Akhbar Cairo

سويلم: تصريحات إثيوبية تكشف هدف التحكم في مياه النيل

تصريحات جديدة تعيد ملف سد النهضة إلى الواجهة

عاد ملف سد النهضة إلى صدارة النقاش في مصر بعد تصريحات أدلى بها الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، اعتبر فيها أن الخطاب الإثيوبي شهد تحولًا مهمًا، بعدما تضمن حديثًا مباشرًا عن التحكم في المياه المتجهة إلى دولتي المصب، مصر والسودان. ويرى الوزير أن هذا التطور لا يتعلق فقط بتغيير في صياغة التصريحات، بل يكشف — من وجهة النظر المصرية — طبيعة الهدف الفعلي من السدود المقامة على النيل الأزرق، بعيدًا عن الطرح التقليدي الذي ربطها حصريًا بالتنمية وتوليد الكهرباء.

ويشغل هذا الملف أهمية استثنائية داخل مصر، في ظل الاعتماد الكبير على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه. وتؤكد وزارة الموارد المائية والري أن حصة مصر السنوية الثابتة من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، بينما تشير بيانات رسمية مصرية إلى تزايد الفجوة بين الموارد المائية والاحتياجات مع الزيادة السكانية وتغير المناخ.

ماذا قال هاني سويلم؟

بحسب تصريحات الوزير الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، فإن الحديث الإثيوبي الأخير بشأن التحكم في المياه المتجهة إلى مصر والسودان يمثل إقرارًا شديد الدلالة، لأنه يختلف عن الرواية التي رُوجت لسنوات باعتبار السد مشروعًا تنمويًا لتوليد الكهرباء فقط. وأوضح الوزير أن هذا النوع من التصريحات ينسجم مع المخاوف التي أعلنتها القاهرة مرارًا منذ بداية الأزمة، وهي أن القضية لا تتوقف عند إنشاء سد كهرومائي، بل تمتد إلى قواعد الملء والتشغيل وتأثير القرارات الأحادية على تدفقات النهر إلى دولتي المصب.

وفي مداخلات وتصريحات إعلامية نُشرت في 20 سبتمبر 2026، شدد سويلم على أن مصر ليست ضد التنمية في إثيوبيا أو ضد إنشاء السدود من حيث المبدأ، لكنها تتمسك بضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل السد ويضمن التنسيق وتبادل البيانات، بما يمنع الإضرار بالمصالح المائية لمصر والسودان.

لماذا تعتبر القاهرة هذه التصريحات خطيرة؟

من المنظور المصري، تكمن خطورة التصريحات في أنها تعطي بُعدًا سياسيًا وإجرائيًا لإدارة المياه العابرة للحدود. فحين يتحول الحديث من إنتاج الكهرباء إلى التحكم في المياه، فإن ذلك يعني عمليًا أن دولة المنبع قد تستخدم توقيتات التخزين والإطلاق كأداة تؤثر على الأمن المائي والزراعي لدول المصب.

وترى القاهرة أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بكمية المياه، بل أيضًا بتوقيت مرورها، وسرعة الإطلاق أو الحجز، ومدى وجود آلية شفافة لتبادل المعلومات. وقد أشار سويلم في أكثر من مناسبة إلى أن الإدارة الأحادية قد تفضي إلى ما وصفه بـ"جفاف صناعي" أو "فيضان صناعي"، وهي أوضاع تنتج عن قرارات تشغيل بشرية مفاجئة تؤثر على المنشآت المائية وعلى انتظام الإمدادات downstream، خاصة في السودان، ثم مصر.

خلفية الأزمة بعد افتتاح السد رسميًا

تزداد حساسية الملف بعد التطورات التي شهدها العام الماضي، إذ أُعلن رسميًا افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير في 9 سبتمبر 2025 بحضور عدد من القادة الأفارقة، وفق ما نشرته وسائل إعلام إثيوبية ووثائق أممية لاحقة. وبعد الافتتاح، استمر الجدل حول مستقبل إدارة السد، خصوصًا في ظل غياب اتفاق نهائي ملزم بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن قواعد التشغيل أثناء فترات الجفاف والجفاف الممتد.

وتقول مصر إن سنوات التفاوض الطويلة لم تؤدِّ إلى تسوية تضمن مصالح الأطراف الثلاثة. وفي تصريحات نُقلت في سبتمبر 2026، وصف سويلم مسار التفاوض السابق بأنه وصل إلى طريق مسدود بعد سنوات من النقاش دون نتائج كافية من وجهة النظر المصرية، مع استمرار الإجراءات الأحادية على النيل الأزرق.

الأمن المائي المصري في قلب القضية

تمثل أزمة السد امتدادًا مباشرًا لملف الأمن المائي المصري. فوزارة الري تؤكد أن الموارد المائية المتجددة في مصر محدودة، وأن الدولة تعتمد بدرجة حاسمة على مياه النيل. وتوضح بيانات رسمية للوزارة أن نصيب الفرد من المياه في مصر تراجع إلى نحو 500 متر مكعب سنويًا، وهو مستوى يقع تحت خط الندرة المائية الحادة.

وفي هذا السياق، تحاول الدولة المصرية إدارة الضغوط المائية عبر عدة مسارات متوازية، من بينها التوسع في إعادة استخدام المياه، وإنشاء محطات معالجة كبرى، وتحديث أنظمة الري، وتعزيز أدوات الرصد والتشغيل. كما تطرح الحكومة خطابًا ثابتًا يقوم على أن حماية الحقوق المائية المصرية لا تنفصل عن دعم الاستقرار الإقليمي والالتزام بقواعد القانون الدولي للمياه.

أبرز النقاط التي تستند إليها القاهرة

  • رفض الإجراءات الأحادية في ملء وتشغيل السد.
  • المطالبة باتفاق قانوني ملزم بين الدول الثلاث.
  • التأكيد على أن مصر لا تعارض التنمية أو توليد الكهرباء في إثيوبيا.
  • التحذير من غياب تبادل البيانات وتأثيره على إدارة المياه والسدود.
  • التمسك بحقوق مصر والسودان في نهر دولي مشترك.

من هو هاني سويلم؟

الدكتور هاني سويلم يتولى حقيبة الموارد المائية والري في مصر، وهو أستاذ متخصص في الهيدرولوجيا وإدارة الموارد المائية، وشارك ضمن الفريق الفني الداعم للمفاوضات المتعلقة بسد النهضة بين 2018 و2021، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة. ويقود الوزير ما تسميه الوزارة الجيل الثاني لمنظومة الري 2.0، وهي رؤية تركز على الإدارة الذكية للمياه، والتحول الرقمي، وتعظيم الاستفادة من كل مورد مائي متاح.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا البعد لا تنبع فقط من الخبرة الفنية للوزير، بل من كون الملف نفسه يمس الزراعة، والغذاء، ومياه الشرب، والاستقرار الاقتصادي في بلد يتجاوز عدد سكانه 110 ملايين نسمة.

ما المتوقع في المرحلة المقبلة؟

حتى الآن، لا تشير المؤشرات المعلنة إلى انفراجة قريبة في الملف، لكن التصريحات الأخيرة تضيف عنصرًا جديدًا إلى الجدل القائم، لأنها تمنح القاهرة فرصة لإعادة التأكيد على أن جوهر الأزمة هو التحكم في تدفقات المياه وليس مجرد بناء منشأة لتوليد الطاقة. ومن المرجح أن تستمر مصر في الدفع دبلوماسيًا وقانونيًا باتجاه تثبيت مبدأ الاتفاق الملزم، مع مواصلة خططها الداخلية لتقليل آثار الشح المائي ورفع كفاءة إدارة الموارد.

وبينما يبقى سد النهضة قضية إقليمية معقدة، فإن الرسالة المصرية تبدو واضحة: التنمية حق مشروع، لكن إدارة الأنهار الدولية لا يمكن أن تقوم على فرض الأمر الواقع أو على قرارات أحادية تمس حقوق شعوب تعتمد على النهر في حياتها اليومية. ومن هنا تأتي حساسية تصريحات سويلم الأخيرة، التي وضعت النقاش مجددًا في صلب معادلة المياه والسيادة والأمن القومي بالنسبة لمصر.