سوريا: الإعدام غيابيًا لبشار الأسد وعاطف نجيب
حكم قضائي غير مسبوق في دمشق
في خطوة تُعد من أبرز التطورات القضائية في سوريا منذ سقوط حكم عائلة الأسد، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026، حكمًا بالإعدام غيابيًا بحق الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، بعد إدانته في ملف يتصل بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وشمل الحكم أيضًا عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، والذي مثل أمام المحكمة في مسار محاكمة ارتبط بملف القمع الذي سبق اندلاع الاحتجاجات السورية في 2011.
وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، فإن الحكم صدر عن المحكمة نفسها التي تنظر في سلسلة قضايا مرتبطة بانتهاكات وقعت خلال سنوات النزاع السوري، فيما اعتبر القاضي فخر الدين العريان أن بشار الأسد استخدم مؤسسات الدولة في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما ذكرت الوكالة أن الحكم يُعد الأول من نوعه بحق الأسد أو أحد المقربين من دائرته الحاكمة منذ انتهاء حكم العائلة بعد نحو خمسة عقود.
ما الذي نعرفه عن القضية؟
الملف الذي انتهى إلى هذا الحكم يرتبط بصورة مباشرة بأحداث درعا، المدينة الجنوبية التي ارتبط اسمها ببدايات الاحتجاجات السورية في مارس 2011. وتحوّل اسم عاطف نجيب إلى أحد أكثر الأسماء تداولًا في ذلك الوقت، بصفته المسؤول الأمني الذي ارتبطت به حملة الاعتقالات والقمع في المحافظة، بما في ذلك قضية اعتقال وتعذيب فتيان كتبوا شعارات مناهضة للحكومة على جدار مدرسة، وهي الواقعة التي أصبحت شرارة لاحتجاجات أوسع لاحقًا.
البيانات الرسمية السورية كانت قد أوضحت في وقت سابق أن أولى جلسات المحاكمة العلنية لرموز النظام السابق انعقدت في 26 أبريل 2026 داخل القصر العدلي في دمشق، برئاسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وبحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي. وفي تلك الجلسة، مَثَل عاطف نجيب حضوريًا، بينما نودي على بشار الأسد وماهر الأسد وآخرين بوصفهم متهمين فارّين من وجه العدالة، لتبدأ إجراءات المحاكمة الغيابية بحقهم وفق الأصول القانونية المعلنة.
من هو عاطف نجيب؟
عاطف نجيب هو ابن خالة بشار الأسد، وشغل سابقًا رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا. وتقول المصادر الرسمية السورية إنه كان مسؤولًا عن حملات القمع والاعتقال في بدايات الاحتجاجات. كما أشارت وكالة الأنباء السورية الرسمية إلى أنه أُدرج على قوائم العقوبات الأمريكية في 29 أبريل 2011، وعلى قوائم العقوبات الأوروبية في 9 مايو 2011، على خلفية اتهامات تتصل بانتهاكات بحق المدنيين.
وفي 31 يناير 2025، أعلنت السلطات السورية القبض عليه في اللاذقية وتحويله إلى الجهات المختصة تمهيدًا لمحاكمته، ليصبح من أعلى المسؤولين الأمنيين السابقين الذين مَثلوا أمام القضاء داخل سوريا في هذا المسار.
العدالة الانتقالية في سوريا: ماذا يجري؟
القضية لا تُقرأ فقط كحكم جنائي ضد شخصيات بعينها، بل كجزء من مسار العدالة الانتقالية الذي تقول السلطات السورية الجديدة إنها تعمل على ترسيخه بعد انهيار النظام السابق في ديسمبر 2024. ووفق تصريحات للمحامي العام بدمشق حسام خطاب، فإن المحاكمات العلنية لرموز النظام السابق تمثل حدثًا استثنائيًا، هدفه تحريك دعوى الحق العام وملاحقة الانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين ضمن إجراءات قضائية معلنة.
وتشير التغطيات الرسمية إلى أن محكمة الجنايات الرابعة خُصص لها دور محوري في هذا المسار، مع جلسات متتابعة تخص شخصيات أخرى من النظام السابق، من بينها وسيم الأسد وأحمد حسون. كما أظهرت جلسات سابقة أن المحكمة قررت تثبيت غياب عدد من المتهمين الفارين، وعلى رأسهم بشار وماهر الأسد، والسير بمحاكمتهم غيابيًا، إلى جانب تجريدهم من الحقوق المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة، وفق ما نُشر رسميًا في يونيو ويوليو 2026.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
بالنسبة إلى القارئ في مصر، فإن ما يحدث في سوريا لا يظل شأنًا داخليًا سوريًا فقط، بل يرتبط مباشرة بتحولات الإقليم العربي وشرق المتوسط وشمال أفريقيا. أي تقدم في ملفات المحاسبة والعدالة داخل سوريا ستكون له تداعيات على ملفات اللاجئين، وإعادة الإعمار، والعلاقات العربية مع دمشق، وموازين القوى الإقليمية. كما أن متابعة هذا النوع من الأحكام تكتسب أهمية خاصة في سياق أوسع يهم المنطقة كلها: كيف تتعامل الدول الخارجة من النزاعات مع إرث الانتهاكات الجسيمة؟
ومن زاوية سياسية أوسع، فإن صدور حكم بالإعدام غيابيًا بحق بشار الأسد يضع مسألة تنفيذ الأحكام في صلب النقاش. فالرجل، بحسب أسوشيتد برس، فرّ مع شقيقه ماهر الأسد إلى روسيا بعد سقوط الحكومة في ديسمبر 2024، وحصل هناك على لجوء سياسي، بينما تطالب السلطات السورية الجديدة بتسليمهما. وهذا يعني أن الحكم، رغم ثقله الرمزي والقانوني، يواجه تحديًا عمليًا يتعلق بمكان وجود المحكوم عليه وإمكانات تسليمه.
ما أهمية الحكم قانونيًا وسياسيًا؟
- أولًا: لأنه أول حكم من هذا المستوى يصدر داخل سوريا بحق بشار الأسد نفسه.
- ثانيًا: لأنه يربط بين الانتهاكات الأمنية في درعا وبدايات الحرب السورية التي استمرت 14 عامًا.
- ثالثًا: لأنه يختبر قدرة مؤسسات الدولة السورية الجديدة على تحويل شعار العدالة الانتقالية إلى مسار قضائي فعلي.
- رابعًا: لأنه قد يفتح الباب أمام ملفات أخرى تخص مسؤولين أمنيين وعسكريين سابقين.
بين الرمزية والتنفيذ
من المبكر الجزم بما إذا كان هذا الحكم سيتحول إلى إجراء قابل للتنفيذ على الأرض، لكن المؤكد أنه يحمل قيمة سياسية وقانونية كبيرة. فهو يبعث برسالة إلى الضحايا وذويهم بأن الملفات التي ظلت لسنوات بلا حسم بدأت تدخل طور المحاسبة القضائية، حتى لو كان بعض المتهمين خارج البلاد.
كما أن الحكم يعيد تسليط الضوء على درعا، التي لا تزال حاضرة في الذاكرة العربية باعتبارها نقطة البداية في واحدة من أكثر الحروب دموية في المنطقة خلال العقود الأخيرة. ووفق تقدير أسوشيتد برس، فإن النزاع السوري الذي تلا تلك الأحداث خلّف نحو نصف مليون قتيل قبل أن ينتهي بإطاحة الأسد في هجوم خاطف للمعارضة المسلحة أواخر 2024.
خلاصة المشهد
الحكم بالإعدام غيابيًا على بشار الأسد وعاطف نجيب ليس مجرد خبر قضائي عابر، بل علامة على مرحلة سورية جديدة تحاول فيها مؤسسات الدولة إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقانون بعد سنوات الحرب. وبينما يبقى التنفيذ العملي رهينًا بالتطورات السياسية والدبلوماسية، فإن دلالة الحكم في حد ذاتها كبيرة: للمرة الأولى، يقف اسم بشار الأسد في حكم صادر من محكمة سورية بوصفه مدانًا في جرائم كبرى مرتبطة بالحرب والانتهاكات الواسعة.
وبالنسبة للمتابع المصري والعربي، فإن هذا التطور يستحق المتابعة الدقيقة، لا فقط لأن سوريا دولة شقيقة في قلب المشرق، بل لأن ما يجري فيها قد يتحول إلى نموذج إقليمي في كيفية إدارة ملفات ما بعد النزاع: بين مطلب العدالة، وتعقيدات السياسة، وصعوبة إغلاق جراح امتدت لأكثر من عقد.