سنتكوم: أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي ينتشرون بالشرق الأوسط
انتشار أمريكي واسع في لحظة إقليمية شديدة الحساسية
أكدت القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم أن أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي ينتشرون حاليا في أنحاء الشرق الأوسط، مع بقاء القوات في حالة تأهب وجاهزية كاملة لمواجهة أي تطورات أمنية محتملة. ويعكس هذا الرقم حجم الانخراط العسكري الأمريكي في منطقة تمتد تأثيراتها إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط والخليج، وهي دوائر تتابعها القاهرة عن قرب بحكم ارتباطها المباشر بأمن الملاحة والطاقة والتوازنات الإقليمية.
الرقم المتداول اكتسب ثقله لأنه جاء في سياق أمني استثنائي شهد خلال العامين الأخيرين تصاعدا في الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، إلى جانب اتساع مسرح العمليات من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق واليمن. وفي هذا المناخ، تحرص واشنطن على إظهار أن قواتها المنتشرة في قواعد ومنشآت مختلفة لا تزال قادرة على الردع وحماية الأفراد والمصالح العسكرية في المنطقة.
ماذا نعرف رسميا عن هذا الانتشار؟
المؤشرات الرسمية الأمريكية تدعم هذا التقدير. ففي إفادة مكتوبة أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 10 يونيو 2025، قال قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال مايكل “إريك” كوريلا إن قواته تعمل في واحدة من أكثر الفترات حركية وخطورة في نطاق مسؤولية القيادة خلال العقد الأخير، مشيرا إلى تعرض العسكريين الأمريكيين في المنطقة لهجمات متكررة بواسطة طائرات دون طيار وصواريخ وقذائف مدعومة من جماعات مرتبطة بإيران.
كما أظهرت بيانات منشورة على الموقع الرسمي لسنتكوم في يونيو 2025 استمرار النشاط العملياتي الأمريكي في أكثر من ملف، من الدفاع الجوي في الخليج إلى ملاحقة تنظيم داعش في سوريا، وهو ما يعزز دلالة تصريح الجاهزية المستمرة وليس مجرد الوجود العددي وحده.
دور كوريلا في إدارة المشهد
يتولى الجنرال مايكل إريك كوريلا قيادة سنتكوم منذ عام 2022، وهو أحد أبرز الوجوه العسكرية الأمريكية المرتبطة بملفات الشرق الأوسط. وخلال 1 إلى 5 أبريل 2025 أجرى جولة إقليمية شملت إسرائيل والأردن وقطر والإمارات والسعودية واليمن، وفق بيان القيادة المركزية، لبحث التنسيق الأمني والجاهزية والتعاون العسكري مع شركاء واشنطن في المنطقة.
وفي زيارة إقليمية أخرى امتدت 15 يوما، أعلنت سنتكوم أن كوريلا زار 11 دولة من بينها مصر والعراق ولبنان وإسرائيل وقطر والسعودية والكويت والأردن والبحرين والإمارات وباكستان، في إشارة واضحة إلى أن القيادة الأمريكية تنظر إلى الانتشار العسكري باعتباره جزءا من شبكة أوسع من الشراكات والتمركزات والتحركات الميدانية.
لماذا تحافظ واشنطن على هذا الحجم من القوات؟
هناك ثلاثة أسباب رئيسية تفسر تمسك الولايات المتحدة بهذا الانتشار الكبير في الشرق الأوسط. أولها حماية القواعد والأفراد بعد سلسلة هجمات طالت مواقع أمريكية وشريكة في العراق وسوريا والأردن. وثانيها الردع الإقليمي في ضوء التوتر مع إيران والجماعات المسلحة المتحالفة معها. أما السبب الثالث فهو استمرار عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم داعش، خصوصا في سوريا وبعض المناطق الحدودية ذات الحساسية الأمنية.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في 18 أبريل 2025 بدء عملية إعادة تجميع وتمركز للقوات الأمريكية في سوريا ضمن مواقع مختارة تحت مظلة قوة المهام المشتركة لعملية “العزم الصلب”، موضحة أن هذه الخطوة ستخفض الوجود الأمريكي هناك إلى أقل من ألف جندي خلال الأشهر التالية. لكن هذا الخفض في سوريا لا يعني تقليصا مماثلا في مجمل الشرق الأوسط، إذ تؤكد واشنطن أنها تحتفظ بقدرة على تعديل تموضعها العسكري بسرعة بحسب تطورات الميدان.
العراق وسوريا.. من إعادة التموضع إلى الانتقال التدريجي
في العراق، تسير الولايات المتحدة ضمن تفاهمات انتقالية مرتبطة بالحوار العسكري مع بغداد. وتشير الوثائق الرقابية الأمريكية الخاصة بعملية “العزم الصلب” إلى أن الولايات المتحدة والعراق أعلنا في 27 سبتمبر 2024 خطة انتقال على مرحلتين لإنهاء مهمة التحالف العسكرية في العراق، على أن تنتهي المرحلة الأولى بنهاية سبتمبر 2025. وهذا يعني أن الوجود الأمريكي لا يختفي فجأة، بل يعاد تشكيله تدريجيا بما يتناسب مع تقييم التهديدات واحتياجات التنسيق مع الحكومة العراقية.
أما في سوريا، فالصورة أكثر تعقيدا. فبينما تتحدث واشنطن عن خفض القوات إلى أقل من ألف جندي، تواصل سنتكوم الإعلان عن عمليات ضد عناصر من تنظيم داعش وتدمير مخازن أسلحة وملاحقة قيادات ميدانية. وبذلك تبدو الاستراتيجية الأمريكية قائمة على تقليل البصمة البشرية مع الإبقاء على القدرة الضاربة والمرونة الجوية والاستخبارية.
ما الذي يعنيه هذا لمصر ومحيطها الأفريقي-العربي؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا يتعلق خبر انتشار أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي بمجرد رقم عسكري بعيد، بل يتصل بملفات تمس الأمن الإقليمي مباشرة. فكل تصعيد في الخليج أو البحر الأحمر أو شرق المتوسط ينعكس على حركة التجارة الدولية وأسعار الطاقة وتكاليف الشحن، وهي قضايا ذات أثر مباشر على الاقتصاد المصري وعلى الملاحة عبر قناة السويس.
كما أن اتساع النشاط العسكري الأمريكي في الممرات المحيطة بالمنطقة يعكس حجم الترابط بين شمال أفريقيا والمشرق والخليج والقرن الأفريقي. فالساحل الغربي للبحر الأحمر، وخطوط الملاحة المؤدية إلى باب المندب، وتداعيات الحرب على غزة ولبنان، جميعها عوامل تجعل من التطورات العسكرية في نطاق سنتكوم شأنا يتجاوز حدود آسيا الغربية إلى الفضاءين العربي والأفريقي معا.
تداعيات محتملة خلال الفترة المقبلة
- استمرار الجاهزية العالية يعني أن واشنطن تتوقع بقاء مستوى المخاطر فوق المعدلات المعتادة.
- إعادة التموضع في العراق وسوريا لا تعني الانسحاب الكامل، بل انتقالا إلى صيغ أكثر مرونة وأقل كلفة.
- التنسيق مع الحلفاء الإقليميين سيظل عنصرا حاسما في أي مواجهة محتملة أو احتواء للتصعيد.
- أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط سيبقى من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لدول المنطقة، وفي مقدمتها مصر.
خلاصة المشهد
رسالة سنتكوم الأساسية واضحة: الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بكتلة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط، وتعتبر أن قواتها في المنطقة في حالة استعداد دائم. وبينما تتحدث واشنطن عن خفض أو إعادة تنظيم بعض قواتها في سوريا والعراق، فإن الصورة الأوسع تشير إلى أن الوجود العسكري الأمريكي لم يتراجع استراتيجيا، بل يعاد تشكيله وفق خريطة تهديدات متحركة.
وفي ظل بيئة إقليمية مفتوحة على احتمالات متعددة، من المرجح أن يظل رقم 50 ألف عسكري عنوانا معبرا عن مرحلة لا تزال فيها المنطقة، الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر، تحت ضغط أمني كثيف يهم القاهرة والعواصم العربية والأفريقية على السواء.