شريف عبد الحميد: الاستثمار الرشيد يبدأ من العدالة وحقوق المواطن
الاستثمار في الميزان الدستوري
عاد ملف الاستثمار والعدالة الاقتصادية إلى واجهة النقاش العام في مصر والمنطقة العربية، بعد تصريحات الدكتور شريف عبد الحميد، رئيس مؤسسة مانديلا للحقوق والديمقراطية، التي شدد فيها على أن تشجيع الاستثمار لا يمكن فصله عن حماية حقوق المواطنين وتحقيق التوازن الاجتماعي. ويأتي هذا الطرح في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تبحث دول عربية عديدة عن معادلة تجمع بين جذب رؤوس الأموال، وتوسيع فرص العمل، والحفاظ في الوقت نفسه على الحقوق الأساسية للفئات الأكثر احتياجًا.
جوهر الرسالة التي طرحها عبد الحميد يقوم على فكرة واضحة: التنمية الشاملة لا تُبنى فقط بالأرقام والمؤشرات، بل كذلك بمدى اتساق السياسات الاقتصادية مع القيم الدستورية التي تحكم العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع. وهذه المقاربة تجد سندًا مباشرًا في الدستور المصري، الذي خصص بابًا للمقومات الأساسية للمجتمع، وأفرد المواد من 27 إلى 46 للحديث عن الأسس الاقتصادية، بما يشمل العدالة الاجتماعية، والشفافية، والحوكمة، وتشجيع الاستثمار، ومنع الاحتكار، وحماية المستهلك وحقوق العاملين.
ماذا يقول الدستور المصري؟
وفقًا لما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات في عرضها للمقومات الاقتصادية في الدستور، فإن المادة 27 تنص على أن النظام الاقتصادي يستهدف تحقيق الرخاء من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، مع رفع معدلات النمو الحقيقي، وزيادة فرص العمل، وتقليل البطالة، والقضاء على الفقر. كما تؤكد المادة نفسها الالتزام بالشفافية والحوكمة، ودعم التنافسية، وتشجيع الاستثمار، ومنع الممارسات الاحتكارية، وضمان توازن المصالح بما يحفظ حقوق العاملين ويحمي المستهلك.
ولا تقف هذه الرؤية عند الإطار الاقتصادي الضيق، إذ تنص المادة 8 على التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي، بينما تؤكد المادة 53 مبدأ المساواة أمام القانون وحظر التمييز. كذلك تحضر المادة 38 في هذا السياق من خلال الحديث عن نظام ضريبي عادل، وهو ما يعكس تصورًا دستوريًا يرى الاقتصاد جزءًا من منظومة حقوق أوسع، لا مجرد نشاط إنتاجي منفصل عن المجتمع.
بين جذب الاستثمار وحماية الحقوق
الطرح الذي تبناه شريف عبد الحميد ينسجم مع نقاشات أوسع تشهدها دول عربية عدة، خصوصًا في ظل سعي الحكومات إلى تحسين بيئات الأعمال وجذب استثمارات محلية وأجنبية. لكن التجارب الإقليمية أظهرت أن الاستثمار غير المنضبط اجتماعيًا قد يرفع معدلات النمو من دون أن ينعكس بصورة عادلة على حياة المواطنين، سواء عبر ضعف الأجور، أو تركز الفرص في مناطق محددة، أو ارتفاع كلفة الخدمات، أو تآكل الحماية الاجتماعية.
من هنا، تبدو فكرة الربط بين الاستثمار وحقوق المواطن أقرب إلى شرط للاستدامة منها إلى مجرد شعار حقوقي. فالمستثمر الجاد يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وإدارة شفافة، وقواعد واضحة للمنافسة، تمامًا كما يحتاج المواطن إلى فرص عمل لائقة، وحماية من الاحتكار، وعدالة في توزيع ثمار النمو. وعندما يختل هذا التوازن، تتحول التنمية إلى عملية غير مكتملة، مهما بدت أرقامها إيجابية على الورق.
رسالة تتجاوز الحدود المصرية
ورغم أن التصريحات انطلقت من سياق مصري، فإن دلالاتها تمتد إلى نطاق العالم العربي بأكمله. فمع تنامي خطط الإصلاح الاقتصادي في المنطقة، برزت أسئلة متكررة حول كيفية التوفيق بين تحرير الأسواق، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على التماسك الاجتماعي. وفي دول عربية عديدة، لم يعد النقاش مقتصرًا على حجم الاستثمارات، بل أصبح يشمل نوعيتها، وقطاعاتها، وأثرها على التشغيل، والتنمية المحلية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
هذه الزاوية تكتسب أهمية خاصة في لحظة عربية تتداخل فيها تحديات التضخم، والبطالة، واضطراب سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية. لذا فإن أي دعوة إلى دعم الاستثمار، من دون ربطها بمحددات العدالة والشفافية، تبدو ناقصة. أما المقاربة التي تربط بين النمو والحقوق، فهي أقرب إلى بناء مناعة اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.
دور المجتمع المدني في النقاش الاقتصادي
تصريحات رئيس مؤسسة مانديلا للحقوق والديمقراطية تعكس كذلك حضورًا متزايدًا لمنظمات المجتمع المدني في مناقشة السياسات الاقتصادية من منظور حقوقي. فهذه المنظمات لم تعد تقتصر على ملفات الحريات العامة أو الفئات الأولى بالرعاية، بل باتت تربط بين التشريع الاقتصادي والكرامة الإنسانية والعدالة في توزيع الموارد. وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن الاستثمار متصلًا أيضًا بقضايا مثل الأجور، والتشغيل، والضرائب، والحق في الخدمات الأساسية، والتوازن بين الملكية الخاصة والمصلحة العامة.
وقد أظهرت مداخلات سابقة لعبد الحميد في قضايا عامة وحقوقية أن خطابه يميل إلى تأكيد دور الإطار القانوني والمؤسسي في حماية المجتمع أثناء التحولات الكبرى، سواء كانت سياسية أو اقتصادية. وهذا يمنح تصريحه الأخير وزنًا إضافيًا، لأنه يضع التنمية في سياق أوسع من الحسابات المالية، ويربطها مباشرة بمفهوم الدولة العادلة.
كيف تُترجم المبادئ إلى سياسات؟
التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص وحدها، بل في تحويلها إلى سياسات قابلة للقياس والمحاسبة. ويمكن تلخيص بعض المسارات العملية التي تجعل تشجيع الاستثمار متسقًا مع العدالة الاقتصادية في عدة نقاط:
- تعزيز الشفافية في منح التراخيص وتخصيص الأراضي والحوافز.
- ضمان المنافسة العادلة ومنع الممارسات الاحتكارية التي تضر بالمستهلكين والمنتجين الأصغر.
- حماية حقوق العمال وربط التوسع الاستثماري بتوليد فرص عمل لائقة ومستقرة.
- تحقيق التوازن الجغرافي بحيث تصل ثمار التنمية إلى المحافظات والمناطق الأقل حظًا.
- تطبيق عدالة ضريبية تدعم موارد الدولة من دون تحميل الفئات الأضعف أعباء غير متناسبة.
- حماية الموارد العامة وضمان ألا يأتي النمو على حساب البيئة أو الحقوق الأساسية.
هذه المحددات ليست بعيدة عن الفلسفة الدستورية المصرية، بل تمثل ترجمة مباشرة لها. ولهذا، فإن أي حديث جاد عن مناخ استثماري قوي يجب أن يبدأ من فكرة أن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وجهان لعملة واحدة.
خلاصة المشهد
في توقيت تتسابق فيه دول المنطقة على تحسين قدرتها التنافسية واستقطاب الاستثمارات، تطرح تصريحات شريف عبد الحميد سؤالًا مهمًا: ما قيمة النمو إذا لم يشعر المواطن العادي بثماره؟ الإجابة التي يحملها الخطاب الدستوري المصري، ويعيد عبد الحميد التذكير بها، هي أن الاستثمار الناجح ليس مجرد تدفق للأموال، بل مسار تنموي متكامل يوازن بين مصالح الدولة والمستثمر والمجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم الاستثمار لا يتعارض مع العدالة الاقتصادية، بل يكتمل بها. وعندما تُصاغ القوانين والسياسات العامة على هذا الأساس، يصبح من الممكن بناء نموذج تنموي أكثر صلابة، ليس لمصر فقط، بل كنقطة نقاش عربية أوسع حول مستقبل الاقتصاد وحقوق الإنسان في المنطقة.