سمير البيومي: أمن السعودية والبحر الأحمر يمس الأمن القومي المصري
تصريح برلماني يعكس ثابتًا أوسع في السياسة المصرية
جاء تأييد النائب سمير البيومي، عضو مجلس النواب، لمنح رئيس الجمهورية صلاحية التحرك بما يحفظ أمن المملكة العربية السعودية واستقرارها، في سياق سياسي وإقليمي لا يمكن قراءته باعتباره مجرد موقف تضامني عابر. فالبيومي، وهو نائب عن الدائرة الرابعة بمحافظة القليوبية وفق بيانات الموقع الرسمي لمجلس النواب، أعاد التأكيد على فكرة تتكرر في الخطاب المصري الرسمي منذ سنوات، وهي أن أمن السعودية والخليج والبحر الأحمر يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري.
هذه المقاربة ليست جديدة في القاهرة، لكنها تكتسب وزنًا أكبر كلما تصاعد التوتر في الإقليم أو زادت التهديدات التي تمس خطوط الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد. ومن هنا، فإن قراءة تصريح البيومي لا تقتصر على الجانب البرلماني، بل تمتد إلى فهم الكيفية التي تنظر بها الدولة المصرية إلى توازنات البحر الأحمر، وموقع السعودية داخل معادلة الأمن العربي.
لماذا يتجاوز الملف حدود التضامن السياسي؟
من المنظور المصري، لا ينفصل أمن المملكة العربية السعودية عن حسابات الأمن الإقليمي الأوسع. فالسعودية تمثل ثقلاً سياسيًا واقتصاديًا في الخليج والعالم العربي، وأي تهديد مباشر لاستقرارها ينعكس على توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك أسواق الطاقة، وحركة التجارة، والقدرة على احتواء الصراعات المحيطة.
الأهم بالنسبة لمصر هو البعد الجغرافي والاستراتيجي. فالبحر الأحمر ليس مجرد مسطح مائي مجاور، بل ممر حيوي يرتبط بقناة السويس، أحد أهم الموارد الاستراتيجية للدولة المصرية. لذلك، فإن أي اضطراب في البحر الأحمر أو عند المداخل المؤدية إليه يضع مصر أمام تداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة، سواء عبر التأثير على الملاحة أو زيادة كلفة التأمين والشحن أو الضغط على الإيرادات المرتبطة بالتجارة العابرة.
الموقف الرسمي المصري: البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة
الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) شدد في أكثر من مناسبة على أن أمن البحر الأحمر لا ينبغي فصله عن مسؤولية الدول المطلة عليه. ففي تصريحات نقلتها مؤسسات مصرية رسمية خلال عام 2026، أكد الرئيس أن حماية البحر الأحمر وحوكمته مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، مع رفض أي أدوار تُفرض من أطراف غير مطلة على هذا الممر الحيوي.
هذا المعنى ظهر أيضًا في لقاءات وتحركات رسمية متعددة. فخلال زيارة الرئيس السيسي إلى المملكة العربية السعودية في 23 فبراير 2026، عكست البيانات الرئاسية مستوى التنسيق الوثيق بين القاهرة والرياض في ملفات الإقليم. كما أكدت الرئاسة ووزارة الخارجية في مناسبات مختلفة أن العلاقات المصرية السعودية تستند إلى شراكة استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية إلى تنسيق متصل بقضايا الأمن الإقليمي، وعلى رأسها أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة فيه.
وفي بيان مشترك صادر عن لجنة المتابعة والتشاور السياسي بين مصر والسعودية، شدد الجانبان على أهمية الحفاظ على أمن وسلامة وحرية الملاحة في البحر الأحمر. وهذه النقطة بالذات مهمة لأنها تربط بين الموقف الدبلوماسي المصري والمخاوف الاقتصادية والأمنية التي تشغل القاهرة بشكل مباشر.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر؟
حين يتحدث نائب مصري عن أن تهديد أمن السعودية والبحر الأحمر يمثل تهديدًا مباشرًا لمصر، فهو يختصر ثلاث دوائر مترابطة:
- الدائرة الأمنية: أي خلل كبير في البحر الأحمر يفرض تحديات على الأمن البحري المصري، ويستدعي استعدادًا سياسيًا وعسكريًا واستخباراتيًا أعلى.
- الدائرة الاقتصادية: اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ينعكس على حركة السفن العابرة إلى قناة السويس، بما يحمله ذلك من آثار على التجارة العالمية والإيرادات المصرية.
- الدائرة العربية: القاهرة تنظر إلى استقرار الخليج باعتباره جزءًا من معادلة التوازن العربي، لا مجرد شأن ثنائي بين دولتين.
ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية في تصريح البيومي تبدو متسقة مع الأدبيات الرسمية المصرية: الدفاع عن استقرار الحلفاء العرب، خصوصًا السعودية، ليس مسألة مجاملة دبلوماسية، بل قراءة لمصالح مصر نفسها.
البرلمان والرسائل السياسية في لحظات التوتر
للتصريحات البرلمانية في هذا النوع من الملفات وظيفة سياسية واضحة. فهي لا تصنع القرار التنفيذي، لكنها تمنح صورة عن المزاج العام داخل المؤسسات الوطنية بشأن القضايا الإقليمية الكبرى. وفي الأشهر الماضية، صدرت عن مجلسي النواب والشيوخ مواقف تدين الاعتداءات التي تستهدف دول الخليج وتؤكد أن أمن الأشقاء جزء لا يتجزأ من الأمن المصري والعربي.
هذا مهم لسببين. الأول أن البرلمان يبعث برسالة وحدة داخلية في قضايا الأمن القومي، والثاني أنه يدعم الموقف التفاوضي والسياسي للدولة في الخارج، عبر إظهار أن التحرك المصري يستند إلى توافق مؤسسي لا إلى رد فعل مؤقت.
كما أن هذا النوع من الخطاب ينسجم مع موقف مصري أوسع يرفض انزلاق المنطقة إلى دوائر تصعيد مفتوح، خاصة في المساحات البحرية الحساسة المحيطة بمصر. فالقاهرة تدرك أن كلفة الفوضى في البحر الأحمر لا تتحملها دولة واحدة، بل تمتد آثارها إلى دول المنطقة والعالم.
العلاقات المصرية السعودية: من التنسيق الثنائي إلى مفهوم الأمن المشترك
اللافت أن الحديث عن أمن السعودية في الخطاب المصري لا يأتي منفصلًا عن مسار طويل من التنسيق السياسي بين البلدين. فالقاهرة والرياض تتقاطعان في ملفات متعددة، من أمن البحر الأحمر إلى استقرار المنطقة العربية، مرورًا بأزمات السودان واليمن والقرن الأفريقي.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: مصر لا تقرأ أمن السعودية فقط من زاوية الخليج، بل من زاوية اتساع المجال الاستراتيجي العربي. ولذلك يصبح البحر الأحمر حلقة وصل بين الأمن الخليجي والأمن المصري، لا خط فصل بينهما. هذه النظرة هي ما يفسر الحساسية المصرية الشديدة تجاه أي تهديد للممرات البحرية أو أي محاولات لعسكرة البحر الأحمر خارج إطار مصالح دوله المشاطئة.
قراءة ختامية: لماذا يهم هذا النقاش القارئ المصري؟
قد يبدو للقارئ العادي أن تصريحات من هذا النوع تقع في خانة السياسة الخارجية البعيدة عن همومه اليومية، لكن الواقع مختلف. فاستقرار البحر الأحمر يرتبط بأسعار الشحن، وسلاسل التوريد، وتكلفة التجارة، ومكانة قناة السويس، وبالتالي ينعكس في النهاية على الاقتصاد المصري كله. كما أن متانة العلاقات مع السعودية تظل عنصرًا مهمًا في البيئة العربية التي تتحرك فيها مصر سياسيًا واقتصاديًا.
لهذا، فإن تصريح النائب سمير البيومي لا يُقرأ باعتباره موقفًا فرديًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من خطاب أوسع يربط بين الجغرافيا والسياسة والمصلحة الوطنية. وفي لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات متعددة، تبدو الرسالة المصرية واضحة: أمن السعودية، وأمن البحر الأحمر، واستقرار المجال العربي المحيط بمصر، كلها ملفات تقع داخل تعريف القاهرة لأمنها القومي، لا على هامشه.