شراكة مصرية كورية جديدة تدفع التعاون الدفاعي إلى الأمام
مصر وكوريا الجنوبية ترفعان مستوى العلاقات وتوسّعان التعاون الدفاعي
دخلت العلاقات المصرية الكورية الجنوبية مرحلة جديدة بعد إعلان البلدين، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026 في العاصمة الكورية سول، الارتقاء بها إلى شراكة استراتيجية، في خطوة حملت دلالات سياسية واقتصادية ودفاعية واضحة بالنسبة للقاهرة. وجاء الإعلان خلال زيارة الدولة التي يجريها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية بين 7 و9 أكتوبر 2026، بدعوة من الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ.
الشق الأبرز بالنسبة للمتابع المصري كان ما أعلنه الرئيس الكوري بشأن الاتفاق مع الرئيس السيسي على التوسع في الصناعات الدفاعية المشتركة، مع تأكيده السعي إلى دعم قدرات الجيش المصري. هذا الطرح لم يأتِ بمعزل عن سياق أوسع، بل ضمن بيان رسمي مشترك صدر عن الرئاسة المصرية أكد استمرار التعاون في قطاع الدفاع والعمل على تحقيق مزيد من التقدم في التعاون في الصناعات الدفاعية.
ما الذي أُعلن رسميًا في سول؟
البيان المشترك الصادر عن الرئاسة المصرية أوضح أن البلدين اتفقا على نقل العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مع توسيع التعاون في عدة مسارات تشمل الدفاع، والاقتصاد، والاستثمار، والتصنيع، والطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، فضلًا عن دعم توطين الصناعة وتعزيز الاستثمارات.
وفي بند التعاون الدفاعي على وجه التحديد، جاء النص واضحًا في الترحيب باستمرار التعاون القائم، مع تعهد الجانبين بمواصلة السعي إلى إحراز تقدم إضافي في الصناعات الدفاعية. أما في المؤتمر الصحفي المشترك، فقد برزت الإشارة السياسية المباشرة من الرئيس الكوري إلى الاتفاق مع الرئيس السيسي على توسيع هذا المسار، إلى جانب زيادة التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري.
لماذا يهم هذا التطور مصر؟
بالنسبة لمصر، فإن أي توسع في التعاون الدفاعي مع كوريا الجنوبية يرتبط عمليًا بهدفين أساسيين: تنويع الشراكات العسكرية، وتعميق التصنيع المحلي. وخلال السنوات الأخيرة، ركزت القاهرة بصورة متزايدة على نقل التكنولوجيا، ورفع نسبة المكون المحلي، وبناء قدرات إنتاجية داخلية في الصناعات ذات الطابع الاستراتيجي.
هذا التوجه ظهر بوضوح في أكثر من محطة سابقة بين الجانبين، أبرزها التعاون المرتبط بمنظومة المدفعية K9A1 EGY. وكانت وزارة الدفاع المصرية قد أعلنت في فبراير 2022 توقيع مذكرات تفاهم وعقود تسليح مع الجانب الكوري الجنوبي، شملت الترتيب لتدبير وتصنيع مشترك لمنظومة الهاوتزر K9A1 EGY محليًا داخل شركات ومصانع الهيئة القومية للإنتاج الحربي بالتعاون مع شركة هانوا الكورية الجنوبية.
وفي 2026 أيضًا، أعادت الجهات المصرية الرسمية التأكيد على أن مشروع K9A1 EGY يمثل نموذجًا ناجحًا للتعاون الصناعي بين البلدين، خصوصًا من زاوية نقل التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي، وهي نقطة تحظى باهتمام مباشر داخل مصر، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الرأي العام المتابع لملف الصناعة العسكرية.
خلفية الزيارة: مسار متصاعد منذ 2025
التحرك الحالي لا يمكن فصله عن الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين القاهرة وسول خلال الفترة الأخيرة. فالرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ زار مصر في 20 نوفمبر 2025، في زيارة وصفتها المصادر الرسمية بأنها الأولى له إلى القاهرة منذ توليه المنصب في يونيو 2025، وتزامنت مع مرور 30 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وخلال تلك الزيارة، شهد الرئيسان توقيع عدد من اتفاقات ومذكرات التفاهم في مجالات بينها الثقافة والتعليم، مع بحث توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري. ثم تواصل الزخم السياسي في 2 يونيو 2026 مع عقد الدورة الأولى للحوار الاستراتيجي بين وزيري خارجية البلدين في سول، قبل أن تأتي زيارة السيسي الحالية لتترجم هذا المسار إلى شراكة أرفع مستوى.
التعاون لا يقتصر على الدفاع
ورغم أن ملف الصناعات العسكرية تصدّر العناوين، فإن الصورة الأوسع تشير إلى أجندة أكثر تنوعًا. البيان المشترك تحدث عن إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، كما أشار إلى مجالات تعاون واعدة تشمل صناعة السفن، والمركبات الكهربائية، والطاقة، والبنية التحتية، والتقنيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمحور جاذب للاستثمارات والتصنيع.
وهذه النقاط تهم القارئ المصري لأن الجانب الاقتصادي هنا ليس منفصلًا عن الشق الدفاعي. ففي كثير من الحالات، يرتبط توطين الصناعات المتقدمة بوجود قاعدة صناعية أوسع، وسلاسل إمداد أكثر تطورًا، وشراكات تقنية تسمح بزيادة القيمة المضافة داخل السوق المحلية. ولهذا تبدو الشراكة مع كوريا الجنوبية لافتة بالنسبة لمصر، بالنظر إلى الخبرة الكورية في التصنيع الثقيل والتكنولوجيا والصناعات عالية الدقة.
الإنتاج الحربي المصري وتوسيع الشراكات الكورية
البيانات الرسمية الصادرة في 2026 عن الجهات المصرية المعنية بالإنتاج الحربي أظهرت استمرار الاتصالات مع الجانب الكوري. ففي الأشهر الماضية، جرى بحث فرص التعاون مع سفير كوريا الجنوبية في القاهرة، كما ناقشت وزارة الدولة للإنتاج الحربي مجالات الشراكة مع شركات كورية بينها بونجسان، مع تركيز معلن على توطين التكنولوجيات الحديثة وبناء شراكات صناعية مستدامة.
وتعكس هذه التحركات أن التعاون المصري الكوري لم يعد قائمًا فقط على صفقات تقليدية، بل يتجه تدريجيًا إلى نمط أعمق يقوم على التصنيع المشترك، والدعم الفني، ونقل الخبرات، ورفع القدرات الإنتاجية داخل مصر. وهذا هو المسار الذي يمنح أي تفاهم سياسي جديد، مثل ما أُعلن في سول، قيمة عملية على الأرض.
دلالات سياسية وإقليمية
اللقاء بين الرئيسين حمل أيضًا رسائل سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية. فالقاهرة شددت خلال المحادثات على ثوابتها تجاه قضايا الإقليم، بينما ثمّن الجانب الكوري دور مصر في دعم الاستقرار في الشرق الأوسط. كما تضمن البيان المشترك توافقًا على مواصلة الحوار بشأن ملفات إقليمية ودولية تشمل القضية الفلسطينية، والأمن المائي، والأوضاع في القرن الأفريقي واليمن وليبيا، فضلًا عن حرية الملاحة الدولية.
ومن الزاوية المصرية، فإن تعزيز التعاون مع شريك آسيوي بحجم كوريا الجنوبية ينسجم مع سياسة تنويع العلاقات الدولية، وتوسيع هامش الحركة الاقتصادية والتكنولوجية، وعدم حصر الشراكات الاستراتيجية في نطاق جغرافي واحد.
ماذا يعني ذلك في المرحلة المقبلة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن المرحلة التالية ستشهد متابعة تنفيذية على أكثر من مستوى، أهمها:
- تطوير مسار الصناعات الدفاعية المشتركة بما يتجاوز الإطار السياسي إلى مشروعات إنتاجية محددة.
- توسيع الاستثمارات الكورية في مصر، خاصة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية.
- تعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جذب الشركات الكورية الراغبة في التصدير إلى أفريقيا والأسواق العربية.
- استكمال التفاهمات الاقتصادية المرتبطة بمفاوضات الشراكة الاقتصادية الشاملة.
وفي المحصلة، فإن إعلان التوسع في التعاون الدفاعي بين مصر وكوريا الجنوبية لا يبدو خبرًا عابرًا، بل جزءًا من إعادة صياغة أوسع للعلاقات بين البلدين. وبالنسبة لمصر، فإن القيمة الحقيقية لهذا المسار ستُقاس بمدى قدرته على تحويل التفاهمات السياسية إلى تصنيع محلي، ونقل تكنولوجيا، وفرص استثمار، وقدرات إنتاجية مستدامة تدعم الاقتصاد والأمن القومي معًا.