Akhbar Cairo

سموتريتش يعيد طرح احتلال غزة: ماذا تعني دعوته الآن؟

تصعيد يتجاوز اللغة الدعائية

أعاد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش طرح واحد من أكثر السيناريوهات تطرفا في ملف غزة، حين دعا إلى احتلال كامل للقطاع وفرض سيطرة إسرائيلية مباشرة عليه، مع ربط ذلك بهدف معلن هو تدمير حركة حماس ومنعها من إعادة بناء قدراتها. هذه المواقف ليست جديدة تماما في خطابه، لكنها تكتسب وزنا أكبر كلما طُرحت في لحظة حساسة سياسيا وميدانيا، لأنها تكشف ما يدور داخل معسكر اليمين الإسرائيلي بشأن “اليوم التالي” للحرب، لا سيما فكرة تحويل الحرب من عملية عسكرية إلى مشروع إعادة تشكيل دائم للقطاع.

جوهر تصريحات سموتريتش يقوم على ثلاث ركائز مترابطة: بقاء الوجود العسكري الإسرائيلي، ملاحقة حماس حتى بعد أي تهدئة، وفتح الباب مجددا أمام فكرة الاستيطان داخل غزة. وهذا الترتيب مهم، لأنه يعني أن القضية لم تعد مقتصرة على الرد العسكري، بل تمتد إلى تصور سياسي وأيديولوجي يعتبر القطاع ساحة لإعادة فرض الوقائع بالقوة.

من هو صاحب الطرح ولماذا يهم؟

سموتريتش ليس مجرد وزير يتحدث من خارج دوائر القرار. فهو أحد أبرز وجوه اليمين الديني القومي في حكومة بنيامين نتنياهو، وزعيم حزب “الصهيونية الدينية”، كما أنه شريك ثابت في الدفع نحو سياسات أكثر تشددا تجاه الفلسطينيين. لذلك، فإن أي حديث يصدر عنه عن غزة يُقرأ عادة باعتباره مؤشرا على اتجاهات ضغط داخل الائتلاف الحاكم، حتى لو لم يتحول فورا إلى قرار حكومي نافذ.

ومن زاوية تحليلية، فإن تكرار سموتريتش لمطلب “السيطرة الكاملة” يكشف أن جزءا من اليمين الإسرائيلي يرى أن الحرب لم تعد فقط لإضعاف حماس، بل لخلق واقع أمني وسياسي جديد يُبقي غزة تحت الهيمنة الإسرائيلية المباشرة أو شبه المباشرة. هذا التصور يفسر أيضا عودته المستمرة إلى فكرة الاستيطان، رغم أن الانسحاب الإسرائيلي من مستوطنات القطاع جرى عام 2005.

ماذا تقول الوقائع على الأرض؟

الحديث عن “سيطرة كاملة” يأتي بينما لا تزال غزة تعيش كارثة إنسانية عميقة. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ذكر في تقريره الصادر في 26 يونيو/حزيران 2026 أن معظم سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، ما زالوا نازحين ويعانون نقصا حادا في الخدمات الأساسية وظروف المعيشة. هذا الرقم وحده يكشف أن أي طرح لتوسيع السيطرة العسكرية أو تثبيت وجود طويل الأمد لا ينفصل عن كلفة إنسانية هائلة يدفعها المدنيون.

سياسيا، تبدو تصريحات سموتريتش جزءا من مناخ إسرائيلي أوسع يميل إلى رفع السقف. فقد ظهرت خلال الشهور الماضية مواقف إسرائيلية متكررة تتحدث عن احتلال القطاع أو السيطرة على مساحات واسعة منه أو تشديد الحصار عليه، بما يحول “المرحلة التالية” من الحرب إلى معركة على شكل الحكم وحدود السيادة، لا مجرد مواجهة مع فصيل مسلح.

الاستيطان مجددا: لماذا تمثل الفكرة نقطة الانفجار الأكبر؟

أخطر ما في طرح سموتريتش ليس فقط الدعوة إلى مواصلة الحرب على حماس، بل إعادة إدخال الاستيطان في غزة إلى النقاش السياسي الإسرائيلي بصورة علنية. هنا يصبح التصعيد أبعد من مسألة أمنية، لأنه يمس مباشرة قواعد القانون الدولي والتصورات الدولية لتسوية الصراع.

محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، أعادت التأكيد على أن السياسات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تخالف القانون الدولي، كما رأت أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني. كذلك أوضحت المحكمة أن نقل سكان الدولة القائمة بالاحتلال إلى الأراضي المحتلة يخالف اتفاقية جنيف الرابعة. وعلى هذا الأساس، فإن أي حديث عن إعادة مستوطنات إسرائيلية إلى غزة سيُفهم دوليا باعتباره انتقالا من الحرب إلى تكريس الضم والاحتلال.

الأمم المتحدة كانت قد حذرت أيضا من أن التوسع الاستيطاني يهدد حل الدولتين ويغير الحقائق على الأرض بصورة منهجية. لذلك، فإن خطاب سموتريتش لا يثير فقط الرفض الفلسطيني والعربي، بل يصطدم كذلك بإجماع قانوني ودبلوماسي واسع يعتبر الاستيطان غير مشروع.

كيف تنظر مصر إلى هذه الرسائل؟

بالنسبة إلى القاهرة، فإن أي حديث إسرائيلي عن احتلال كامل لغزة أو فتح مسارات تؤدي إلى تهجير السكان أو تغيير البنية الديموغرافية للقطاع يمس مباشرة ملف الأمن القومي المصري. الموقف المصري الرسمي كان واضحا في رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم ورفض أي ترتيبات تدفعهم قسرا خارج القطاع، بما في ذلك نحو الحدود المصرية. وزارة الخارجية المصرية جدّدت في بيانات رسمية خلال أغسطس/آب 2026 رفضها القاطع لتهجير الفلسطينيين، كما أدانت في 8 أغسطس/آب 2026 قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي احتلال قطاع غزة بالكامل.

هذا الرفض المصري ليس مجرد موقف تضامني، بل يرتبط بحسابات استراتيجية واضحة: منع تصفية القضية الفلسطينية على حساب الجوار، ورفض تحويل غزة إلى عبء جغرافي وسياسي على سيناء، والحفاظ على الإطار السياسي الذي يقوم على بقاء الفلسطينيين على أرضهم لا دفعهم إلى الخروج منها. كما أن البيان المشترك الذي نشرته الخارجية المصرية أظهر تمسكا جماعيا عربيا وإسلاميا برفض أي مسار يستخدم معبر رفح أو الظروف الإنسانية القاسية كأداة لإخراج السكان من القطاع.

هل هي سياسة دولة أم مناورة داخلية؟

السؤال الأهم في قراءة تصريحات سموتريتش هو: هل تعبّر عن قرار إسرائيلي محسوم، أم عن محاولة ضغط ومزايدة داخلية؟ واقع المشهد الإسرائيلي يشير إلى أن الأمر قد يكون الاثنين معا بدرجات متفاوتة. فمن جهة، يستخدم سموتريتش هذا النوع من الخطاب لتعزيز موقعه داخل اليمين ومخاطبة قاعدته الأيديولوجية. ومن جهة أخرى، فإن تكرار هذه الطروحات من شخصيات نافذة يجعلها جزءا من “نافذة الممكن” داخل النقاش الحكومي، حتى لو بدت صادمة خارجيا.

ومن هنا، فإن خطورة التصريحات لا تتوقف عند ما إذا كانت ستُنفذ غدا أو بعد أشهر، بل في كونها تُهيئ الرأي العام الإسرائيلي لبدائل أكثر تطرفا: بقاء عسكري مفتوح، إدارة أمنية طويلة الأمد، تضييق أكبر على السكان، أو حتى إعادة إنتاج مشروع استيطاني كان يُعتقد أنه خرج من غزة قبل عقدين.

خلاصة المشهد

دعوة سموتريتش إلى السيطرة الكاملة على غزة وتدمير حماس ليست مجرد جملة عابرة في سجال سياسي، بل مرآة لاتجاه داخل اليمين الإسرائيلي يرى أن الحرب فرصة لإعادة رسم مستقبل القطاع بالقوة. المشكلة أن هذا التصور يصطدم في الوقت نفسه بالكارثة الإنسانية القائمة، وبالرفض المصري والعربي، وبمحددات القانون الدولي، وبالخوف الإقليمي من أن يتحول “اليوم التالي” إلى نسخة أكثر خطورة من الصراع نفسه.

بالنسبة إلى القارئ المصري، تبقى الرسالة الأوضح أن ما يجري في غزة لم يعد شأنا فلسطينيا داخليا أو إسرائيليا خالصا؛ إنه اختبار مباشر لمعادلات الأمن الإقليمي، ولمستقبل القضية الفلسطينية، ولمدى قدرة المجتمع الدولي على وقف انتقال الخطاب المتطرف إلى سياسة مفروضة على الأرض. وفي هذه النقطة تحديدا، تبدو تصريحات سموتريتش أخطر مما توحي به كلماتها الأولى.