءات ليس تفصيلًا هامشيًا، بل يتسق مع طبيعة الملفات التي كانت تُناقش بين القاهرة وطرابلس، سواء على مستوى التعاون الاقتصادي أو المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والاستثمار. وتشير الرواية المنشورة عن ظهوره الأخير إلى أن ملف ميدور كان ضمن الموضوعات التي استحضِرت في إحدى الجلسات مع القذافي.
وفي الشهر الماضي، عاد اسم فهمي إلى الواجهة أيضًا عبر رواية أخرى نشرها المصري اليوم عن واقعة هدية ذهبية أُرسلت إلى مكتب الرئاسة في عهد مبارك ولم تُفتح، ما يعكس استمرار ظهور شهاداته الإعلامية حول كواليس تلك المرحلة.
ماذا نعرف عن الزيارات السرية المعلنة لاحقًا؟
حتى الآن، لا تتوافر في المصادر الرسمية المصرية المنشورة تفاصيل كاملة توثق عامًا بعام تلك الزيارات الرمضانية التي قال فهمي إنها امتدت 11 سنة. لكن توجد مؤشرات صحفية وتاريخية تؤكد وجود قنوات اتصال ولقاءات متكررة بين مبارك والقذافي، بعضها تم الإعلان عنه بعد حدوثه أو وُصف في حينه بأنه مفاجئ. كما أن العلاقات المصرية الليبية في تلك السنوات لم تنفصل عن السياق العربي الأوسع، بما في ذلك القمم العربية والملفات الأفريقية والتحركات المرتبطة بالقضية الفلسطينية والسودان ولبنان وغيرها.
ومن هنا يمكن قراءة كلام فهمي باعتباره شهادة من الداخل تضيف بعدًا إنسانيًا وسياسيًا لطريقة إدارة تلك اللقاءات، لا سيما أن شهر رمضان كان في بعض الأحيان يشكل إطارًا هادئًا للاتصالات السياسية الحساسة بعيدًا عن البروتوكولات الثقيلة والضوضاء الإعلامية. وهذه قراءة استنتاجية تستند إلى طبيعة ما ورد في شهادته وإلى نمط الاتصالات العربية في تلك الحقبة، وليست معلومة موثقة بنص رسمي منشور.
بين التاريخ الشفهي والوثيقة
اللافت في هذا النوع من التصريحات أنه يقع في منطقة وسط بين التاريخ الشفهي والوثيقة الرسمية. فشهادات المسؤولين السابقين تساعد في فهم أجواء صنع القرار، لكنها تظل بحاجة دائمًا إلى مقارنتها بما هو ثابت في السجلات والبيانات والوقائع المنشورة. وفي حالة مبارك والقذافي، هناك بالفعل سجل طويل من اللقاءات العلنية والاتصالات السياسية، لكن تفاصيل اللقاءات الخاصة أو غير المعلنة لا تظهر عادة إلا بعد سنوات، عبر المذكرات أو المقابلات أو الوثائق التي تخرج لاحقًا إلى العلن.
ملخص أبرز النقاط الواردة حتى الآن
- سامح فهمي تحدث في ظهور إعلامي حديث عن زيارات رمضانية سرية إلى ليبيا رافق خلالها الرئيس الأسبق حسني مبارك لمدة 11 عامًا، وفق روايته.
- التصريحات جاءت ضمن حوار مع الإعلامي عبد اللطيف المناوي في بودكاست "رؤية أخرى".
- المصادر الصحفية تؤكد وجود لقاءات معلنة ومتكررة بين مبارك والقذافي، منها زيارة مفاجئة للقذافي إلى القاهرة في يناير 2008 ولقاءات في طرابلس خلال 2010.
- العلاقة بين القاهرة وطرابلس في عهد مبارك مرت بمراحل تقارب وفتور، ولم تكن ثابتة على نسق واحد.
قراءة مصرية في شهادة متأخرة
بالنسبة للقارئ المصري، تعيد هذه الشهادة التذكير بأن إدارة السياسة الخارجية في عهد مبارك لم تكن تُختزل فقط في البيانات الرسمية أو القمم المعلنة، بل كانت تشمل أيضًا مسارات اتصال جانبية وشخصية في ملفات إقليمية شائكة، وفي مقدمتها الملف الليبي. كما تكشف أن وزراء بعينهم، ومنهم وزير البترول، كانوا حاضرين أحيانًا في قلب هذه الدوائر بحكم ما تمثله ملفات الطاقة من ثقل سياسي واقتصادي.
وفي ظل الاهتمام المتجدد بتاريخ العلاقات المصرية الليبية، تبدو تصريحات سامح فهمي إضافة مهمة إلى سردية تلك المرحلة، حتى لو بقي جانب منها في انتظار ما يدعمه من وثائق أو شهادات أخرى. المؤكد فقط أن العلاقة بين مبارك والقذافي كانت أكثر تعقيدًا مما عكسته اللقاءات العلنية، وأن ما يخرج الآن من كواليسها لا يزال قادرًا على إثارة النقاش داخل مصر حول طريقة إدارة الملفات الإقليمية في العقود السابقة.