ستارمر يدعو الناتو لإظهار التماسك وسط حرب أوكرانيا
دعوة بريطانية لتماسك الناتو في لحظة أمنية شديدة الحساسية
وجّه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر رسالة واضحة إلى قادة حلف شمال الأطلسي، دعاهم فيها إلى إظهار الوحدة والقوة في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، وفي مقدمتها استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب التوترات الأوسع التي تلقي بظلالها على الأمن الأوروبي وخطوط الملاحة والطاقة. وتأتي هذه الدعوة في سياق غربي متسارع لإعادة ترتيب أولويات الدفاع، خصوصًا بعد قمة الناتو التي استضافتها لاهاي في هولندا يومي 24 و25 يونيو 2025.
الموقف البريطاني لم يأتِ في فراغ؛ فالمداولات التي سبقت القمة ورافقتها ركزت على ثلاثة محاور رئيسية: رفع الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الإنتاج الصناعي العسكري، والحفاظ على دعم طويل الأمد لأوكرانيا. ووفق ما أعلنه الحلف في ختام قمة لاهاي، تبنّى القادة إعلانًا شدد على مواصلة مساندة كييف، مع الاتفاق على هدف استثماري دفاعي جديد يبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، في خطوة تعكس حجم التحول الجاري داخل بنية الأمن الأطلسي.
ما الذي قصده ستارمر بالوحدة والقوة؟
المقصود من رسالة ستارمر يتجاوز الخطاب السياسي التقليدي. فبريطانيا تسعى، منذ توليه رئاسة الحكومة، إلى تثبيت صورة مفادها أن تماسك الحلف لم يعد مسألة رمزية، بل ضرورة عملية في ظل حرب استنزاف طويلة في أوكرانيا، وضغوط متزايدة على الاقتصادات الأوروبية، وتبدل أولويات الأمن عبر الأطلسي. كما أن لندن تدفع باتجاه أن تكون القرارات الخاصة بالردع الجماعي مدعومة بتمويل فعلي، وليس فقط بتعهدات عامة.
وقبل قمة لاهاي، ناقش الأمين العام للناتو مارك روته مع ستارمر في لندن، يوم 9 يونيو 2025، ملفات زيادة الاستثمار الدفاعي، وتوسيع الإنتاج العسكري، واستمرار الدعم لأوكرانيا. ثم عاد الحلف ليؤكد في ختام القمة أن الدعم لكييف سيظل جزءًا من أولوياته الأساسية، بما في ذلك احتساب المساهمات المباشرة في دفاع أوكرانيا وصناعاتها الدفاعية ضمن إنفاق الحلفاء الدفاعي.
بريطانيا ترفع سقف التزاماتها العسكرية
الدعوة إلى إظهار القوة تواكبها خطوات بريطانية داخلية. ففي 25 فبراير 2025، أعلن ستارمر أكبر زيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي البريطاني منذ الحرب الباردة، مع التزام برفعه إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي اعتبارًا من أبريل 2027. وقدمت الحكومة البريطانية هذا التحول باعتباره استجابة مباشرة لبيئة دولية أكثر اضطرابًا، تشمل الحرب في أوكرانيا وتنامي التهديدات العابرة للحدود.
كما عززت لندن دعمها العسكري المباشر لكييف. ففي 12 فبراير 2025، قادت بريطانيا اجتماع مجموعة الاتصال الخاصة بدفاع أوكرانيا في مقر الناتو، وأعلنت حزمة دعم عسكري بقيمة 150 مليون جنيه إسترليني، شملت طائرات مسيرة ودبابات وأنظمة دفاع جوي. وفي بيانات لاحقة، أوضحت الحكومة البريطانية أن إجمالي المساعدات والتحركات المرتبطة بدعم الجبهة الأوكرانية خلال 2025 شمل أيضًا مسارات تمويل وتسليح أوسع، في وقت تعتبر فيه لندن أن نتيجة الحرب ستؤثر مباشرة على أمن أوروبا بأكملها.
قمة لاهاي.. ما الذي خرج به الحلف؟
قمة الناتو في لاهاي شكلت محطة مهمة في صياغة أجندة الحلف للسنوات المقبلة. الإعلان الختامي الصادر في 25 يونيو 2025 أكد التمسك بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، واعتبر أن التهديد الروسي طويل الأمد للأمن الأوروبي الأطلسي ما زال قائمًا. كما شدد على رفع القدرات الصناعية الدفاعية، وتسريع وتيرة الإنتاج، وتوسيع الجاهزية العسكرية للحلفاء.
وخلال فعاليات القمة، شارك ستارمر في لقاء ضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعددًا من قادة الدول الأوروبية الكبرى، في إشارة إلى استمرار التنسيق السياسي والعسكري بين لندن والعواصم الأوروبية الرئيسية بشأن الحرب. وتكشف هذه الاجتماعات أن بريطانيا تحاول لعب دور وسيط دافع نحو مزيد من التماسك الأوروبي داخل الحلف، لا سيما في الملفات التي تمس الردع الشرقي وأمن الطاقة والممرات البحرية.
لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر وأفريقيا؟
رغم أن الخبر يدور في الإطار الأوروبي الأطلسي، فإن تداعياته لا تتوقف عند حدود القارة الأوروبية. بالنسبة إلى مصر ودول أفريقيا، فإن أي تصعيد أو إعادة تموضع داخل الناتو ينعكس على ملفات تمس المنطقة بشكل مباشر، مثل أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة عبر البحرين المتوسط والأحمر، فضلًا عن أولويات التمويل والمساعدات الدولية.
ومن منظور أفريقي، فإن زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي تعني أيضًا أن العواصم الغربية قد تعيد ترتيب مواردها الدبلوماسية والاقتصادية بين الشرق الأوروبي وجوارها الجنوبي. وهذا يهم دول شمال أفريقيا والساحل، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن والهجرة والطاقة ومكافحة الإرهاب. كما أن الحديث البريطاني عن حرية الملاحة، الذي برز في مناقشات الناتو الأخيرة، يكتسب أهمية خاصة لدول المنطقة المرتبطة بممرات التجارة العالمية.
رسالة سياسية تتجاوز أوكرانيا
اللافت في خطاب ستارمر أن دعوته إلى الوحدة لم تكن محصورة فقط في ساحة الحرب الأوكرانية، بل ارتبطت أيضًا بمناخ أمني إقليمي أوسع. فالحكومة البريطانية تحدثت في سياقات مرتبطة بقمة الناتو عن جهود خفض التصعيد في الشرق الأوسط، إلى جانب الاستمرار في دعم أوكرانيا. وهذا الربط يعكس قناعة غربية متزايدة بأن الأزمات الأمنية لم تعد منفصلة، وأن أي اختلال في مسرح واحد قد يضغط على التحالفات والموارد في مسارح أخرى.
بالنسبة لبريطانيا، فإن إظهار الناتو بمظهر متماسك وقادر على الردع يخدم هدفين في آن واحد:
- أولًا: توجيه رسالة ردع إلى موسكو بأن دعم أوكرانيا لن يتراجع رغم طول أمد الحرب.
- ثانيًا: طمأنة الحلفاء بأن تقاسم الأعباء الدفاعية أصبح أكثر جدية، خاصة مع الاندفاع نحو أهداف إنفاق أعلى.
هل تنجح لندن في ترجمة الخطاب إلى سياسة؟
حتى الآن، تبدو بريطانيا حريصة على إسناد خطابها بخطوات عملية: زيادة الدفاع، توسيع الدعم العسكري لأوكرانيا، والانخراط المكثف في اجتماعات الحلف. لكن نجاح هذا التوجه سيظل مرهونًا بقدرة الحلفاء على تنفيذ تعهداتهم المالية والصناعية، وبمدى استمرارية الإجماع السياسي داخل أوروبا وأمريكا الشمالية.
في المحصلة، تكشف دعوة كير ستارمر لقادة الناتو إلى إظهار الوحدة والقوة أن الغرب يدخل مرحلة جديدة عنوانها الردع طويل الأمد، لا مجرد إدارة أزمة عابرة. وبالنسبة للمتابع المصري والأفريقي، فإن هذا التحول يستحق المتابعة عن قرب، لأن أثره سيمتد من ساحات القتال في أوروبا الشرقية إلى خرائط التجارة والطاقة والأمن في محيط البحر المتوسط والقارة الأفريقية.