شي يدعو في قمة بريكس بنيودلهي إلى حماية سلاسل الإمداد
دعوة صينية لتوسيع التنسيق داخل «بريكس الكبرى»
دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى دفع التعاون داخل مجموعة «بريكس الكبرى» إلى مستوى أوسع، مع التركيز على حماية سلاسل الصناعة والتوريد والعمل باتجاه سوق أكثر تكاملا بين الدول الأعضاء، وذلك خلال القمة الثامنة عشرة للمجموعة التي تستضيفها نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026. وتأتي هذه الرسائل في لحظة دولية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع اضطرابات التجارة العالمية مع التوترات الجيوسياسية وملفات الطاقة والتمويل والتنمية، وهي ملفات تهم القارة الأفريقية بشكل مباشر، خصوصا بعد اتساع حضور دولها داخل التكتل.
انعقاد القمة في العاصمة الهندية هذا العام يحمل وزنا خاصا، لأن الهند تتولى رئاسة الدورة تحت شعار يركز على بناء الصمود والابتكار والتعاون والأمن. كما أن نسخة 2026 تأتي بعد توسع عضوية المجموعة خلال العامين الماضيين، لتضم 11 دولة كاملة العضوية، من بينها مصر وإثيوبيا وجنوب أفريقيا، بما يمنح أفريقيا مساحة أكبر في النقاشات المتعلقة بالتجارة والاستثمار وسلاسل القيمة العابرة للحدود.
ما الذي قاله شي جين بينغ؟
بحسب ما أوردته بيانات صينية رسمية مرتبطة بأعمال القمة، شدد شي جين بينغ على أن آلية بريكس تطورت خلال عقدين إلى منصة مؤثرة للتعاون بين الأسواق الناشئة والدول النامية، ودعا إلى تعميق العمل المشترك بما يحافظ على استقرار الإمدادات الصناعية والتجارية. هذا الطرح لا ينفصل عن الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي، سواء من اضطراب الشحن والطاقة أو من القيود التجارية واستخدام التكنولوجيا والموارد الاستراتيجية كورقة نفوذ بين القوى الكبرى.
ومن الناحية السياسية، فإن حديث الرئيس الصيني يعكس رغبة بكين في تقديم بريكس كمساحة تنسيق أوسع لدول الجنوب العالمي، وليس فقط كإطار اقتصادي تقليدي. ولهذا تبدو مسألة السوق المتكاملة داخل التكتل مرتبطة بأهداف عملية، مثل زيادة التسويات التجارية بالعملات الوطنية، وتوسيع الربط بين الشركات، وتخفيف أثر الصدمات الخارجية على الواردات والصادرات.
قمة نيودلهي: من يشارك ولماذا تهم أفريقيا؟
تستضيف نيودلهي القمة الثامنة عشرة بمشاركة قادة الدول الأعضاء في بريكس، وبينهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، إلى جانب قادة الدول التي انضمت حديثا، ومنها مصر. ووفقا لخلفية نشرتها الحكومة الهندية، تستضيف البلاد القمة يومي 12 و13 سبتمبر 2026 في إطار رئاستها الحالية للتجمع.
أهمية الحدث بالنسبة للقارة الأفريقية لا ترتبط فقط بعضوية مصر وإثيوبيا وجنوب أفريقيا، بل أيضا بكون النقاشات الجارية داخل بريكس تمس ملفات تمويل البنية التحتية، وتوطين الصناعة، وأمن الغذاء والطاقة، وربط الاقتصادات الأفريقية بمسارات التجارة الجديدة. وفي ظل الضغوط التي تواجهها الممرات البحرية وأسعار الشحن، تصبح مسألة استقرار سلاسل الإمداد أكثر إلحاحا بالنسبة لاقتصادات تستورد مدخلات إنتاج أساسية وتطمح في الوقت نفسه إلى زيادة صادراتها الصناعية والزراعية.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، فإن دعوة شي لتعزيز السوق المتكاملة داخل بريكس تتقاطع مع أولويات القاهرة المعلنة داخل التجمع. فالهيئة العامة للاستعلامات في مصر أوضحت ضمن عرضها للمشاركة المصرية في قمة بريكس بنيودلهي 2026 أن الأولويات شملت توسيع استخدام العملات الوطنية في التسويات التجارية، وتوطين الصناعة، وربط الشركات المصرية بسلاسل القيمة والإمداد داخل دول المجموعة. وهذه نقاط عملية وليست شعارات، لأنها تمس تكلفة الاستيراد، وفرص التصدير، وجذب الاستثمار الصناعي.
كما أن وجود مصر داخل بريكس يفتح بابا أوسع أمام شركاتها للدخول في شبكات توريد تمتد من آسيا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وإذا نجحت دول التكتل في تقليل العقبات اللوجستية والمالية، فقد تستفيد قطاعات مصرية مثل الصناعات الغذائية، والكيماويات، ومواد البناء، والمنسوجات، والخدمات اللوجستية، خاصة مع موقع مصر على البحرين المتوسط والأحمر واقترابها من أسواق أفريقية وعربية رئيسية.
سلاسل التوريد ليست قضية فنية فقط
في السنوات الأخيرة، تحولت سلاسل التوريد من ملف اقتصادي متخصص إلى عنوان سياسي واستراتيجي. أي اضطراب في الطاقة أو الممرات البحرية أو التكنولوجيا ينعكس سريعا على أسعار الغذاء والوقود ومدخلات الصناعة. ولهذا فإن النقاش الذي طرحه شي في بريكس يتجاوز فكرة التجارة البحتة إلى سؤال أوسع: كيف يمكن للدول النامية أن تقلل هشاشتها أمام الأزمات الخارجية؟
هذا السؤال مهم لأفريقيا تحديدا. كثير من الدول الأفريقية تسعى إلى التصنيع المحلي، لكنها ما زالت تعتمد على واردات واسعة من المعدات والمواد الوسيطة. ومن ثم فإن أي تعاون داخل بريكس لتسهيل النقل، أو التمويل، أو تبادل التكنولوجيا، أو تنسيق المعايير، قد ينعكس على قدرة هذه الدول على خلق وظائف وزيادة الإنتاج المحلي. ومن هنا يمكن فهم التركيز على السوق المتكاملة كأداة لدعم المرونة الاقتصادية وليس فقط لرفع أرقام التجارة.
الهند والصين وبقية الأعضاء: مصالح متقاطعة داخل تكتل واحد
القمة الحالية تعقد أيضا في وقت يشهد محاولات من نيودلهي وبكين لإدارة خلافاتهما بالتوازي مع الإبقاء على قنوات التعاون الاقتصادي مفتوحة. وتقارير دولية من تغطية القمة أشارت إلى أن ملفات التجارة واختلالات السوق وسلاسل الإمداد كانت حاضرة في محادثات الجانبين على هامش الاجتماعات. وبالنسبة لبريكس، فإن هذا التوازن ضروري، لأن فعالية التكتل تعتمد على قدرة أعضائه على تحويل التباينات السياسية إلى مصالح عملية مشتركة.
في الوقت نفسه، فإن اتساع بريكس إلى 11 دولة يمنحه ثقلا سكانيا واقتصاديا أكبر، لكنه يجعل الوصول إلى توافقات سريعة أكثر تعقيدا. لذلك تبدو الدعوات الصينية والهندية في هذه القمة محاولة لتثبيت أرضية مشتركة عنوانها التعاون الاقتصادي، حتى مع استمرار الخلافات في ملفات أخرى.
الرسالة الأهم لأفريقيا
الرسالة التي تهم أفريقيا من قمة نيودلهي هي أن موازين الاقتصاد العالمي لم تعد تُصاغ فقط في العواصم الغربية التقليدية. هناك مساحة متزايدة أمام تكتلات الجنوب لصياغة أجندة خاصة بها، سواء في التمويل أو التجارة أو التنمية أو أمن الإمدادات. ووجود مصر داخل هذا المسار يمنحها فرصة للمشاركة في صنع القواعد الجديدة بدلا من الاكتفاء بالتكيف معها.
وعليه، فإن دعوة شي جين بينغ إلى حماية سلاسل الصناعة والتوريد وبناء سوق أكثر تكاملا داخل بريكس ليست مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل مؤشر إلى أن التنافس العالمي على النفوذ الاقتصادي يمر الآن عبر من يملك القدرة على تأمين الإنتاج والنقل والتمويل. بالنسبة لأفريقيا، وبالنسبة لمصر تحديدا، فإن السؤال لم يعد هل هذا التحول مهم، بل كيف يمكن تحويله إلى مكاسب مباشرة في الاستثمار والتجارة وفرص العمل.