سؤال برلماني يضغط لفتح ملف الأصول المعطلة من أملاك الدولة
تحرك جديد تحت قبة البرلمان لإعادة فتح ملف الأصول غير المستغلة
عاد ملف الأصول غير المستغلة من أملاك الدولة إلى صدارة الاهتمام النيابي في مصر، بعد تقدم الدكتور محمد علي عبد الحميد، عضو مجلس النواب عن دائرة الطالبية والعمرانية بمحافظة الجيزة، بسؤال برلماني يطالب فيه الحكومة بإيضاح خطتها للتعامل مع الأراضي والمباني المملوكة للدولة التي لا تحقق استفادة فعلية حتى الآن. ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تحسين إدارة الأصول العامة وتعظيم العائد الاقتصادي منها، خاصة مع الحاجة إلى موارد إضافية تدعم الموازنة العامة وتخفف الضغط على الإنفاق الحكومي.
السؤال البرلماني يكتسب أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على المطالبة برصد المشكلة، بل يفتح الباب أمام مناقشة أوسع حول كيفية تحويل الأصول المعطلة إلى فرص استثمارية أو خدمية أو تنموية، بدلًا من بقائها خارج دورة الإنتاج والاستفادة. وفي السياق نفسه، شهدت الأشهر الماضية تحركات برلمانية متقاربة في الهدف، من بينها مقترحات طالبت بحصر شامل للأراضي والمباني والمنشآت الحكومية غير المستغلة أو ضعيفة الاستغلال في المحافظات، مع وضع آلية موحدة لإعادة استثمارها.
من هو النائب صاحب التحرك؟
بحسب تغطيات برلمانية منشورة خلال الفصل التشريعي الحالي، فإن محمد علي عبد الحميد يشغل عضوية مجلس النواب، وسبق أن ارتبط اسمه بملفات اقتصادية ورقابية، كما تولى وكالة اللجنة الاقتصادية في فصل تشريعي سابق، وهو ما يمنح تحركه الأخير ثقلاً إضافيًا بالنظر إلى طبيعته المرتبطة بإدارة الموارد العامة وكفاءة استغلالها. كما أوردت تقارير صحفية مطلع يناير 2026 أنه وضع ملفات الاقتصاد والخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية ضمن أولوياته داخل المجلس.
لماذا يمثل الملف أولوية الآن؟
الحديث عن الأصول غير المستغلة ليس جديدًا في المشهد المصري، لكنه اكتسب زخمًا أكبر خلال السنوات الأخيرة مع اتجاه الدولة إلى رفع كفاءة إدارة الأصول، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وإعادة النظر في كيفية الاستفادة من الأراضي والمباني والمنشآت التي ظلت لسنوات بلا تشغيل كامل أو بعائد محدود. رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي شدد في تصريحات نُشرت في أغسطس 2025 على أن الهدف من التحركات المتعلقة بهذه الأصول هو وضع رؤية لإدارتها واستثمارها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة، وليس التخلي عنها، مؤكدًا أن العائد لا يقتصر على الأموال المباشرة فقط، بل يشمل أيضًا فرص العمل وزيادة الحصيلة الضريبية وتنشيط التنمية العمرانية.
ومن زاوية تشريعية، أقر مجلس النواب نهائيًا في يوليو 2025 مشروع قانون بعض قواعد وإجراءات التصرف في أملاك الدولة الخاصة، وهو قانون استهدف تنظيم التصرف في هذا النوع من الأملاك، وفتح مسارات أكثر انضباطًا للتقنين والتحصيل والمتابعة. كما صدرت اللائحة التنفيذية للقانون بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 200 لسنة 2026، بما يعني أن الملف لم يعد مجرد نقاش سياسي، بل أصبح مرتبطًا بأدوات قانونية وتنظيمية قائمة بالفعل.
ما الذي يمكن أن تطلبه الحكومة عمليًا؟
إذا استجابت الحكومة لمضمون السؤال البرلماني بخطة تفصيلية، فمن المرجح أن تدور الإجابة حول عدة محاور رئيسية، في مقدمتها:
- الحصر الدقيق والمحدث للأراضي والمباني والمنشآت غير المستغلة أو ضعيفة الاستغلال.
- تحديد جهة الولاية لكل أصل، وهي نقطة محورية لأن تضارب الاختصاصات كان أحد أسباب تعطل الاستفادة من كثير من الأصول.
- تصنيف الاستخدامات الممكنة بين البيع أو التأجير أو حق الانتفاع أو الشراكة الاستثمارية أو إعادة التوظيف الخدمي.
- التحول الرقمي في إدارة البيانات بما يسمح بقاعدة معلومات موحدة تُحدث بصورة دورية.
- ضمان الشفافية والحوكمة في التقييم والتخصيص والعائد المالي.
وتدعم هذا الاتجاه مستندات مالية ورقابية صادرة عن جهات رسمية، من بينها تعليمات منشورة عبر وزارة المالية تشير إلى أهمية حصر وتحديث قاعدة بيانات الأصول العقارية المملوكة للجهات بدقة، مع موافاة الهيئة العامة للخدمات الحكومية بالبيانات بشكل دوري. كما سبق أن اعتبرت آراء برلمانية أن إنشاء قواعد بيانات إلكترونية مركزية يمثل خطوة أساسية لإنهاء الفجوات التي كان يسببها الحصر اليدوي التقليدي.
بين الحفاظ على الملكية وتعظيم العائد
أحد أبرز الهواجس التي ترافق هذا الملف في النقاش العام هو الخلط بين استغلال الأصول وبيع أصول الدولة. لكن المعطيات الرسمية الأحدث تشير إلى أن الحكومة تطرح أكثر من نموذج للاستفادة، وليس البيع وحده. فالقانون رقم 168 لسنة 2025 نظم صور التصرف الممكنة، ومنها البيع والإيجار والإيجار المنتهي بالتمليك والترخيص بالانتفاع، بما يتيح مرونة أكبر وفق طبيعة كل أصل وموقعه وجدواه الاقتصادية.
وفي مارس 2026، استعرض مجلس الوزراء إصدارًا محدثًا من وثيقة سياسة ملكية الدولة، وتضمن ذلك توجهات مرتبطة بإعادة هيكلة بعض الهيئات الاقتصادية وتعزيز الكفاءة والاستدامة المالية للأصول المملوكة للدولة. هذا الربط بين السياسة الاقتصادية العامة وإدارة الأصول يوضح أن الملف لم يعد منفصلًا عن رؤية الدولة الأوسع بشأن الاستثمار وكفاءة الإنفاق والإصلاح الهيكلي.
ماذا يعني ذلك للمواطن والمحافظات؟
بالنسبة للمواطن المصري، لا تبدو القضية فنية أو قانونية فقط، بل ترتبط بنتائج ملموسة على الأرض. فالأرض الفضاء أو المبنى الحكومي المهجور في موقع حيوي يمكن أن يتحول إلى مشروع خدمي أو استثماري يخلق فرص عمل، أو إلى مقر يقدم خدمة عامة بدلًا من بقائه عبئًا صامتًا. كما أن حسن استغلال تلك الأصول قد يخفف الحاجة إلى أعباء تمويلية جديدة على الدولة، ويفتح موارد إضافية للمحافظات والجهات المالكة. بعض نصوص القانون الجديد أخذت هذا البعد في الاعتبار، إذ نصت على نسب من المبالغ المحصلة تخصص للجهات الإدارية والمحافظات في حالات محددة لدعم الأغراض العامة والمشروعات داخل المحافظة.
هذا البعد المحلي مهم جدًا في المحافظات التي تضم مقار قديمة أو مخازن أو أراضي متروكة في نطاقات عمرانية مكتظة، حيث تصبح إعادة التوظيف أكثر تأثيرًا على الحياة اليومية للناس، سواء عبر الخدمات أو الاستثمار أو تنظيم المجال العمراني. ومن هنا، فإن السؤال البرلماني المقدم من النائب محمد علي عبد الحميد لا يبدو مجرد أداة رقابية عابرة، بل جزءًا من ضغط سياسي وتشريعي أوسع لدفع الحكومة نحو خطة معلنة بجداول زمنية واضحة، تضمن أن تتحول أملاك الدولة غير المستغلة من ملف مؤجل إلى رافعة اقتصادية وتنموية حقيقية.
خلاصة المشهد
المؤكد حتى الآن أن هناك أرضية قانونية أحدث من السابق، وحراكًا حكوميًا معلنًا بشأن إدارة الأصول، وتحركات برلمانية متزايدة تطالب بالحصر والشفافية وتعظيم العائد. أما الاختبار الحقيقي فسيبقى في مدى قدرة الحكومة على تقديم خريطة تنفيذية واضحة: ما حجم الأصول المعطلة؟ وأين تقع؟ وما الأولويات؟ وما آليات الطرح أو إعادة الاستخدام؟ ومتى يلمس المواطن نتائج ذلك على الأرض؟ هذه الأسئلة هي جوهر ما يطرحه البرلمان اليوم، وهي أيضًا جوهر النقاش الاقتصادي الأوسع حول أفضل استخدام ممكن لممتلكات الدولة في مصر.