سؤال برلماني يطالب بكشف حصاد «100 مليون شجرة» منذ 2022
سؤال برلماني يعيد فتح ملف التشجير في مصر
عاد مشروع «100 مليون شجرة» إلى واجهة النقاش العام في مصر بعد تحرك برلماني جديد من الدكتور أيمن محسب، عضو مجلس النواب، الذي طالب الحكومة بتقديم كشف حساب واضح حول ما تحقق فعليًا منذ إطلاق المبادرة في عام 2022، مع إعلان ما وصفه بـ«الرصيد الأخضر» للمدن المصرية، أي حجم الزيادة الحقيقية في المساحات المزروعة داخل الكتل العمرانية وعلى المحاور والطرق والمرافق العامة.
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة لأن المبادرة تُعد واحدة من أكبر مشروعات التشجير التي أعلنتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، وارتبطت منذ البداية بأهداف بيئية وتنموية تشمل تحسين جودة الهواء، وخفض آثار التغيرات المناخية، وزيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء، إلى جانب تحقيق عائد اقتصادي من بعض الأنواع المزروعة مثل الأشجار المثمرة أو الخشبية.
ما هي مبادرة 100 مليون شجرة؟
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات ووزارتي التنمية المحلية والبيئة، أُطلقت المبادرة الرئاسية في نوفمبر 2022 بالتزامن مع استضافة مصر مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، على أن يمتد تنفيذها لمدة 7 سنوات من العام المالي 2022/2023 حتى 2028/2029. وتستهدف المبادرة زراعة 100 مليون شجرة على مستوى الجمهورية، بما يشمل الشوارع والميادين والحدائق العامة ومداخل المدن والطرق السريعة وبعض مواقع الغابات الشجرية المعتمدة على مياه الصرف المعالج.
وتشير الخطة الحكومية إلى أن وزارة التنمية المحلية تتحمل النصيب الأكبر من التنفيذ داخل المحافظات، بينما تشارك وزارة البيئة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والجهات المحلية الأخرى في استكمال المستهدف الإجمالي. كما قُدرت التكلفة الإجمالية للمبادرة بنحو 3 مليارات جنيه، مع استهداف نحو 9900 موقع على مساحة تصل إلى 6600 فدان.
ماذا تحقق على الأرض حتى الآن؟
الأرقام الرسمية المتاحة تكشف أن المبادرة قطعت شوطًا ملموسًا، لكن دون أن يعني ذلك الوصول إلى المستهدف النهائي. فوفق ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات استنادًا إلى تصريحات رسمية في فبراير 2026، بلغ إجمالي ما تم زراعته منذ انطلاق المبادرة وحتى العام المالي 2025/2026 نحو 12.8 مليون شجرة على مستوى الجمهورية.
كما أعلنت وزارة التنمية المحلية ووسائل إعلام مصرية رسمية خلال عام 2026 الانتهاء من المرحلة الرابعة من المبادرة، والتي تضمنت زراعة وتوريد وتشجير أكثر من 200 ألف شجرة في عدد من المحافظات، إلى جانب استمرار أعمال التشجير على بعض المحاور الحيوية، ومنها قطاعات من الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.
وفي حصيلة أخرى منشورة خلال صيف 2026، جرى الحديث عن وصول ما تم زراعته إلى نحو 12.75 مليون شجرة عبر 4 مراحل متتالية منذ بدء التنفيذ. ويعكس الفارق الطفيف بين الرقمين تقارب الفترات المرجعية ومصادر التحديث، لكنه يؤكد في المجمل أن المشروع لا يزال في مرحلة التوسع التدريجي، لا الاكتمال.
أرقام المراحل الأولى
البيانات الحكومية السابقة توضح أن المرحلة الأولى للعام المالي 2022/2023 استهدفت زراعة 7.7 مليون شجرة من خلال وزارة التنمية المحلية والمحافظات، بينما أشارت تقارير لاحقة إلى استكمال مستهدف هذه المرحلة. وفي العام المالي 2023/2024 أعلنت الوزارة توريد وزراعة نحو 2.5 مليون شجرة ضمن تعاقدات بلغت تكلفتها نحو 98 مليون جنيه لتوريد 3 ملايين شجرة للمحافظات.
كذلك كشفت وزارة البيئة في تقرير عن المرحلة الأولى أنها شاركت بزراعة ما يقرب من 1.3 مليون شجرة، شملت مناطق متعددة مثل المدارس والجامعات وبعض المناطق الأكثر تأثرًا بالتلوث، فضلًا عن طرق رئيسية ومبادرات مجتمعية على مستوى الجمهورية.
لماذا يطالب البرلمان بـ«الرصيد الأخضر»؟
جوهر السؤال البرلماني لا يتعلق فقط بعدد الشتلات التي جرى توريدها أو زراعتها، بل بما إذا كانت هذه الجهود قد تحولت إلى زيادة مستدامة في الغطاء النباتي داخل المدن المصرية. فنجاح أي مشروع تشجير لا يُقاس فقط بالأعداد المعلنة عند الزراعة، وإنما أيضًا بنسبة البقاء، وأعمال الري والصيانة، واختيار الأنواع المناسبة، ومدى انعكاس ذلك على الشوارع والأحياء من حيث الظل وجودة الهواء والمشهد الحضاري.
ومن هذا المنطلق، تبدو مطالبة الحكومة بإعلان الرصيد الأخضر للمدن محاولة للانتقال من لغة المستهدفات العامة إلى مؤشرات أكثر دقة، مثل:
- عدد الأشجار التي تمت زراعتها بالفعل مقارنة بالمخطط.
- نسبة الأشجار التي استمرت ونمت بعد الزراعة.
- توزيع التشجير بين المحافظات والأحياء.
- نصيب الفرد من المساحات الخضراء داخل المدن.
- مدى استخدام مياه الصرف المعالج في الري وفق الضوابط البيئية.
ما التحديات التي تواجه المشروع؟
المستندات والتصريحات الرسمية نفسها تكشف أن ملف التشجير لا يقتصر على الزراعة فقط، بل يشمل تحديات تنظيمية وفنية. فقد تحدثت وزارة البيئة عن إعداد دليل إرشادي للأشجار المناسبة، وتعميم كتب دورية للمحافظات لتقنين التعامل مع الأشجار وتجريم القطع الجائر، مع تشكيل لجنة استشارية علمية بقرار وزاري في 5 أغسطس 2024 لدعم ملف التشجير ومراجعة الأنواع المقترحة وآليات الاستدامة.
كما شددت الحكومة في أكثر من مناسبة على أهمية الصيانة الدورية والتكويد وإعداد قواعد بيانات للأشجار، وهي عناصر بالغة الأهمية لأن جزءًا من الانتقادات المتكررة لمشروعات التشجير يرتبط بضعف المتابعة بعد الزراعة، أو بعدم ملاءمة بعض الأنواع لطبيعة المكان، أو بمشكلات الري في المناطق الحضرية.
ومن الناحية الفنية، تعتمد المبادرة على أنواع مختلفة وفق طبيعة كل محافظة، مع مراعاة قلة استهلاك المياه، والقدرة على امتصاص الملوثات، وتوفير الظل، وفي بعض الحالات تحقيق مردود اقتصادي. ومن بين الأنواع التي جرى الإعلان عن استخدامها في بعض المحافظات: الجاكراندا والبوانسيانا والماهوجني والتيكوما، خصوصًا في أعمال التشجير التي شهدتها الإسكندرية خلال 2026.
الملف بين البيئة والإدارة المحلية
المبادرة في جوهرها تقع عند تقاطع ملفين أساسيين: البيئة والإدارة المحلية. فمن جهة، ترتبط بخفض التلوث وتحسين جودة الهواء ومواجهة آثار التغير المناخي. ومن جهة أخرى، فإن نجاحها على الأرض يعتمد على كفاءة المحافظات في اختيار المواقع، والتنسيق مع مديريات الزراعة، وتأمين مصادر الري، ومتابعة أعمال الصيانة، ومنع التعديات أو الإزالة.
ولذلك فإن أي تقييم جاد للمشروع يحتاج إلى قراءة مزدوجة: قراءة رقمية ترصد ما تم إنجازه، وقراءة ميدانية تقيس الأثر الحقيقي على المواطنين. فوجود أشجار على الورق أو في كشوف التوريد لا يساوي بالضرورة وجود شوارع أكثر خضرة أو مدن أكثر تحملًا لموجات الحرارة المرتفعة.
ماذا بعد السؤال البرلماني؟
من المتوقع أن يدفع التحرك البرلماني الحكومة إلى تقديم بيانات أحدث وأكثر تفصيلًا عن مسار المبادرة، خاصة مع دخولها أعوام التنفيذ الوسطى، واقترابها من مرحلة يصبح فيها تقييم الجدوى والاستدامة أكثر إلحاحًا من مجرد إعلان الأرقام الإجمالية. كما أن هذا الملف يرتبط مباشرة بجودة الحياة في المدن المصرية، وهي نقطة تمس المواطنين يوميًا، سواء من حيث المظهر الحضاري أو الراحة الحرارية أو جودة الهواء.
وفي المحصلة، تُظهر الأرقام الرسمية أن الدولة حققت تقدمًا فعليًا في مشروع 100 مليون شجرة منذ انطلاقه في نوفمبر 2022، لكن السؤال الأهم الذي يطرحه مجلس النواب اليوم هو: هل تحولت هذه الأرقام إلى رصيد أخضر مستدام يمكن قياسه داخل المدن المصرية؟ هذا هو الاختبار الحقيقي للمبادرة خلال المرحلة المقبلة.