Akhbar Cairo

سؤال برلماني يعيد ملف الفقر إلى واجهة النقاش العام

سؤال يتجاوز الإجراء البرلماني إلى جوهر النقاش الاجتماعي

إعادة طرح ملف معدل الفقر في مصر داخل مجلس النواب ليست مجرد واقعة إجرائية عابرة، بل تعكس واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجال العام: هل يمكن تقييم حصيلة السياسات الحكومية اقتصاديًا واجتماعيًا من دون نشر أحدث البيانات التي تمس مستوى معيشة الأسر مباشرة؟ في هذا السياق، تقدم النائب محمد عبد الحفيظ، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية ووزيرة التضامن الاجتماعي، طالب فيه بالإفصاح العاجل عن التقديرات الرسمية المحدثة لمعدلات الفقر ونتائج بحث الدخل والإنفاق، بالتزامن مع استعداد الحكومة لعرض ما تعتبره إنجازات محققة.

سياسيًا، يحمل التوقيت دلالة واضحة. فحين تسبق لغة الأرقام الاجتماعية خطابات الإنجاز، تصبح المقارنة ممكنة بين ما تعلنه السلطة التنفيذية من تقدم في البنية الأساسية والاستثمار والنمو، وبين ما يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية: تكلفة الغذاء، والإنفاق على السكن، وقدرة الأسرة على تحمل التعليم والعلاج والمواصلات. هنا بالضبط تتحول البيانات من جداول فنية إلى أداة مساءلة عامة.

لماذا يكتسب «بحث الدخل والإنفاق» هذه الأهمية؟

بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك يعد من أهم الأبحاث الإحصائية لأنه يقدم صورة مباشرة عن أنماط إنفاق الأسر ومستويات المعيشة، كما يستخدم في التعرف إلى خطوط الفقر وتوجيه سياسات الحماية الاجتماعية. وتظهر قاعدة البيانات الوصفية الرسمية للجهاز أن بحث الدخل والإنفاق والإستهلاك 2021 موجود ضمن فهرس البيانات الرسمي، مع تحديثات منشورة على البوابة الوصفية خلال 2025، بما يؤكد وجود مادة إحصائية منظمة ومرجعية لهذا الملف.

أهمية هذا البحث لا ترتبط فقط بإنتاج رقم واحد عن الفقر، بل بقدرته على تفكيك الصورة: من ينفق ماذا؟ وأين تتجه الضغوط الأكبر على الأسر؟ وكيف تختلف الأعباء بين الريف والحضر، وبين المحافظات، وبين الشرائح الاجتماعية المختلفة؟ ولهذا السبب، فإن أي نقاش جاد عن العدالة الاجتماعية أو كفاءة الإنفاق العام يظل منقوصًا إذا غابت عنه نتائج هذا البحث أو تأخر إعلانها.

ما آخر الأرقام الرسمية المتاحة عن الفقر؟

آخر رقم واسع التداول من المصادر الرسمية يشير إلى أن معدل الفقر في مصر بلغ 29.7% في العام المالي 2019/2020، انخفاضًا من 32.5% في 2017/2018. كما انخفض الفقر المدقع، وفق البيانات نفسها، إلى 4.5% مقابل 6.2% في الفترة السابقة. هذه الأرقام أعاد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الإشارة إليها في مادة منشورة في مايو 2024، ما يعني أنها تظل آخر مرجع رسمي واضح ومعلن على نطاق واسع في هذا الملف حتى الآن.

لكن المشكلة التي يثيرها السؤال البرلماني لا تتعلق بوجود أرقام قديمة من عدمه، بل بغياب تقديرات محدثة تسمح بقياس ما إذا كانت التحولات الاقتصادية التي شهدتها السنوات الأخيرة قد حسنت الأوضاع المعيشية، أم فرضت ضغوطًا إضافية على الفئات الأقل دخلًا. فالفجوة الزمنية بين آخر إعلان بارز لمعدل الفقر وبين التطورات الاقتصادية اللاحقة كافية وحدها لتبرير مطلب النشر السريع والمنهجي.

بين التضخم والحماية الاجتماعية: لماذا تبدو البيانات أكثر إلحاحًا الآن؟

خلال الأعوام الأخيرة، واجهت الأسر المصرية موجات متتالية من ارتفاع الأسعار. وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى استمرار إصدار مؤشرات دورية للتضخم والأسعار، كما يواصل الجهاز نشر كتيبات إحصائية سنوية ونسخًا محدثة من «مصر في أرقام»، وهو ما يوضح أن البنية المؤسسية لإنتاج البيانات قائمة بالفعل.

ومن زاوية تحليلية، فإن أي حديث عن تحسن اجتماعي يحتاج إلى الربط بين ثلاثة مستويات:

  • مستوى الأسعار وما يسببه من تآكل في القوة الشرائية.
  • مستوى الدخول وهل نمت بما يكفي لتعويض الغلاء.
  • مستوى الدعم والحماية الاجتماعية ومدى وصوله إلى الفئات الأكثر احتياجًا.

من دون هذا الربط، قد تبدو بعض المؤشرات الاقتصادية إيجابية على الورق، لكنها لا تحسم السؤال الأساسي: هل تحسن مستوى معيشة المواطن فعلًا؟ لذلك، فإن نشر نتائج بحث الدخل والإنفاق لا يخدم المعارضة أو الحكومة وحدهما، بل يخدم جودة النقاش العام نفسه.

البرلمان كمساحة للمساءلة لا للاصطفاف

اللافت أن السؤال البرلماني يأتي في فصل تشريعي جديد يرأس فيه مجلس النواب المستشار هشام بدوي، الذي تولى رئاسة المجلس في 12 يناير 2026 وفق البيانات الرسمية المنشورة عن المجلس والهيئة العامة للاستعلامات. كما أعلن المجلس في بداية الفصل التشريعي الثالث ممثلي الهيئات البرلمانية للأحزاب، وبينها حزب الإصلاح والتنمية.

هذا السياق المؤسسي مهم، لأنه يختبر الدور الطبيعي للبرلمان في تتبع أثر السياسات، لا الاكتفاء بمناقشة القوانين بصورة مجردة. فعندما يطلب نائب بيانات اجتماعية أساسية قبل مؤتمر لعرض الإنجازات، فهو يضع معيارًا بسيطًا لكنه حاسم: الإنجاز الحقيقي يجب أن يظهر في المؤشرات التي تمس الناس، لا في الخطاب السياسي وحده.

هل يكفي إعلان الأرقام وحده؟

الإجابة المختصرة: لا. نشر الأرقام خطوة أولى فقط. فالمطلوب أيضًا هو شرح منهجية القياس، والفترة الزمنية التي تغطيها البيانات، وحدود المقارنة بينها وبين السنوات السابقة، وما إذا كانت التغيرات في الأسعار والدعم النقدي وبرامج الحماية قد انعكست على الصورة النهائية. كما أن الأهم من الرقم الوطني الإجمالي هو توزيع الفقر جغرافيًا واجتماعيًا، لأن المتوسط العام قد يخفي فروقًا واسعة بين محافظات وقطاعات سكانية متعددة.

ومن الناحية السياسية، فإن الحكومة إذا كانت تستعد لعرض حصيلة أعمالها، فإن تقديم بيانات اجتماعية محدثة وقابلة للتحقق سيكون أكثر إقناعًا من أي سرد إنشائي. بل يمكن القول إن الشفافية هنا ليست عبئًا على السلطة التنفيذية، وإنما فرصة لها أيضًا: فإذا كانت المؤشرات قد تحسنت، فإن إعلانها يدعم روايتها. وإذا كانت الضغوط لا تزال مرتفعة، فإن المكاشفة تصبح أساسًا لتصحيح السياسات واستعادة الثقة.

ما الذي ينتظره الرأي العام من هذا الجدل؟

القضية في جوهرها ليست خلافًا حول رقم، بل حول حق المجتمع في المعرفة. المواطن الذي يتحمل كلفة المعيشة يوميًا يريد أن يرى انعكاس ذلك في بيانات رسمية منتظمة، والباحثون يحتاجون أرقامًا حديثة لتقييم السياسات، والبرلمان يحتاجها لممارسة دوره الرقابي بكفاءة. لذلك فإن الاستجابة لهذا السؤال البرلماني، إن حدثت بصورة واضحة ومكتملة، قد تكون أكثر أهمية من السجال السياسي نفسه.

في النهاية، يضع هذا التطور الحكومة أمام اختبار مباشر: قبل الحديث عن الإنجاز، هل ستقدم أحدث صورة رقمية عن الفقر والدخل والإنفاق في مصر؟ بالنسبة لقطاع واسع من المتابعين، هذه ليست مسألة فنية تخص الإحصائيين وحدهم، بل معيار أساسي للحكم على صدقية الخطاب العام حول التنمية والعدالة الاجتماعية.