ساندرز يحذر: الذكاء الاصطناعي قد يفوق النووي خطورة
تحذير أمريكي جديد يضع الذكاء الاصطناعي في خانة التهديدات الكبرى
عاد ملف مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى واجهة النقاش الدولي بعد تصريحات لافتة أطلقها السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، قال فيها إن الخطر المحتمل لهذه التكنولوجيا قد يكون «على الأرجح أكبر» من الخطر الذي تمثله الأسلحة النووية. وجاءت تصريحات ساندرز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت، في مقابلة نشرتها CBS News يوم 15 سبتمبر 2026، قبل كلمة كان يستعد لإلقائها في مؤتمر معني بالذكاء الاصطناعي، حيث دعا إلى وضع قواعد دولية مُلزمة تضبط مسار تطوير هذه التقنية.
أهمية التصريح لا ترتبط فقط بصاحبه، بل بالسياق الدولي الأوسع: فالنقاش لم يعد يدور حول استخدامات الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والتعليم والصحة فقط، بل امتد إلى أسئلة أكثر حساسية تتعلق بالأمن العالمي، والردع، واتخاذ القرار العسكري، وحدود السيطرة البشرية على الأنظمة الذكية.
ماذا قال ساندرز؟
بحسب ما نشرته CBS News، اعتبر بيرني ساندرز أن المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والتهديد النووي لم تعد مبالغة سياسية، بل تعكس تصاعد القلق من أنظمة قد تتطور بسرعة تفوق قدرة الحكومات على التنظيم والمحاسبة. كما شدد على ضرورة ألا يُترك هذا المجال لسباق مفتوح بين الشركات والدول من دون إطار قانوني دولي واضح.
ساندرز، المعروف بمواقفه التقدمية وانتقاداته المتكررة لهيمنة الشركات الكبرى، يطرح هنا زاوية مختلفة عن النقاش الأمريكي المعتاد حول التكنولوجيا: فالمشكلة في رأيه لا تقتصر على سوق العمل أو انتهاك الخصوصية، بل قد تمتد إلى تهديدات وجودية إذا جرى تطوير أدوات عالية الخطورة من دون ضوابط فعالة أو رقابة عابرة للحدود.
لماذا تُقارن مخاطر الذكاء الاصطناعي بالأسلحة النووية؟
المقارنة بين المجالين ليست جديدة، لكنها اكتسبت زخماً أكبر خلال العامين الأخيرين. ففي 21 مارس 2024 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أول قرار مستقل بشأن الذكاء الاصطناعي، داعية إلى تطوير أنظمة آمنة وموثوقة وجديرة بالثقة بما يخدم التنمية ويحترم حقوق الإنسان. وبعد ذلك واصل النقاش الأممي التوسع من زاوية الأمن والاستقرار الدوليين.
وفي 1 ديسمبر 2025 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 80/23 بشأن المخاطر المحتملة لإدماج الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة والتحكم والاتصالات الخاصة بالأسلحة النووية. هذا التطور مهم لأنه يعكس انتقال القلق من المستوى النظري إلى مستوى مؤسسي داخل الأمم المتحدة، مع تركيز خاص على احتمال تقليص السيطرة البشرية في أكثر الملفات العسكرية حساسية.
كما أن تقرير الهيئة الاستشارية رفيعة المستوى المعنية بالذكاء الاصطناعي التابعة للأمم المتحدة، الصادر في سبتمبر 2024 بعنوان «حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية»، أوصى ببناء آليات دولية للتعاون والرقابة وتبادل المعايير، بما في ذلك إنشاء منصات حوار عالمي حول الحوكمة. ورغم أن التقرير لا يساوي حرفياً بين الذكاء الاصطناعي والسلاح النووي، فإنه يتعامل مع التكنولوجيا بوصفها قضية عابرة للحدود لا يمكن لدولة واحدة تنظيمها بمفردها.
من واشنطن إلى الأمم المتحدة: القلق يتسع
اللافت أن تصريحات ساندرز تأتي في وقت تتزايد فيه التحذيرات داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد أشارت تقارير أمريكية حديثة إلى تحركات داخل مجلس الشيوخ لعقد جلسات إحاطة متخصصة بشأن «الأخطار الاستثنائية» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وسط اهتمام من مشرعين من الحزبين بملفات تتعلق بالأمن القومي، والتضليل، والاختراقات السيبرانية، واستخدام النماذج المتقدمة في مجالات قد تتجاوز السيطرة البشرية.
وعلى المستوى الدولي، سبق أن أكدت تفاهمات أمريكية-صينية في نوفمبر 2024 على مبدأ أساسي مفاده أن البشر، وليس الذكاء الاصطناعي، يجب أن يتخذوا القرارات المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية. هذا المبدأ، رغم عموميته، يكشف أن القوى الكبرى نفسها باتت ترى ضرورة الإبقاء على «الإنسان داخل الحلقة» عند التعامل مع قرارات كارثية محتملة.
ما الذي يعنيه ذلك للقارئ في مصر والمنطقة؟
قد تبدو تصريحات ساندرز للوهلة الأولى شأناً أمريكياً داخلياً، لكنها في الحقيقة تمس العالم كله، بما في ذلك مصر والمنطقة العربية. فحين يدور النقاش حول قواعد دولية للذكاء الاصطناعي، فإن القضية لا تخص فقط الشركات العملاقة في وادي السيليكون، بل تشمل مستقبل الأمن الرقمي، وحماية البيانات، وتدفق المعلومات، واستخدامات التكنولوجيا في الإعلام والاقتصاد والدفاع.
بالنسبة إلى القارئ المصري، فإن أهمية هذا الجدل تكمن في أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها حوكمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من توازنات القوة الدولية، تماماً كما حدث سابقاً مع الطاقة النووية والفضاء والاتصالات. وكلما تأخرت القواعد الدولية، زادت الفجوة بين سرعة الابتكار وسرعة التشريع، وهي فجوة قد تدفع دولاً نامية وأسواقاً ناشئة إلى تحمّل آثار قرارات تُصنع خارجها.
هل الدعوة إلى قواعد دولية قابلة للتنفيذ؟
هذا هو السؤال الأصعب. فالأسلحة النووية تخضع، رغم كل التعقيدات، لمنظومة معاهدات ومؤسسات ورقابة تقنية متراكمة عبر عقود. أما الذكاء الاصطناعي، فهو مجال أسرع تغيّراً، وأكثر انتشاراً، وأقل كلفة نسبياً، ويمكن تطويره عبر شركات خاصة ومختبرات ودول في وقت واحد. لهذا يرى خبراء كثيرون أن استنساخ النموذج النووي بحذافيره لن يكون ممكناً، لكن بناء إطار عالمي تدريجي يظل خياراً مطروحاً.
الأمم المتحدة تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه. فإلى جانب قرار 2024 بشأن الأنظمة الآمنة والموثوقة، أُطلقت داخل المنظومة الأممية آليات حوار أوسع حول التعاون الدولي في حوكمة الذكاء الاصطناعي. كما يدفع عدد من المسؤولين والخبراء نحو إنشاء منصات علمية دولية تساعد الحكومات على فهم المخاطر ووضع معايير مشتركة للتقييم والشفافية والمساءلة.
بين التحذير السياسي والواقع التقني
من المبكر الجزم بأن الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى تهديد يفوق السلاح النووي في صورته التقليدية، لكن تصريحات ساندرز تعكس حقيقة لا يمكن تجاهلها: العالم دخل بالفعل مرحلة يتداخل فيها التقدم التكنولوجي مع الأمن العالمي على نحو غير مسبوق. وإذا كانت الأسلحة النووية قد غيّرت مفهوم الردع في القرن العشرين، فإن الذكاء الاصطناعي قد يعيد صياغة مفهوم الخطر نفسه في القرن الحادي والعشرين.
في النهاية، لا يبدو أن الجدل سيتوقف قريباً. فكل تحديث كبير في قدرات النماذج الذكية يعيد طرح السؤال ذاته: من يضع القواعد، ومن يراقب التنفيذ، ومن يتحمل المسؤولية إذا خرجت التكنولوجيا عن السيطرة؟ تصريحات بيرني ساندرز تضع هذا السؤال في صلب النقاش السياسي الدولي، وتمنحه لغة أكثر حدة ووضوحاً، في وقت يبدو فيه العالم أبعد ما يكون عن التوافق الكامل، وأقرب ما يكون إلى سباق مفتوح على النفوذ التكنولوجي.