Akhbar Cairo

ساندرز وبانون يتفقان على كبح الذكاء الاصطناعي ويختلفان حول الصين

تحالف غير معتاد في واشنطن حول ملف الذكاء الاصطناعي

في تطور لافت داخل الساحة السياسية الأمريكية، ظهر السيناتور المستقل بيرني ساندرز (@berniesanders على إنستغرام) والمستشار السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف بانون، على منصة واحدة في واشنطن يوم الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026، ضمن فعالية Pro-Human Assembly أو «التجمع المؤيد للإنسان». ورغم التناقض الحاد بين الرجلين أيديولوجياً، فقد التقيا عند نقطة أساسية: الدعوة إلى فرض ضوابط أقوى على الذكاء الاصطناعي ومنع ترك هذا القطاع الحيوي في يد عدد محدود من كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية.

الحدث عكس اتساع القلق في الولايات المتحدة من السرعة التي تتطور بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، سواء من زاوية تأثيرها على الوظائف والبنية الاجتماعية، أو من زاوية السلامة والسيطرة البشرية على الأنظمة الأكثر تقدماً. تقارير أمريكية عدة أشارت إلى أن ساندرز وبانون حذّرا من تركز النفوذ في وادي السيليكون، واعتبرا أن ترك التطوير بلا قيود قد يفاقم المخاطر الاقتصادية والسياسية والإنسانية.

نقطة الاتفاق: تشديد الرقابة على الشركات العملاقة

ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت، يطرح منذ أشهر موقفاً متشدداً نسبياً تجاه شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى. وفي 3 سبتمبر/أيلول 2026 أعلن مع النائب الديمقراطي جريج كاسار مشروع Ban Artificial Superintelligence Act، وهو تحرك تشريعي يستهدف حظر تطوير «الذكاء الاصطناعي فائق الذكاء» والدفع نحو وقف مؤقت لتطوير بعض الأنظمة المتقدمة إلى حين وضع قواعد سلامة فيدرالية واضحة.

وبحسب بيان منشور على الموقع الرسمي لساندرز، فإن المشروع المقترح يهدف إلى منع بناء أنظمة لا يستطيع البشر السيطرة عليها، مع إنشاء إطار رقابي حكومي لمتابعة القدرات الخطرة للتقنيات الجديدة. هذا الموقف ينسجم مع خطابه الأخير، الذي يربط بين الذكاء الاصطناعي وبين ما يصفه بتضخم سلطة «أوليغارشية التكنولوجيا» في الولايات المتحدة.

أما بانون، فرغم انتمائه إلى اليمين القومي الأمريكي، فقد تبنى في المناسبة نفسها خطاباً يدعو أيضاً إلى وضع حدود أقسى أمام اندفاعة الشركات. وهنا تكمن المفارقة: خصمان من معسكرين متصارعين يلتقيان على تشخيص واحد تقريباً، وهو أن السوق وحده لا يكفي لضبط تكنولوجيا بهذا الحجم من التأثير.

لكن الخلاف يظهر فور الوصول إلى الصين

على الرغم من وحدة الموقف تجاه ضرورة التنظيم، فإن الرؤيتين تباعدتا بوضوح عند الحديث عن الصين. ساندرز سبق أن دعا في بيان رسمي صدر في 11 مايو/أيار 2026 إلى أن تنخرط واشنطن وبكين في محادثات مباشرة بشأن أخطار الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن التهديدات المرتبطة بهذه التكنولوجيا عابرة للحدود ولا يمكن احتواؤها من دون تفاهمات بين القوتين الأكبر في هذا المجال.

في ذلك البيان، شبّه ساندرز الحاجة إلى التفاهم الأمريكي الصيني بالحاجة التاريخية إلى اتفاقات الحد من التسلح في زمن الحرب الباردة، ودعا إلى وضع «خطوط حمراء» تقنية وتبادل معلومات بين كبار العلماء، بل وإحراز تقدم نحو معاهدة تمنع تطوير أنظمة فائقة الذكاء تتجاوز السيطرة البشرية.

في المقابل، جاء طرح بانون من زاوية أكثر تصادمية مع بكين، وهو ما يعكس المزاج السائد لدى قطاعات واسعة من اليمين الأمريكي التي ترى أن أي تباطؤ في سباق الذكاء الاصطناعي قد يمنح الصين أفضلية استراتيجية. لذلك، بدا أن التوافق بين الرجلين ينتهي عند حدود المطالبة بالتنظيم الداخلي، بينما ينهار عند سؤال: هل يكون التنظيم مدخلاً لتفاهم دولي، أم أداة لتأمين التفوق الأمريكي في مواجهة الصين؟

انقسام أوسع داخل واشنطن

هذا الخلاف لا يقتصر على ساندرز وبانون وحدهما، بل يعكس انقساماً أكبر في مؤسسات الحكم الأمريكية. ففي اليوم نفسه تقريباً، رفض رئيس مجلس النواب مايك جونسون فكرة فرض وقف مؤقت على تطوير الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن مثل هذه الخطوة قد تضعف القدرة التنافسية للولايات المتحدة أمام الصين. كما ذهبت تقارير صحفية أمريكية إلى أن قيادة الجمهوريين في الكونغرس لا تبدو مستعدة لاحتضان تشريعات توقف مسار التطوير السريع للتقنية.

وفي الخلفية، تتزايد الضغوط الشعبية. تقارير استندت إلى استطلاع لـ Reuters/Ipsos نُشر في يونيو/حزيران 2026 أشارت إلى أن 77% من الأمريكيين يخشون أن تؤدي مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى رفع كلفة الكهرباء. كما أظهرت بيانات منشورة من Ipsos أن نسبة كبيرة من الأمريكيين تبدي قلقاً من التوسع في بناء هذه المراكز، سواء بسبب استهلاك الطاقة أو أثرها البيئي والمحلي.

لماذا يهم هذا الملف القارئ في مصر والمنطقة؟

قد يبدو السجال أمريكياً خالصاً، لكنه يحمل دلالات مباشرة للمنطقة العربية، ومنها مصر. فالولايات المتحدة والصين ليستا فقط قوتين متنافستين في التكنولوجيا، بل هما أيضاً مصدران رئيسيان للمنصات والبنية التحتية والاستثمارات التي ستؤثر في أسواق العمل والإعلام والتعليم والخدمات الحكومية حول العالم.

وبالنسبة لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن أي تحول في قواعد تطوير الذكاء الاصطناعي داخل واشنطن قد ينعكس على أسعار الخدمات السحابية، ومعايير السلامة الرقمية، وتدفق الاستثمارات في مراكز البيانات، وحتى على شكل المنافسة بين الشركات الأمريكية والصينية في أسواق المنطقة. لذلك، فإن الجدل الدائر حالياً في الكونغرس الأمريكي ليس بعيداً عن النقاشات العربية المتعلقة بالتحول الرقمي، والسيادة على البيانات، وحماية الوظائف من الأتمتة.

هل نشهد بداية اصطفاف سياسي جديد؟

المشهد الذي جمع ساندرز وبانون لا يعني نشوء تحالف سياسي دائم بين اليسار الأمريكي واليمين الشعبوي، لكنه يكشف أن الذكاء الاصطناعي بات قضية قادرة على كسر الاصطفافات التقليدية. فبينما ينطلق ساندرز من همّ العدالة الاجتماعية وكبح نفوذ الشركات الكبرى، ينطلق بانون من خطاب قومي محافظ يخشى التفكك الاجتماعي وفقدان السيطرة الوطنية على التكنولوجيا. النتيجة في الحالتين واحدة: مطالبة الدولة بالتدخل.

لكن الطريق إلى تشريع فعلي ما زال معقداً. فالإدارة الأمريكية الحالية وقيادات بارزة في الكونغرس تخشى أن يؤدي أي تباطؤ تشريعي أو تنظيمي إلى منح الصين مساحة أكبر في سباق التقنية. ولهذا، تبدو واشنطن عالقة بين معسكر يدعو إلى الكبح الفوري، وآخر يفضل التسريع ثم معالجة المخاطر لاحقاً.

خلاصة المشهد

  • الاتفاق: ساندرز وبانون يريدان قيوداً أشد على الذكاء الاصطناعي ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى.
  • الخلاف: ساندرز يميل إلى تنسيق أمريكي-صيني للحد من المخاطر، بينما يرفض بانون المقاربة التوافقية مع بكين.
  • العقبة السياسية: قيادات جمهورية بارزة، بينها مايك جونسون، تعارض وقف التطوير خوفاً من خسارة السباق مع الصين.
  • الأثر الأوسع: النقاش الأمريكي مرشح للتأثير في أسواق التقنية والطاقة والبيانات عالمياً، بما في ذلك المنطقة العربية.

وبينما تتسع المخاوف من الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، فإن ما جرى في واشنطن هذا الأسبوع يؤكد أن المعركة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت سياسية واستراتيجية بامتياز: من يضع القواعد، ومن يتحكم في المستقبل، ومن يحدد العلاقة بين الإنسان والآلة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.