صعود العبور في باب المندب ينعش آمال الملاحة نحو قناة السويس
ارتفاع العبور في باب المندب.. لماذا يهم مصر وأفريقيا؟
أظهرت بيانات تتبع الملاحة البحرية من شركة كبلر يوم الاثنين 27 يوليو 2026 ارتفاع عدد السفن العابرة لمضيق باب المندب إلى 28 سفينة، وهو أعلى مستوى خلال أربعة أيام، في وقت ظل فيه المرور عبر مضيق هرمز ضعيفًا مقارنة بالمعدلات المعتادة. ويأتي هذا التحرك وسط تفاؤل حذر في الأسواق بإمكانية تهدئة التوتر المرتبط بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما ينعكس سريعًا على قرارات شركات الشحن والطاقة بشأن المسارات الأكثر أمانًا.
بالنسبة لمصر، لا يُعد هذا التطور مجرد خبر عن ممر مائي بعيد؛ فباب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأي تحسن في العبور عبره ينعكس على الخطوط الملاحية المتجهة شمالًا نحو قناة السويس. وتؤكد هيئة قناة السويس أن حركة الملاحة في القناة مستمرة بصورة طبيعية في الاتجاهين، مع مواصلة تقديم الخدمات الملاحية على مدار الساعة، وهو ما يجعل القاهرة تراقب عن كثب أي مؤشرات على عودة تدريجية للثقة في مسار البحر الأحمر.
باب المندب يتحسن.. لكن هرمز لم يتعافَ بعد
البيانات الأخيرة تعكس صورة مزدوجة: تحسن نسبي في باب المندب، مقابل تباطؤ مستمر في هرمز. وكانت تقارير منشورة في منتصف يوليو قد أظهرت هبوط العبور في هرمز إلى أدنى مستوى له في نحو شهرين، مع مرور عدد محدود جدًا من السفن في بعض الأيام، بعدما رفعت الضربات المتبادلة ومخاطر التأمين منسوب الحذر لدى الشركات المالكة والوسطاء البحريين.
هذا الفارق مهم لأن المضيقين يؤديان وظيفتين متكاملتين في تجارة الطاقة العالمية. هرمز هو شريان رئيسي لصادرات النفط الخليجية، بينما يشكل باب المندب حلقة الوصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، ومنها إلى طرق التجارة المتجهة إلى شرق أفريقيا وشمالها وإلى أوروبا عبر قناة السويس. لذلك فإن أي انفراجة في أحدهما، ما لم تتوسع إلى الآخر، تبقى ذات أثر جزئي على خريطة التجارة.
الأثر على مصر: قناة السويس في قلب المعادلة
من زاوية مصرية، تكمن الأهمية في أن جزءًا معتبرًا من التجارة المارة بين آسيا وأوروبا يعتمد على سلامة الممر الممتد من خليج عدن إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس. وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن نحو 12% من تجارة العالم، بما يشمل قرابة ربع حركة الحاويات العالمية، يمر عبر هذا المسار البحري الحيوي. كما لفتت إلى أن مصر تمثل أيضًا جزءًا من بدائل الطاقة الإقليمية عبر خط سوميد الذي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.
وبهذا المعنى، فإن استقرار باب المندب لا يخدم فقط شركات الملاحة الدولية، بل يهم كذلك الموانئ المصرية، وخدمات التموين البحري، وسلاسل الإمداد المرتبطة بقناة السويس، فضلًا عن عوائد عبور السفن. وقد أعلنت هيئة قناة السويس في يونيو 2025 بدء عودة تدريجية لبعض سفن الحاويات العملاقة إلى القناة من جهة باب المندب بعد فترة اضطراب طويلة، ما يعني أن أي تحسن جديد في الأوضاع الأمنية قد يدعم هذا المسار مرة أخرى.
ما الذي يدفع الحركة إلى الارتفاع الآن؟
السبب المباشر، وفق البيانات والتقارير المتاحة، هو تحسن المزاج العام في السوق بعد تراجع نسبي في مخاوف التصعيد الواسع بين واشنطن وطهران، حتى لو لم يتحول ذلك بعد إلى تعافٍ كامل في مسارات الشحن. شركات النقل البحري لا تتعامل فقط مع الواقع العسكري، بل أيضًا مع كلفة التأمين، وأسعار الوقود، ومدى استعداد المستأجرين لقبول زمن إبحار أطول عبر رأس الرجاء الصالح بدلًا من البحر الأحمر.
لكن الصورة لا تزال هشة. فالتقارير الدولية خلال يوليو 2026 حذرت من أن أي تهديد جديد من جماعة الحوثي في اليمن قد يعيد الضغط على باب المندب، تمامًا كما أن أي تصعيد جديد في الخليج قد يواصل إبقاء هرمز دون مستواه الطبيعي. ولهذا تنظر الأسواق إلى أرقام العبور اليومية بوصفها مؤشرًا حساسًا على درجة الخطر، لا مجرد إحصاء ملاحي.
البعد الأفريقي: جيبوتي والقرن الأفريقي في الواجهة
ينتمي باب المندب جغرافيًا إلى قلب معادلة القرن الأفريقي، إذ يفصل بين اليمن من جهة، وكل من جيبوتي وإريتريا من الجهة الأفريقية. وهذا يجعل أي اضطراب فيه مسألة أفريقية بامتياز، لا سيما بالنسبة للموانئ والخدمات اللوجستية في شرق القارة، وخصوصًا جيبوتي التي ترتبط تجارتها ومكانتها الإقليمية باستمرار تدفق السفن عبر هذا المسار. كما أن استقرار البحر الأحمر يؤثر على تدفقات السلع إلى أسواق أفريقية عدة تعتمد على الاستيراد البحري.
ومن منظور مصري أفريقي، فإن استقرار هذا الممر ينسجم مع مصلحة أوسع تتعلق بحماية حركة التجارة بين شمال القارة وشرقها، وربط الموانئ المصرية بخطوط الشحن العابرة للبحر الأحمر، إضافة إلى دعم تنافسية القناة أمام الطرق البديلة الأطول والأعلى كلفة. ولهذا يظل باب المندب واحدًا من أكثر النقاط حساسية في الجغرافيا الاقتصادية للقارة.
هل نحن أمام عودة كاملة للملاحة؟
الإجابة الأقرب حتى الآن: ليس بعد. صحيح أن صعود العبور إلى 28 سفينة في يوم واحد يعكس تحسنًا ملموسًا، لكنه لا يعني أن المخاطر اختفت أو أن شركات الشحن استعادت ثقتها بالكامل. صندوق النقد الدولي كان قد أشار في أبريل 2026 إلى أن حركة العبور عبر باب المندب ما زالت تدور عند نحو نصف مستوياتها السابقة للهجمات التي هزت البحر الأحمر، وهو ما يوضح أن التعافي لا يزال غير مكتمل.
- أولًا: ارتفاع العبور في باب المندب مؤشر إيجابي للأسواق ولخطوط الشحن المتجهة إلى قناة السويس.
- ثانيًا: استمرار ضعف المرور في هرمز يعني أن تجارة الطاقة لا تزال تحت ضغط واضح.
- ثالثًا: مصر تستفيد من أي تهدئة في البحر الأحمر، سواء عبر القناة أو عبر دورها اللوجستي والطاقة.
- رابعًا: دول القرن الأفريقي تبقى في واجهة التأثر، بحكم الموقع الجغرافي للمضيق وأهميته لحركة الموانئ الإقليمية.
الخلاصة أن ارتفاع حركة السفن في باب المندب خلال الأيام الأخيرة يمثل إشارة مشجعة، لكنه يظل تعافيًا هشًا مرتبطًا بالتطورات الأمنية والسياسية في الإقليم. وبالنسبة لمصر، فإن أي استقرار مستدام في هذا الممر الأفريقي-الآسيوي الحيوي سيكون خبرًا اقتصاديًا واستراتيجيًا بقدر ما هو خبر ملاحي، لأن البحر الأحمر وقناة السويس يظلان جزءًا لا يتجزأ من معادلة التجارة العالمية وأمن الإمدادات.