شيخ الأزهر ووزير خارجية كازاخستان يبحثان دعم السلام
لقاء في مشيخة الأزهر لتعزيز مسار الحوار والتعايش
في تحرك يعكس استمرار الدور المصري في دعم الحوار الديني والفكري، استقبل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الأربعاء، في مشيخة الأزهر بالقاهرة، مختار تليوبيردي وزير خارجية جمهورية كازاخستان، لبحث آفاق التعاون المشترك، ومناقشة سبل دعم المبادرات الهادفة إلى ترسيخ السلام وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.
ويكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة بالنسبة للمتابع المصري، لأن الأزهر الشريف لا يتحرك فقط بصفته مؤسسة دينية وتعليمية كبرى، بل بوصفه أحد أبرز أدوات القوة الناعمة المصرية في العالم الإسلامي، وصوتًا حاضرًا في الملفات المرتبطة بالتعايش ومواجهة التطرف وتجديد الخطاب الديني.
الأزهر يؤكد عمق العلاقة مع كازاخستان
بحسب ما أوردته مصادر صحفية مصرية، أكد شيخ الأزهر خلال اللقاء متانة الروابط التي تجمع الأزهر بكازاخستان على المستويات العلمية والدعوية والإنسانية، في إشارة إلى مسار ممتد من التعاون بين الجانبين، سواء عبر استقبال الطلاب الكازاخيين للدراسة في معاهد الأزهر وجامعته، أو عبر التنسيق في المؤتمرات الدولية المعنية بالحوار بين الأديان.
ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع مواقف سابقة أعلنها الأزهر في أكثر من مناسبة، إذ شددت المؤسسة على انفتاحها المستمر على التعاون مع كازاخستان في قضايا نشر الفكر الوسطي، وتأهيل الأئمة، ومجابهة التيارات المتشددة، إلى جانب دعم المبادرات الدولية التي ترفع من قيمة التفاهم بين أتباع الديانات المختلفة.
لماذا تبدو كازاخستان شريكًا مهمًا للأزهر؟
خلال السنوات الماضية، برزت كازاخستان بوصفها دولة حاضنة لمساحات الحوار الديني الدولي، خاصة عبر مؤتمر قادة الأديان العالمية والتقليدية الذي تستضيفه العاصمة أستانا بصورة دورية. ويعد هذا المؤتمر إحدى المنصات الدولية التي شارك فيها الأزهر وساندها، انطلاقًا من قناعته بأن الصراعات العالمية لا يمكن التعامل معها أمنيًا أو سياسيًا فقط، بل تحتاج أيضًا إلى خطاب أخلاقي وديني مسؤول.
وتظهر أهمية هذا المسار في أن العلاقات بين الأزهر وكازاخستان لم تعد مقتصرة على الزيارات البروتوكولية، بل امتدت إلى ملفات أكثر عملية، من بينها رعاية الطلاب الوافدين، والتدريب الدعوي، وتبادل الخبرات في قضايا مكافحة التطرف، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الفكري والاستقرار المجتمعي.
الطلاب الوافدون والتعاون التعليمي
من أبرز المؤشرات على عمق هذه العلاقة أن الأزهر كان قد أعلن في وقت سابق احتضان 207 طلاب وطالبات من كازاخستان في مراحله التعليمية المختلفة، وهو رقم يعكس ثقة متنامية في مكانة المؤسسة الأزهرية لدى المجتمع الكازاخي، كما يوضح أن التعاون بين الطرفين له بعد بشري وتعليمي ممتد، وليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر.
هذه الصيغة من التعاون تهم القارئ في مصر أيضًا، لأن ملف الطلاب الوافدين يمثل أحد الأدوار الحيوية التي تقوم بها الدولة المصرية عبر مؤسساتها الدينية والتعليمية. فالطالب الذي يتلقى تعليمه في الأزهر يعود إلى بلاده وهو يحمل معرفة شرعية ولغوية وفكرية مرتبطة بالنموذج المصري الوسطي، بما يعزز حضور مصر الثقافي والديني خارج حدودها.
مواجهة التطرف ضمن أولويات التعاون
الرسائل الصادرة عن اللقاء تعكس كذلك تقاطعًا واضحًا في الأولويات بين القاهرة وأستانا فيما يتعلق بمحاربة الأفكار المتشددة. فالأزهر دأب خلال الأعوام الماضية على طرح مقاربة تقوم على التعليم الرصين، والحوار، وتصحيح المفاهيم، بدلًا من الاكتفاء بالمقاربات الأمنية وحدها.
وفي هذا السياق، سبق أن أشار الأزهر إلى أن أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ استقبلت وفودًا من أئمة كازاخستان ضمن برامج تدريبية متخصصة، هدفها رفع كفاءة الخطاب الدعوي، وتطوير أدوات التعامل مع القضايا المعاصرة، وتفنيد سرديات الغلو والكراهية. ويعني ذلك أن التعاون المصري الكازاخي في هذا الملف يقوم على أسس مؤسسية قابلة للتوسع مستقبلًا.
السلام بين الأديان.. عنوان يتجاوز المجاملة الدبلوماسية
الحديث عن السلام والحوار بين الأديان في مثل هذه اللقاءات لم يعد مجرد عنوان إنشائي. فالمنطقة والعالم شهدا خلال السنوات الأخيرة أزمات حادة، من حروب وصراعات هوية وتصاعد خطابات الكراهية، وهو ما جعل المؤسسات الدينية الكبرى مطالبة بلعب دور أكثر مباشرة في حماية المجتمعات من الانقسام.
ومن هنا يحرص الأزهر، بقيادة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، على تثبيت حضوره في هذا النقاش العالمي، سواء من خلال اللقاءات الثنائية مع المسؤولين الأجانب، أو عبر المؤتمرات الدولية، أو من خلال الوثائق المرجعية التي تدعو إلى الأخوة الإنسانية والتفاهم بين البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم.
دلالة اللقاء بالنسبة لمصر
رغم أن الضيف في هذه الزيارة مسؤول أجنبي، فإن زاوية التغطية تبقى مصرية بامتياز، لأن الحدث جرى داخل مشيخة الأزهر، ولأن بطله الرئيسي هو مؤسسة مصرية ذات ثقل دولي. كما أن هذا النوع من اللقاءات يسلط الضوء على مكانة القاهرة بوصفها مركزًا إقليميًا للحوار الديني والفكري، وعلى قدرة مؤسساتها على بناء جسور مع دول آسيا الوسطى، وهي منطقة تحظى بأهمية متزايدة في التوازنات الدولية والإسلامية.
بالنسبة للجمهور المصري، فإن أهمية الخبر لا تتوقف عند الطابع البروتوكولي، بل تمتد إلى ما يمثله الأزهر من صورة للدولة المصرية في الخارج. وكلما تعززت شراكات المؤسسة مع دول مؤثرة مثل كازاخستان، انعكس ذلك على حضور مصر في ملفات التعليم الديني، ومواجهة التطرف، وصياغة خطاب معتدل قادر على الوصول إلى مجتمعات متنوعة.
ما الذي يمكن متابعته لاحقًا؟
من المتوقع أن تتابع الأوساط المهتمة بالشأن الديني والدبلوماسي نتائج هذا اللقاء في أكثر من مسار، من بينها:
- التوسع في برامج تدريب الأئمة والوعاظ بين الجانبين.
- زيادة التعاون التعليمي للطلاب الكازاخيين في جامعة الأزهر ومعاهده.
- التنسيق في المؤتمرات الدولية الخاصة بالحوار بين الأديان ونبذ الكراهية.
- دعم المبادرات المشتركة التي تستهدف نشر قيم التعايش والاعتدال.
وفي المجمل، يعكس لقاء شيخ الأزهر ووزير خارجية كازاخستان استمرار رهان مصر، عبر الأزهر الشريف، على الدبلوماسية الدينية بوصفها مسارًا مؤثرًا في تثبيت قيم السلام، وفتح قنوات تواصل أوسع مع العالم الإسلامي، خصوصًا في المناطق التي تبحث عن شراكات فكرية وتعليمية موثوقة. وفي وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بالتطرف والاستقطاب، تبدو هذه اللقاءات أكثر من مجرد مناسبة رسمية؛ إنها جزء من معركة أوسع لحماية فكرة التعايش نفسها.