Akhbar Cairo

سيئول: بيونغ يانغ زرعت 960 ألف لغم على الحدود منذ 2024

تصعيد حدودي جديد يعيد ملف الألغام إلى الواجهة

كشفت تقديرات عسكرية قُدمت إلى الجمعية الوطنية في سيئول يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026 أن كوريا الشمالية زرعت نحو 960 ألف لغم أرضي على امتداد الحدود مع كوريا الجنوبية منذ عام 2024، في مؤشر جديد على تسارع وتيرة التحصين العسكري في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الأرقام لا تعكس مجرد تفصيل عسكري محلي في شرق آسيا، بل تعطي صورة أوضح عن حجم المخاطر الكامنة في شبه الجزيرة الكورية، حيث يكفي حادث محدود على خط التماس لإشعال أزمة إقليمية ذات أصداء دولية.

وبحسب ما نقلته وكالة يونهاب الكورية عن مشرعين ينتمون إلى لجنتي الدفاع والاستخبارات في البرلمان الكوري الجنوبي، فإن هذا التقدير صدر عن الجيش الكوري الجنوبي ضمن إحاطة رسمية للنواب. وتربط سيئول هذه التحركات بخطة أوسع تنفذها بيونغ يانغ منذ أبريل 2024 لتشديد الدفاعات على الحدود، بعد تحول سياسي حاد أعلنه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون باعتبار العلاقة مع الجنوب علاقة بين "دولتين معاديتين".

لماذا تزرع بيونغ يانغ هذا الكم من الألغام؟

القراءة السائدة في كوريا الجنوبية ترى أن زرع الألغام لا يجري كإجراء منفصل، بل كجزء من مشروع ميداني متكامل يشمل أسلاكاً شائكة وحواجز مضادة للدبابات وتعزيزات على طول خط ترسيم الحدود العسكرية داخل المنطقة المنزوعة السلاح. هذه المنطقة، المعروفة اختصاراً باسم DMZ، تمتد لنحو 248 كيلومتراً ويبلغ عرضها قرابة 4 كيلومترات، ورغم اسمها، تُعد من أكثر الحدود تسليحاً في العالم.

مصادر عسكرية وخبراء في سيئول يقدّرون أن العدد الإجمالي للألغام المزروعة داخل المنطقة المنزوعة السلاح وعلى أطرافها يتجاوز مليوني لغم، تشمل ألغاماً زرعها الجانبان على مدى عقود. كما سبق أن أعلن وزير الوحدة الكوري الجنوبي جونغ دونغ-يونغ رقماً مشابهاً خلال جلسة تدقيق برلمانية في وقت سابق من أكتوبر، ما يعزز الانطباع بأن الملف لم يعد مجرد نشاط هندسي على الحدود، بل عنصر ضغط أمني وسياسي مباشر.

حادثة سبتمبر التي فجّرت الجدل

الجدل تصاعد بشدة بعد انفجارين وقعا يوم 21 سبتمبر 2026 داخل المنطقة المنزوعة السلاح، وأسفرا عن إصابة ثلاثة جنود كوريين جنوبيين، بينهم اثنان وُصفت إصابتهما بالخطيرة. ووفق ما أعلنته هيئة الأركان المشتركة في سيئول لاحقاً، فإن التحقيق المشترك مع قيادة الأمم المتحدة خلص إلى أن السبب يعود إلى ألغام مضادة للأفراد زرعتها كوريا الشمالية جنوب خط ترسيم الحدود العسكرية.

هذا الاستنتاج كان له وقع سياسي وعسكري كبير، لأن وجود ألغام شمالية جنوب الخط الفاصل يُنظر إليه في سيئول بوصفه انتهاكاً لاتفاق الهدنة الذي أنهى القتال في الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953 من دون أن يتحول إلى معاهدة سلام نهائية. وفي أعقاب ذلك، طالبت كوريا الجنوبية بيونغ يانغ بتقديم اعتذار واتخاذ إجراءات لمنع تكرار الحوادث، كما باشرت القوات الجنوبية عمليات إزالة ألغام في محيط موقع الانفجار.

رد كوريا الشمالية ومخاطر المواجهة

في المقابل، نفت بيونغ يانغ مسؤوليتها عن الانفجارات، ووصفت الاتهامات الجنوبية بأنها محاولة لتلفيق رواية سياسية ضدها. كما لوّحت شخصيات نافذة في النظام الكوري الشمالي، من بينها كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، بإجراءات مضادة إذا استمرت سيئول في ما تعتبره استفزازات على الحدود. وتحدثت تقارير دولية خلال الأيام الماضية عن تهديدات باستئناف الدعاية عبر مكبرات الصوت ونشر وسائل عسكرية إضافية قرب خط التماس.

وتكمن الخطورة هنا في أن حدود الكوريتين لا تشهد فقط وجود الألغام، بل أيضاً احتكاكات متكررة مرتبطة بأعمال التحصين والتحرك العسكري. فقد أفادت سيئول بأن قوات كورية شمالية اقتربت من خط ترسيم الحدود العسكرية أو تجاوزته مرات عدة خلال أعمال البناء والتحصين، ما دفع الجيش الجنوبي إلى توجيه إنذارات صوتية وإطلاق طلقات تحذيرية وفق قواعد الاشتباك المعمول بها.

ما الذي يعنيه ذلك إقليمياً ودولياً؟

التطورات الأخيرة تعكس اتجاهاً أوسع في سياسة بيونغ يانغ منذ 2024، يقوم على تقليص أي مساحة للتقارب مع الجنوب، وربط أمن النظام الكوري الشمالي بخط دفاعي أكثر تشدداً على الحدود. وهذا التحول يهم المتابع العربي والمصري تحديداً لأن أي تصعيد في شبه الجزيرة الكورية لا يبقى محصوراً داخل شرق آسيا، بل يمتد أثره إلى الأسواق الدولية، وحركة التحالفات، وأجندة مجلس الأمن، خاصة مع تداخل الملف الكوري الشمالي مع قضايا السلاح النووي والعقوبات الدولية.

ومن الناحية العملية، فإن تضخم أعداد الألغام يزيد من تعقيد أي احتمال مستقبلي لخفض التوتر أو استئناف الحوار بين الكوريتين. فالألغام ليست مجرد وسيلة ردع، بل عقبة طويلة الأمد أمام الدوريات المشتركة، وعمليات المراقبة، وحتى أي ترتيبات أمنية محتملة في المستقبل. كما أن اتساع رقعة التلغيم يرفع مخاطر الحوادث غير المقصودة، سواء للجنود أو في المناطق القريبة من مجاري المياه التي قد تنقل بعض المتفجرات بفعل الفيضانات.

حدود ملغمة وسياسة أشد صلابة

الرقم الذي أعلن في سيئول، أي 960 ألف لغم منذ 2024، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحول الأيديولوجي والسياسي في خطاب كوريا الشمالية تجاه الجنوب. فبعد سنوات من المراوحة بين التهديد والتهدئة، يبدو أن بيونغ يانغ انتقلت إلى مقاربة تعتبر الفصل العدائي الدائم خياراً استراتيجياً، وهو ما ينعكس ميدانياً في تحويل الحدود إلى شريط أكثر تحصيناً وخطورة.

وفي ظل غياب معاهدة سلام نهائية بين الكوريتين، واستمرار الشكوك المتبادلة، فإن أي لغم جديد يُزرع على امتداد المنطقة المنزوعة السلاح لا يمثل مجرد إضافة رقمية إلى خرائط الجيش، بل رسالة سياسية وأمنية تقول إن التهدئة لا تزال بعيدة. وبينما تراقب العواصم الكبرى هذا المسار بحذر، تبقى شبه الجزيرة الكورية ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد، مهما بدا المشهد ساكناً من بعيد.

  • التقدير العسكري: نحو 960 ألف لغم زرعتها كوريا الشمالية منذ 2024.
  • تاريخ الإعلان: الجمعة 23 أكتوبر 2026.
  • الحادث الأبرز: إصابة 3 جنود كوريين جنوبيين في انفجارين يوم 21 سبتمبر 2026.
  • إجمالي الألغام المقدّر في المنطقة: أكثر من مليوني لغم من الجانبين.
  • طول المنطقة المنزوعة السلاح: نحو 248 كيلومتراً.