Akhbar Cairo

سد جوليوس نيريري: كيف تحوّل المشروع إلى نفوذ مصري ناعم؟

سد جوليوس نيريري: حين تتحول الهندسة إلى سياسة خارجية

عندما تحدث الدكتور مصطفى مدبولي عن سد ومحطة جوليوس نيريري لتوليد الكهرباء في تنزانيا، لم يكن يستعرض مشروعًا إنشائيًا ضخمًا فحسب، بل كان يسلط الضوء على نموذج مختلف لطريقة حضور مصر في القارة الأفريقية. فالمشروع، الذي نُفذ عبر تحالف مصري يضم المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، يقدم في جوهره قصة عن تصدير الخبرة، وبناء الثقة، وتحويل الكفاءة الفنية إلى رصيد سياسي ودبلوماسي طويل المدى.

المعنى الأهم هنا لا يتوقف عند كون المشروع يوفر قدرة توليد تبلغ 2115 ميجاوات، بل يمتد إلى كونه واحدًا من أكبر مشروعات البنية التحتية التي تحمل توقيعًا مصريًا خارج الحدود في السنوات الأخيرة. وفي لحظة إقليمية تتزايد فيها المنافسة على النفوذ داخل أفريقيا، يصبح لهذا النوع من الإنجاز وزن يتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة.

ماذا نعرف يقينًا عن المشروع؟

البيانات الرسمية المتاحة من وزارة الطاقة التنزانية وشركة الكهرباء التنزانية TANESCO تؤكد أن مشروع جوليوس نيريري يقع على نهر روفيجي في تنزانيا، وأن عقد التنفيذ أُبرم في 12 ديسمبر 2018، بينما بدأت الأعمال الإنشائية الفعلية في 14 يونيو 2019. كما تؤكد المصادر نفسها أن المشروع اكتمل في مايو 2025، وأن جميع الوحدات التسع دخلت إطار الجاهزية بقدرة إجمالية تبلغ 2115 ميجاوات، بواقع 9 توربينات فرنسيس رأسية قدرة كل منها 235 ميجاوات.

ومن حيث التكوين الهندسي، يضم المشروع سدًا رئيسيًا بطول يقارب 1025 مترًا وارتفاعًا يبلغ نحو 131 مترًا، إضافة إلى سدود فرعية، ومحطة محولات بجهد 400 كيلوفولت، وخطوط ربط كهربائي، وخزان مائي تصل سعته إلى نحو 34 مليار متر مكعب. هذه الأرقام تفسر لماذا يُنظر إلى المشروع داخل تنزانيا باعتباره ركيزة لإعادة تشكيل خريطة الطاقة الوطنية، وليس مجرد محطة جديدة على الشبكة.

من رقم 2115 ميجاوات إلى معنى أوسع

في الخطاب السياسي المصري، يجري تقديم المشروع باعتباره تعبيرًا عن القوة الناعمة المصرية. وهذه ليست مبالغة دعائية بالكامل. فالقوة الناعمة لا تعني فقط الثقافة والإعلام، بل تشمل أيضًا القدرة على بناء صورة موثوقة للدولة عبر التعليم والطب والهندسة وإدارة المشروعات. وحين تنجح شركات مصرية في تنفيذ مشروع بهذا الحجم لصالح دولة أفريقية كبرى مثل تنزانيا، فإن الرسالة تصبح واضحة: القاهرة لا تعرض خطابًا تضامنيًا فحسب، بل تقدم قدرة تنفيذ حقيقية على الأرض.

هنا بالذات تبرز أهمية ما أشار إليه مدبولي بشأن مشاركة نحو 1700 مهندس وفني مصري ضمن قوة عمل إجمالية وصلت في مراحل سابقة من التنفيذ إلى قرابة 12 ألف عامل. حتى لو اختلفت الأرقام المرحلية بين فترة وأخرى بحسب تقدم التنفيذ، فإن الدلالة الأساسية ثابتة: المشروع لم يكن مجرد تمويل أو توريد، بل انخراطًا بشريًا مصريًا واسعًا في إدارة واحدة من أعقد العمليات الإنشائية في شرق أفريقيا.

لماذا يهم هذا القارئ المصري؟

للقارئ في مصر، تبدو قصة سد جوليوس نيريري مهمة لثلاثة أسباب. أولًا، لأنها تعكس كيف يمكن للشركات الوطنية أن تتحول إلى أداة تأثير خارجي، خاصة حين تعمل في قطاعات حساسة مثل الكهرباء والمياه والبنية الأساسية. ثانيًا، لأنها تقدم نموذجًا مختلفًا لعلاقة مصر بأفريقيا، قائمًا على الشراكة التنموية لا على الخطاب السياسي فقط. وثالثًا، لأنها تعيد الاعتبار لفكرة أن المنافسة الإقليمية لا تُخاض فقط عبر القمم والبيانات، بل أيضًا عبر جودة ما تبنيه على الأرض.

في هذا السياق، يصبح اسم الدكتور مصطفى مدبولي مهمًا بوصفه رئيس الحكومة المصرية، لا باعتباره بطلًا فرديًا للقصة. ولم أتمكن من التحقق من حساب إنستغرام رسمي وموثق له بشكل يلبّي شرط الدقة، لذا يرد اسمه هنا دون أي إشارة لحساب غير مؤكَّد. الأهم من الشخص نفسه هو أن الحكومة المصرية تتعامل مع المشروع باعتباره واجهة لقدرة مؤسسات الدولة وشركاتها على العمل الخارجي المنظم.

قراءة سياسية: مصر تكسب بالنموذج لا بالشعار

ما يمنح المشروع ثقله التحليلي هو أنه يقدم لمصر ما يمكن وصفه بـالنفوذ عبر الإنجاز. فبدلًا من الرهان على الشعارات العامة عن التعاون الأفريقي، هناك مشروع مكتمل، بطاقة إنتاجية هائلة، وفيه شركات مصرية معروفة، ونتائج قابلة للقياس. هذا النمط من الحضور أكثر إقناعًا للشركاء الأفارقة من أي خطاب نظري، لأنه يربط اسم مصر بنتيجة ملموسة تمس حياة المواطنين، من الصناعة إلى الإمدادات الكهربائية إلى فرص النمو.

واللافت أن المشروع نُفذ لصالح دولة تضع الكهرباء في قلب استراتيجيتها التنموية. فبحسب TANESCO، يعد مشروع جوليوس نيريري أحد أهم أصول التوليد الكهرومائي في البلاد، كما أن وزارة الطاقة التنزانية تشير إلى اكتمال جميع الوحدات التسع. معنى ذلك أن القاهرة دخلت إلى ملف حيوي بالنسبة لدار السلام من باب المساهمة في الحل، لا من باب السجال السياسي.

بين الاقتصاد والدبلوماسية

من السهل النظر إلى المشروع بوصفه صفقة كبرى فقط، لكن هذا تبسيط مخل. فالمكاسب المصرية هنا متعددة المستويات:

  • اقتصاديًا: يثبت المشروع قدرة الشركات المصرية على المنافسة في السوق الأفريقية في مشروعات عملاقة وعالية التعقيد.
  • فنيًا: يعزز الثقة في الخبرة المصرية في السدود والطاقة الكهرومائية وشبكات النقل الكهربائي.
  • دبلوماسيًا: يمنح القاهرة رصيدًا معنويًا لدى دولة محورية في شرق أفريقيا.
  • استراتيجيًا: يدعم حضور مصر في ملفات التنمية الإقليمية عبر أدوات عملية وليست رمزية فقط.

من هذه الزاوية، يمكن فهم سبب الاحتفاء الرسمي بالمشروع داخل مصر، وسبب وصفه بأنه نموذج للقوة الناعمة. فالدول لا تقاس فقط بما تقوله عن نفسها، بل أيضًا بما تستطيع إنجازه للآخرين.

هل تكفي قصة نجاح واحدة؟

بالطبع لا. فالتحدي الحقيقي أمام مصر ليس في الاحتفال بمشروع ناجح، بل في تحويله إلى سلسلة مشروعات تكرّس صورة مستدامة للخبرة المصرية في أفريقيا. إذا بقي جوليوس نيريري حالة استثنائية، فسيظل إنجازًا مهمًا لكنه محدود الأثر. أما إذا أصبح نموذجًا يُبنى عليه في مجالات الطاقة، والطرق، والمياه، والإسكان، فحينها فقط يمكن القول إن القاهرة أعادت صياغة حضورها الأفريقي على أسس أكثر صلابة.

وهنا تبرز مسؤولية الشركات والوزارات ومؤسسات التمويل معًا: كيف تُستثمر هذه السابقة في فتح أسواق جديدة؟ وكيف تُترجم السمعة التي صنعها المشروع إلى عقود لاحقة؟ وكيف يُبنى خطاب إعلامي مصري يخاطب أفريقيا بلغة الشراكة والنتائج؟ هذه الأسئلة أهم من الاكتفاء بسرد الأرقام.

الخلاصة

سد ومحطة جوليوس نيريري ليسا مجرد منشأة لتوليد الكهرباء في تنزانيا، بل اختبار ناجح لفكرة أن الخبرة المصرية يمكن أن تصبح أداة نفوذ إقليمي. الأرقام كبيرة: 2115 ميجاوات، تسع وحدات توليد، عقد بدأ في ديسمبر 2018، وأعمال اكتملت في مايو 2025. لكن القيمة السياسية أكبر: مشروع بهذا الحجم يجعل اسم مصر حاضرًا في واحدة من أهم قصص التنمية في شرق أفريقيا.

وفي عالم يزداد تنافسًا على القارة الأفريقية، قد يكون الدرس الأوضح من هذه التجربة أن النفوذ الأكثر رسوخًا ليس ما يُقال في المؤتمرات، بل ما يبقى قائمًا بعد انتهاء الخطب: سد، محطة، كهرباء، وشراكة يصعب إنكارها.