Akhbar Cairo

سمير صبري: البنية التحتية غيّرت نظرة الاقتصاد في مصر

قراءة جديدة لملف الطرق والكباري من بوابة الاقتصاد

أعاد الدكتور سمير صبري، عضو مجلس النواب والمقرر السابق للجنة الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي بالحوار الوطني، فتح النقاش حول أثر البنية التحتية في مصر على الاقتصاد، حين قال في مداخلة تلفزيونية إن الانتقادات التي كانت تختزل المشهد في عبارة «طرق وكباري» بدأت تتراجع أمام ما تكشفه النتائج على الأرض. الفكرة الأساسية في حديثه لم تكن الدفاع عن الإنشاءات لذاتها، بل التأكيد أن ما أُنجز في هذا الملف أصبح جزءًا من بنية تشغيل الاقتصاد وتحسين حركة الاستثمار والإنتاج والتنقل داخل الجمهورية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتجه فيه النقاشات الاقتصادية داخل مصر إلى تقييم حصيلة السنوات الأخيرة، خاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الاستثمار العام في البنية الأساسية وبين قدرة القطاع الخاص على التوسع، وتحسن حركة التجارة الداخلية، وتقليل زمن الانتقال بين المحافظات والموانئ والمناطق الصناعية.

من هو سمير صبري؟

بحسب الموقع الرسمي لمجلس النواب المصري، فإن سمير صبري محمد أمين يشغل عضوية المجلس بنظام التعيين، وهو من مواليد القاهرة وعضو بلجنة الصناعة. كما أظهرت تغطيات صحفية مصرية خلال يناير 2026 أنه تولى أيضًا دورًا بارزًا في ملف الاستثمار ضمن أعمال الحوار الوطني، وهو ما يفسر تركيزه المستمر على قضايا التشريع الاقتصادي وجذب الاستثمارات وتحسين مناخ الأعمال.

كيف قدّم صبري رؤيته للاقتصاد المصري؟

في حديثه الإعلامي، أشار صبري إلى أن الاقتصاد المصري مرّ بتحولات فكرية وسياسية ممتدة؛ من اقتصاد سوق قبل 1952، إلى مرحلة هيمنة الدولة والنهج الاشتراكي، ثم محاولات الانفتاح الاقتصادي في عهدي الرئيسين الراحلين أنور السادات وحسني مبارك. ووفق هذا التصور، فإن التحدي القائم الآن لا يرتبط فقط بالنصوص أو الشعارات الاقتصادية، بل بطريقة إدارة الدولة والاقتصاد والعلاقة بين الجهاز الإداري والاستثمار الخاص.

هذا الطرح يتقاطع مع نقاش أوسع في مصر حول كيفية الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الدولة إلى نموذج يمنح القطاع الخاص مساحة أكبر في الإنتاج والتشغيل والتصدير، مع الإبقاء على دور الدولة في التنظيم والرقابة وتطوير البنية الأساسية.

لماذا عادت قضية «الطرق والكباري» إلى الواجهة؟

اللافت في تصريحات صبري أنه تحدث بصراحة عن جملة كانت تتردد كثيرًا في المجال العام: «إحنا كل حاجة طرق وكباري». لكنه اعتبر أن مرور الوقت كشف أن هذه المشروعات لم تكن مجرد واجهة عمرانية، بل عنصرًا مؤثرًا في الاقتصاد. وتدعم البيانات الرسمية هذا الاتجاه؛ إذ أظهرت نشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 5 فبراير 2025 أن إجمالي أطوال شبكة الطرق في مصر بلغ 174.8 ألف كيلومتر خلال عام 2023/2024.

هذا الرقم يعكس حجمًا كبيرًا من التوسع والتحديث، خصوصًا إذا رُبط بمشروعات الربط بين المحافظات، وخدمة المناطق الجديدة، وتحسين الوصول إلى الموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية. كما تواصل وزارة النقل والهيئة العامة للطرق والكباري الإعلان عن تطوير ورفع كفاءة طرق رئيسية، بينها محاور تخدم صعيد مصر والطريق الدولي الساحلي، بما يعزز الربط بين مراكز الإنتاج والاستهلاك.

ما الذي يترتب اقتصاديًا على تطوير البنية التحتية؟

  • خفض زمن النقل بين المحافظات والمراكز الإنتاجية.
  • تحسين كفاءة سلاسل الإمداد ونقل البضائع إلى الموانئ والأسواق.
  • رفع جاذبية الاستثمار في المناطق الصناعية الجديدة.
  • تقليل تكلفة التشغيل على المدى المتوسط في بعض القطاعات.
  • توسيع العمران وربط المدن الجديدة بالشبكات القائمة.

ومن هنا يمكن فهم الرسالة التي حاول صبري إبرازها: أن «الطوب والزلط» في حد ذاتهما ليسا الهدف، لكنهما أصبحا قاعدة لاقتصاد أكثر قدرة على الحركة، إذا استكملت الدولة الإصلاحات التشريعية والهيكلية المطلوبة.

المشهد الأوسع: مؤشرات الاقتصاد لا تزال تحت الاختبار

ورغم دفاع صبري عن أثر الإنفاق على البنية الأساسية، فإن الصورة الاقتصادية الأشمل تبقى مركبة. فصندوق النقد الدولي أعلن في 26 فبراير 2026، بعد استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر، أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي ارتفع إلى 4.4% في السنة المالية 2024/2025، مع تراجع التضخم إلى 11.9% في يناير 2026. وفي المقابل، أشار الصندوق بوضوح إلى أن وتيرة تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتقدم في برنامج التخارج من الأصول المملوكة لها جاءت أبطأ من المتوقع.

كذلك أوضحت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي في بياناتها الخاصة بالأداء الاقتصادي أن بعض القطاعات حققت معدلات نمو قوية خلال العام المالي 2024/2025، وعلى رأسها السياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والوساطة المالية. كما أعلنت الوزارة أن عدد السائحين تجاوز 17 مليون سائح خلال العام نفسه، في إشارة إلى أن الاستثمار في البنية الأساسية والخدمات قد انعكس على قطاعات مولدة للنقد الأجنبي.

بين الدولة والقطاع الخاص.. أين يقف الجدل الآن؟

تصريحات سمير صبري تبدو جزءًا من خطاب اقتصادي يدعو إلى عدم الفصل بين مشروعات البنية التحتية وبين النقاش الخاص بتمكين القطاع الخاص. فوفق هذا التصور، لا يمكن مطالبة المستثمر المحلي أو الأجنبي بالتوسع في الصناعة أو اللوجستيات أو السياحة من دون طرق جيدة، وموانئ أكثر كفاءة، وربط أفضل بين المحافظات.

لكن في الوقت نفسه، فإن قطاعًا من الخبراء يربط النجاح الكامل لهذا المسار بملفات أخرى لا تقل أهمية، مثل استقرار السياسات، وسهولة استخراج التراخيص، والعدالة التنافسية، وسرعة فض منازعات الاستثمار، وتوضيح حدود دور الدولة الاقتصادي. وهذه كلها قضايا سبق أن حضرت بقوة في توصيات الحوار الوطني المتعلقة بالاستثمار.

لماذا يهم هذا النقاش القارئ المصري الآن؟

لأن الجدل لم يعد نظريًا. المواطن يلمس أثر الطرق الجديدة في حركة السفر والنقل، لكن السؤال الأهم أصبح: هل تُترجم هذه المشروعات إلى فرص عمل، وأسعار أكثر استقرارًا، واستثمارات أكبر، ونمو أكثر شمولًا؟ هذا بالتحديد ما تحاول التصريحات الأخيرة لسمير صبري الإجابة عنه من زاوية سياسية وبرلمانية، حين يربط بين ما أُنفق على الأرض وبين ما ينتظر الاقتصاد المصري أن يحصده في المدى المتوسط.

في المحصلة، يمكن القول إن حديث النائب سمير صبري يعكس تحوّلًا في طريقة تقديم ملف الطرق والكباري داخل مصر: من مشروع كان يُناقش أحيانًا بوصفه مجرد إنفاق إنشائي، إلى ملف يُعاد وضعه داخل معادلة أوسع تشمل النمو الاقتصادي، والاستثمار، وكفاءة الدولة، وتمكين القطاع الخاص. غير أن الحكم النهائي على هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد المصري على تحويل هذه البنية إلى إنتاج أعلى، وصادرات أكبر، وفرص معيشية أفضل للمواطنين.