Akhbar Cairo

سوريا وروسيا تعيدان رسم وضع حميميم وطرطوس باتفاق جديد

اتفاق جديد يعيد ترتيب الوجود الروسي على الساحل السوري

دخلت العلاقات السورية الروسية مرحلة جديدة بعد إعلان دمشق، يوم الأحد 9 أغسطس/آب 2026، التوصل إلى اتفاق مع موسكو بشأن مستقبل قاعدتي حميميم قرب اللاذقية وطرطوس على البحر المتوسط. وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس نقلاً عن بيان لوزارة الخارجية السورية، فإن التفاهم الجديد ينص على أن تتولى الدولة السورية إدارة قاعدة حميميم والرصيف التجاري في ميناء طرطوس ضمن الإطار المدني، بينما تتحول المنشآت العسكرية في الموقعين إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل. كما وصف البيان هذه الخطوة بأنها إعادة تنظيم للوجود الروسي على الساحل السوري، مع مهلة تنفيذ تبلغ ثلاثة أشهر.

أهمية الخبر لا تتوقف عند البعد الثنائي بين دمشق وموسكو، بل تمتد إلى التوازنات الإقليمية في شرق المتوسط، وهي منطقة تهم القارئ المصري مباشرة، سواء من زاوية أمن الملاحة أو من زاوية التحولات الأوسع في خرائط النفوذ على السواحل المقابلة للمنطقة العربية. فالساحل السوري ظل لسنوات نقطة ارتكاز أساسية لروسيا، وتحويل دوره من تمركز عسكري مباشر إلى صيغة تدريب وتأهيل يحمل دلالات سياسية وعسكرية أوسع.

ما الذي تغيّر فعلياً في حميميم وطرطوس؟

وفق التفاصيل المعلنة، ستعود المنشآت ذات الطابع المدني في قاعدة حميميم إلى الإدارة السورية، كما سيصبح الرصيف التجاري في ميناء طرطوس تحت إشراف سوري مدني. أما الجزء العسكري في الموقعين فسيتحول إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، وهي صيغة توحي باستمرار شكل من أشكال التعاون بين البلدين، لكن ضمن نطاق أضيق من الوجود العسكري التقليدي الذي طبع سنوات الحرب.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد قال في مقابلة نشرتها وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا يوم 27 يوليو/تموز 2026 إن الاتصالات مع موسكو أفضت إلى حصر الوجود العسكري الروسي في قاعدة حميميم وجزء من منشأة طرطوس، مع استمرار النقاشات حول مستقبل هاتين القاعدتين. هذا التصريح بدا، في حينه، مؤشراً واضحاً إلى أن دمشق تتجه إلى إعادة صياغة العلاقة العسكرية مع روسيا بدلاً من القطيعة الكاملة معها.

لماذا يُعد الاتفاق مهماً الآن؟

منذ الإطاحة ببشار الأسد في 2024، بقي مصير الوجود الروسي في سوريا موضوعاً مفتوحاً على احتمالات عدة. روسيا كانت الحليف العسكري والسياسي الأبرز للنظام السابق خلال سنوات الحرب، واعتمدت بصورة كبيرة على قاعدتي حميميم وطرطوس كمنصتين رئيسيتين لنشاطها في شرق المتوسط. لكن الترتيبات الجديدة تعكس مقاربة سورية مختلفة تسعى إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع موسكو، مع تقليص الطابع العسكري المباشر وإخضاع الملفات السيادية لإدارة سورية أوضح.

وبالنسبة لمصر، يكتسب هذا التطور أهمية إضافية لأن أي إعادة توزيع للنفوذ العسكري على الساحل الشرقي للمتوسط قد تكون له آثار على البيئة الأمنية واللوجستية في الإقليم ككل. كما أن طرطوس وحميميم كانتا تمثلان خلال السنوات الماضية عقدتين محوريتين في التحركات الروسية المرتبطة بالمتوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يربط هذا الملف عملياً بقضايا أوسع داخل الدائرة الإقليمية التي تتابعها القاهرة باهتمام.

سياق تفاوضي استمر نحو عام ونصف

بيان الخارجية السورية، بحسب ما نقلته أسوشيتد برس، أشار إلى أن الاتفاق يمثل أبرز تطور منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف. وهذه الإشارة مهمة لأنها تعني أن التفاهم لم يأتِ فجأة، بل هو نتيجة مسار تفاوضي طويل جرى خلاله اختبار أكثر من صيغة لمستقبل القاعدتين.

كما لفتت الوكالة إلى أن روسيا لم تصدر تعليقاً فورياً على الإعلان السوري في الساعات الأولى. وفي المقابل، كانت دمشق قد حرصت خلال الشهور الأخيرة على إرسال رسائل متدرجة: لا قطيعة شاملة مع موسكو، لكن لا استمرار تلقائي أيضاً للوضع الذي كان قائماً قبل 2024. هذا التوازن ينسجم مع خطاب الشرع حول انتهاج سياسة خارجية تقوم على إعادة الإعمار والاستقرار والعلاقات المتوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.

ما موقع طرطوس في الحسابات الإقليمية؟

طرطوس ليست مجرد مدينة ساحلية سورية؛ بل تعد من أهم الموانئ السورية على المتوسط، وكان المرفق الروسي فيها لفترة طويلة نقطة إسناد بحرية ذات قيمة استراتيجية. وخلال الأشهر الماضية، ظهرت تكهنات متكررة بشأن احتمال تشغيل ترتيبات لوجستية وتجارية روسية في الميناء. غير أن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية نفت رسمياً في 9 يوليو/تموز 2026 ما تردد عن تشغيل روسيا مركزاً لوجستياً تجارياً في ميناء طرطوس، مؤكدة أن أي اتفاقات تخص الموانئ تعلن فقط عبر القنوات الرسمية.

هذا النفي السابق يكتسب أهمية عند قراءة الاتفاق الحالي، لأنه يكشف أن دمشق كانت حريصة على ضبط السردية المتعلقة بمستقبل الميناء وعدم تركها رهينة لتقارير غير مؤكدة. والنتيجة الآن أن الرصيف التجاري سيخضع للإدارة السورية المدنية، وهو تفصيل يعزز فكرة استعادة الدولة السورية لقدر أكبر من السيطرة الإدارية والاقتصادية على هذا المرفق.

حميميم من قاعدة عمليات إلى مركز تدريب

أما قاعدة حميميم قرب اللاذقية، فقد كانت خلال الحرب واحدة من أبرز نقاط الارتكاز الروسية في سوريا. الموقع الجغرافي للقاعدة على الساحل منحها قيمة عملياتية كبيرة، سواء في المجال الجوي أو في ربط التحركات الروسية في المتوسط. لكن تحويلها إلى مركز تدريب وتأهيل مشترك يعني عملياً انتقالها من وظيفة قتالية صريحة إلى دور أقرب إلى بناء القدرات والتنسيق الفني.

هذه النقلة قد تتيح لدمشق الحفاظ على خبرات وتعاون عسكري من دون الإبقاء على الصورة القديمة لقاعدة أجنبية تعمل بكامل نموذجها العملياتي. ومن زاوية إقليمية، فإن هذا التحول قد يُقرأ باعتباره جزءاً من إعادة تعريف الوجودات العسكرية الخارجية في المنطقة، لا سيما في الدول الخارجة من نزاعات طويلة.

كيف تنظر دمشق إلى العلاقة مع موسكو؟

في تصريحات سانا أواخر يوليو/تموز، شدد أحمد الشرع على أن سوريا تريد الحفاظ على الجوانب من العلاقة التاريخية مع روسيا التي تخدم المصلحة السورية، مع إعادة تعريف هذه العلاقة وتصحيح مسارها. وهذه الصياغة تختصر فلسفة الاتفاق الجديد: لا إلغاء للعلاقة، ولا إبقاء غير مشروط على ترتيبات الماضي.

ومن منظور سياسي، يبدو أن القيادة السورية الجديدة تحاول إظهار قدرتها على التفاوض مع القوى الدولية من موقع الدولة الساعية إلى استعادة السيادة وإعادة الإعمار، وليس من موقع الارتهان العسكري. لذلك يأتي ملف حميميم وطرطوس كاختبار مهم لمدى نجاح دمشق في تحقيق هذا التوازن.

ماذا يعني ذلك لمحيط المنطقة؟

بالنسبة لملف “أفريقيا” بالمعنى التحريري الواسع المرتبط بامتدادات مصر الإقليمية، فإن أي تغيير في وضع القواعد الروسية على المتوسط الشرقي يستحق المتابعة. فهذه القواعد ارتبط اسمها على مدى سنوات بخطوط إمداد وحركة روسية عابرة للإقليم، وبعض التقديرات ربطتها أيضاً بدوائر النشاط الروسي الأوسع في البحر المتوسط وشمال أفريقيا. لذلك فإن تقليص وظيفتها العسكرية المباشرة قد تكون له انعكاسات تتجاوز الساحة السورية وحدها.

وفي الوقت نفسه، لا يعني الاتفاق خروجاً روسياً كاملاً من المشهد السوري، بل إعادة تموضع بصيغة أقل صدامية وأكثر مؤسسية. وهذا الفارق مهم في قراءة المرحلة المقبلة: هل تصبح مراكز التدريب المشتركة إطاراً انتقالياً فقط، أم نموذجاً دائماً لعلاقة سورية روسية جديدة؟

خلاصة المشهد

الاتفاق المعلن في 9 أغسطس/آب 2026 بين سوريا وروسيا يضع قاعدتي حميميم وطرطوس أمام وظيفة جديدة عنوانها التدريب والتأهيل المشترك بدلاً من الاستخدام العسكري الروسي المباشر الذي طبع السنوات الماضية. وبين استعادة الإدارة السورية للمنشآت المدنية في حميميم والرصيف التجاري في طرطوس، وبين استمرار التعاون مع موسكو في الإطار التدريبي، تبدو دمشق وكأنها ترسم ملامح مرحلة أكثر حرصاً على السيادة وأقل اعتماداً على الصيغ العسكرية القديمة.

بالنسبة للقارئ المصري، يظل هذا التطور جزءاً من صورة أوسع: إعادة ترتيب موازين القوى على المتوسط، وتبدل أدوار الفاعلين الخارجيين في جوار عربي وأفريقي شديد الحساسية. ومن هنا، فإن مستقبل حميميم وطرطوس لن يكون شأناً سورياً روسياً فقط، بل مؤشراً إقليمياً يستحق المتابعة الدقيقة في الشهور المقبلة.