Akhbar Cairo

سؤال برلماني يفتح ملف حماية بيانات عملاء المحمول في مصر

تحرك برلماني يعيد ملف خصوصية بيانات المحمول إلى الواجهة

عاد ملف حماية بيانات عملاء شركات المحمول إلى صدارة النقاش العام في مصر بعد تحرك برلماني جديد قاده النائب أيمن محسب، عضو مجلس النواب ووكيل اللجنة الاقتصادية، إذ وجّه سؤالًا إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بشأن الضمانات المتاحة لصون بيانات المستخدمين ومنع إساءة استغلالها. وتؤكد البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لمجلس النواب أن أيمن محسب نائب عن دائرة قطاع القاهرة وجنوب ووسط الدلتا، وهو من الأسماء البرلمانية التي تابعت خلال السنوات الماضية ملفات الاقتصاد الرقمي والخدمات التكنولوجية.

التحرك البرلماني يأتي في سياق حساس عالميًا ومحليًا، إذ أصبحت بيانات الهاتف المحمول جزءًا من الاقتصاد الرقمي شديد الحساسية، بما يشمله من أرقام الاتصال، وأنماط الاستخدام، ورسائل العروض الترويجية، والربط المحتمل بين البيانات الشخصية والخدمات التسويقية أو الائتمانية. وفي مصر، سبق أن أثار محسب هذا الملف تحديدًا من خلال طلب إحاطة بشأن بيع بيانات عملاء شركات الاتصالات إلى أطراف أخرى لأغراض تسويقية أو ائتمانية، معتبرًا أن المسألة تمس الخصوصية بشكل مباشر.

ما الذي يطالب به السؤال البرلماني؟

جوهر السؤال، وفق السياق البرلماني المعروف عن الملف، يتمحور حول مدى التزام شركات الاتصالات بحماية البيانات الشخصية للعملاء، وما إذا كانت هناك آليات رقابية فعالة تمنع تداول هذه البيانات خارج حدود الموافقة القانونية الواضحة. كما يطرح التحرك البرلماني تساؤلات بشأن دور وزارة الاتصالات والجهات التنظيمية في متابعة شكاوى المواطنين المتعلقة بالرسائل الترويجية المكثفة أو استخدام البيانات في أغراض لم يوافق عليها المستخدم صراحة.

وتبرز أهمية هذه المطالب في وقت تتسع فيه الخدمات الرقمية المرتبطة بالمحمول، من المحافظ الإلكترونية إلى الاشتراكات والخدمات الترفيهية والمعاملات الحكومية، بما يجعل أمن البيانات عنصرًا محوريًا ليس فقط في حماية الخصوصية، بل أيضًا في الثقة بالتحول الرقمي ككل.

الإطار القانوني: ماذا يقول القانون المصري؟

يستند هذا الجدل إلى قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، الذي صدّق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو 2020. وينص القانون، وفق النصوص والتفسيرات القانونية المنشورة رسميًا، على عدم جواز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها أو إفشائها إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني بالبيانات أو في الأحوال التي يجيزها القانون. كما يمتد نطاق القانون ليشمل حالات متعددة داخل مصر وخارجها متى تعلقت البيانات بمصريين أو مقيمين داخل البلاد.

وتتضمن المنظومة القانونية عقوبات على الانتهاكات المتعلقة بالبيانات. وتشير المراجع القانونية المنشورة إلى أن جمع أو إتاحة أو تداول أو معالجة أو إفشاء أو تخزين البيانات الشخصية الحساسة من دون موافقة صاحبها أو خارج الإطار القانوني قد يعرّض المسؤولين للحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامات مالية تبدأ من 500 ألف جنيه وتصل إلى 5 ملايين جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، بحسب طبيعة المخالفة. كما توجد غرامات أخرى على حالات الامتناع عن تمكين الشخص من ممارسة حقوقه أو جمع البيانات من دون استيفاء الشروط القانونية.

لماذا يتجدد الجدل الآن؟

الملف ليس جديدًا بالكامل، لكن تجدد الحديث عنه يرتبط باتساع شكاوى المستخدمين من الرسائل الدعائية والاتصالات التسويقية غير المرغوبة، إلى جانب تنامي المخاوف من استخدام البيانات في أنشطة تجارية أو احتيالية. وكان النائب أيمن محسب قد تحدث في تصريحات سابقة عن أن بعض العملاء يوافقون داخل العقود على بنود لا ينتبهون إلى آثارها العملية، بما يفتح الباب أمام استخدام البيانات على نطاق أوسع من المتوقع من جانب المستخدم العادي.

هذه النقطة تلامس نقاشًا عالميًا أوسع: هل تكفي الموافقة المكتوبة داخل العقود المطولة لحماية المستهلك فعليًا؟ أم أن المطلوب هو نموذج أكثر وضوحًا وشفافية، يتيح للمستخدم أن يفهم بدقة ما الذي يوافق عليه، ولأي غرض، ولمدة كم، ومع من قد تتم مشاركة بياناته؟ وفي الحالة المصرية، يكتسب السؤال أهمية مضاعفة مع الانتشار الواسع لخدمات الهاتف المحمول واعتماد شرائح كبيرة من السكان عليها في تفاصيل الحياة اليومية.

دور وزارة الاتصالات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات

عمليًا، يقع جزء أساسي من المسؤولية على وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بقيادة الدكتور عمرو طلعت، وعلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، باعتبارهما الجهتين الأبرز في رسم الإطار التنظيمي لقطاع الاتصالات ومتابعة التزام الشركات بالقواعد المعمول بها. ويعرض الموقع الرسمي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات منظومة القوانين والتشريعات المنظمة للقطاع، بما يشمل قواعد حماية المستهلك والتشريعات الرقمية ذات الصلة، وهو ما يمنح الدولة أساسًا قانونيًا يمكن البناء عليه إذا تقرر تشديد الرقابة أو توسيع أدوات المساءلة.

كما أن قانون حماية البيانات الشخصية يلزم المتحكمين والمعالجين للبيانات، حال العلم بوجود خرق أو انتهاك، بإبلاغ الجهة المختصة خلال 72 ساعة، وفق النصوص القانونية المنشورة. وهذه النقطة مهمة لأنها تنقل النقاش من مجرد منع التسريب إلى إدارة الحوادث الرقمية والاستجابة السريعة عند وقوعها.

بين حقوق المستخدمين ومصالح الشركات

من الناحية الاقتصادية، تعتمد شركات الاتصالات عالميًا على البيانات في تحسين الخدمات، وتصميم العروض، وفهم أنماط الاستهلاك. لكن الفارق الحاسم قانونيًا وأخلاقيًا هو ما إذا كان ذلك يتم في حدود موافقة صريحة ومستنيرة، مع وجود حق للمستخدم في المعرفة والاعتراض وسحب الموافقة. وتؤكد الأدبيات الرسمية الصادرة عن مراكز حكومية مصرية أن القانون المصري يفرض مبادئ تتعلق بشرعية جمع البيانات، وأمنها، والاحتفاظ بها للمدة اللازمة فقط، وحق الشخص المعني في الموافقة والتحديث وسحب الإذن في حدود ما يتيحه القانون.

بالنسبة للمستخدم المصري، لا يظل الأمر مجرد نقاش قانوني مجرد؛ بل يرتبط مباشرة بعدد الرسائل غير المرغوبة التي تصله، وحجم البيانات التي يشاركها عند شراء خط جديد أو الاشتراك في خدمة، ومدى وضوح الشروط والأحكام أمامه. ولهذا فإن أي تحرك برلماني في هذا الاتجاه يُقرأ باعتباره ضغطًا باتجاه رفع معايير الشفافية وتحويل حماية الخصوصية من نص قانوني إلى ممارسة يومية قابلة للقياس.

ما المتوقع بعد السؤال البرلماني؟

في العادة، تفتح مثل هذه الأسئلة البرلمانية الباب أمام رد حكومي رسمي أو إحالة الملف إلى اللجان المختصة لمراجعته بصورة أوسع، وقد يمتد ذلك إلى طلبات بإعلان الإجراءات المتخذة ضد أي ممارسات مخالفة، أو توضيح موقف اللائحة التنفيذية وآليات التطبيق العملي والرقابة على شركات القطاع. وبالنظر إلى الاهتمام البرلماني المتكرر من النائب أيمن محسب بملفات الاتصالات والتحول الرقمي، فمن المرجح أن يستمر الضغط المؤسسي على هذا الملف خلال الفترة المقبلة، خصوصًا إذا اقترن بمطالبات مجتمعية أوسع من المستخدمين وخبراء الحقوق الرقمية.

الخلاصة أن قضية تسريب أو تداول بيانات عملاء شركات المحمول لم تعد شأنًا تقنيًا ضيقًا، بل باتت جزءًا من معركة أوسع لحماية الخصوصية في العصر الرقمي. وبين نصوص القانون، وأدوات التنظيم، وسلوك السوق، تبقى الخطوة الأهم هي تحويل الحقوق النظرية إلى حماية ملموسة يشعر بها المواطن في هاتفه اليومي، لا في الأوراق وحدها.