Akhbar Cairo

«سرية الأبقار».. كيف توظف إسرائيل الرعي لفرض أمر واقع بجنوب سوريا؟

من قطيع ماشية إلى أداة نفوذ ميداني

في الظاهر، تبدو القصة أقرب إلى نشاط رعوي عادي على تخوم الجولان. لكن في الجوهر، تكشف التقارير الإسرائيلية الأخيرة عن نموذج مختلف تمامًا: استخدام الأبقار والمزارعين المدنيين كوسيلة لتثبيت وجود دائم على أرض متنازع عليها في جنوب سوريا. صحيفة يديعوت أحرونوت، كما نقلت عنها وسائل إعلام عربية وإسرائيلية، تحدثت عن مشروع حمل اسم «سرية الأبقار»، يعتمد على إدخال نحو 140 رأسًا من الماشية إلى أراضٍ سورية، بما يحول الرعي من نشاط اقتصادي إلى أداة سيطرة ميدانية.

اللافت هنا أن الفكرة لا تقوم على الانتشار العسكري المباشر وحده، بل على ما يمكن وصفه بـ«التموضع المدني المحروس»: وجود زراعي مستمر يغيّر طبيعة المكان، ويُنتج حقائق يومية جديدة على الأرض، ثم يُعاد تقديمه لاحقًا باعتباره واقعًا طبيعيًا أو ضرورة أمنية.

ما الذي نعرفه عن المشروع؟

بحسب ما أوردته الجزيرة نقلًا عن تقرير إسرائيلي كُشف مطلع يوليو 2026، فإن المشروع أُدير بمشاركة ضابط احتياط إسرائيلي يُدعى زيلبرمان، جرى تكليفه بإدخال القطيع وتجهيز البنية الأساسية اللازمة، مع إدراك مسبق للمخاطر الأمنية المحيطة بالموقع. وتقول الرواية المنقولة إن بقاء القطيع بشكل متواصل في المكان كان يُنظر إليه داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باعتباره ميزة مهمة، لأنه يخلق حضورًا دائمًا بخلاف الوحدات العسكرية التي تتحرك وتبدّل مواقعها. كما أُشير إلى أن المشروع ارتبط لاحقًا باسم «علوت هاشاحار» نسبة إلى ضابط إسرائيلي قُتل مؤخرًا في لبنان.

التفصيلة الأهم ليست عدد الأبقار في حد ذاته، بل ما نتج عنها: الرعاة السوريون، وفق الرواية ذاتها، باتوا ينسحبون من المنطقة خشية الاحتكاك أو فقدان ماشيتهم، ما يجعل الأرض عمليًا أقل حيادًا وأكثر ارتباطًا بوجود إسرائيلي مستمر. وهنا يتحول الرعي إلى وسيلة إزاحة صامتة للسكان أو للفاعلين التقليديين في المجال الحدودي.

السياق الأوسع: جنوب سوريا بعد 7 أكتوبر

هذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي شهدتها الجبهة السورية منذ حرب غزة في 7 أكتوبر 2023. فالتقارير الإعلامية الإسرائيلية والعربية تحدثت خلال 2025 و2026 عن توسع في البنية العسكرية والهندسية الإسرائيلية على خط الجولان، بما في ذلك تحصينات وأعمال ميدانية داخل نطاق التماس، مع خطاب سياسي يربط ذلك بالردع ومنع تسلل ما تصفه تل أبيب بـ«العناصر المعادية».

كما أن وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي يسرائيل كاتس يتولى موقعه رسميًا وفق بيانات وزارة الدفاع الإسرائيلية، وهو من أكثر المسؤولين الإسرائيليين حديثًا في الشهور الماضية عن استمرار الوجود الإسرائيلي في الساحة السورية تحت عنوان الأمن الحدودي.

بالنسبة للقارئ المصري، المهم هنا أن ما يجري في الجنوب السوري لا يقتصر على مناوشات حدودية عابرة، بل يمس فكرة إعادة تعريف السيطرة نفسها: إسرائيل لا تعتمد فقط على الحاجز والسلاح، بل أيضًا على الزراعة والبنية المدنية والاقتصاد المحلي، وهي أدوات أقل صخبًا وأكثر رسوخًا على المدى البعيد.

ماذا تقول الشرعية الدولية؟

الجولان يبقى، وفق الأمم المتحدة، أرضًا سورية محتلة، وتواصل قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك UNDOF الإشراف على اتفاق فض الاشتباك الموقّع بين سوريا وإسرائيل في 31 مايو 1974. وتوضح الأمم المتحدة أن مهمة القوة تشمل مراقبة منطقة الفصل والإشراف على وقف إطلاق النار وخطوط الحد من القوات والتسليح بين الجانبين.

وتشير بيانات الأندوف إلى أن منطقة الفصل تمتد لأكثر من 75 كيلومترًا، ويتراوح عرضها من نحو 10 كيلومترات في الوسط إلى 200 متر فقط في أقصى الجنوب، ما يوضح حساسية أي تحرك مدني أو عسكري داخل هذه الرقعة.

وفوق ذلك، فإن قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981 اعتبر ضم إسرائيل للجولان لاغيًا وباطلًا ومنعدم الأثر القانوني الدولي. لذلك، فإن أي محاولة لخلق وقائع دائمة في الأرض المحتلة، سواء عبر الاستيطان أو الرعي المنظم أو التحصينات، تُقرأ دوليًا في إطار تكريس الاحتلال لا في إطار إدارة حدود طبيعية.

لماذا الأبقار تحديدًا؟

1) الحضور الدائم بأقل تكلفة سياسية

الدور الذي تؤديه الأبقار هنا يتجاوز الرمز. فالقطيع يحتاج إلى مرافقين، ومسارات حركة، ومصادر مياه، وحماية، ونقاط إسناد لوجستي. أي أنه يخلق تلقائيًا منظومة وجود يصعب فصلها عن الهدف الأمني والسياسي. وفي المقابل، يمكن تسويق هذا الوجود خارجيًا بوصفه نشاطًا مدنيًا لا عملية عسكرية صريحة.

2) تغيير استخدام الأرض

حين تتحول مساحة ما إلى مرعى تحت حماية طرف واحد، فإن ذلك يغيّر أنماط الوصول إليها. الرعاة الآخرون يتراجعون، والخرائط غير الرسمية تُعاد صياغتها على الأرض قبل أن تُرسم على الورق. هذه إحدى أكثر أدوات السيطرة فاعلية في النزاعات الحدودية: تغيير الاستخدام اليومي للأرض بدل إعلان ضم جديد.

3) اختبار حدود رد الفعل

المشروعات من هذا النوع تمثل أيضًا اختبارًا لردود الفعل السورية، والأممية، والدولية. فإذا مرّ الوجود الجديد من دون كلفة سياسية أو ميدانية مرتفعة، يصبح قابلًا للتكرار والتوسيع، وربما للاقتداء به في نقاط أخرى.

بين الأمن والاستيطان المقنّع

إسرائيل تبرر غالبية تحركاتها في الجولان وجنوب سوريا باعتبارات أمنية، خصوصًا بعد تصاعد التوتر الإقليمي. لكن الخط الفاصل بين الأمن وفرض الأمر الواقع يزداد ضبابية عندما يصبح المدنيون، والقطعان، والمشروعات الزراعية جزءًا من بنية السيطرة. هنا لا نتحدث عن دورية عسكرية عابرة، بل عن وجود مستمر يعيد تشكيل المجال.

ومن منظور تحليلي، فإن مشروع «سرية الأبقار» يبدو امتدادًا لفكرة قديمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي: تحويل الأدوات المدنية إلى رافعة جيوسياسية. الجديد فقط أن التطبيق هذه المرة يجري في بيئة سورية منهكة، وعلى حدود شديدة الهشاشة، وفي لحظة إقليمية تسمح بمرور كثير من الوقائع تحت لافتة «الضرورات الأمنية».

الزاوية المصرية: لماذا يهم هذا التطور؟

في مصر، تُقرأ تطورات الجولان وجنوب سوريا عادة في إطار أوسع يتعلق بأمن الإقليم، واحترام القانون الدولي، ورفض تكريس الاحتلال بالقوة. ومع كل تحرك إسرائيلي من هذا النوع، يتجدد السؤال: هل نحن أمام إجراءات مؤقتة مرتبطة بظروف الحرب، أم أمام هندسة طويلة الأمد لمجال حدودي جديد؟

الإجابة الأولية تميل إلى الاحتمال الثاني، لأن المشروع لا يعتمد على الاشتباك السريع بل على الاستمرارية، ولا يراهن فقط على الجيش بل على الحياة اليومية نفسها. وهذه بالضبط أخطر أشكال فرض الأمر الواقع: أن يتحول الاحتلال من حدث عسكري إلى مشهد اعتيادي.

خلاصة

قصة «سرية الأبقار» ليست تفصيلًا طريفًا في نشرات الأخبار، بل مثال مكثف على كيفية توظيف أدوات مدنية بسيطة لإنتاج مكاسب استراتيجية كبيرة. فحين تدخل 140 بقرة إلى أرض حساسة في جنوب سوريا تحت غطاء أمني وسياسي، لا يصبح السؤال عن الرعي، بل عن من يملك حق تعريف المكان. وفي هذا المعنى، فإن الأبقار ليست بطلة الحكاية فعلًا؛ البطلة هي سياسة إسرائيلية أوسع تسعى إلى تثبيت سيطرة هادئة، متدرجة، وقابلة للدوام في الجولان ومحيطه السوري.

  • تاريخ اتفاق فض الاشتباك: 31 مايو 1974.
  • مهمة الأندوف: مراقبة وقف إطلاق النار ومنطقة الفصل بين سوريا وإسرائيل.
  • الوضع القانوني للجولان: الضم الإسرائيلي مرفوض دوليًا بموجب القرار 497 لعام 1981.
  • تفصيلة المشروع: نحو 140 رأسًا من الماشية ضمن مشروع كُشف عنه في يوليو 2026.