صلاح عبدالعاطي: تدمير المنازل والتهجير القسري جرائم حرب
تصريحات صلاح عبدالعاطي تعيد ملف التهجير القسري إلى الواجهة
عاد ملف الانتهاكات الواقعة على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة إلى صدارة النقاش الحقوقي والسياسي، بعد تصريحات الدكتور صلاح عبدالعاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، التي شدد فيها على أن تدمير المنازل، وإخلاء السكان قسرا، وإجبارهم على النزوح المتكرر، واستهداف المدنيين بهدف بث الرعب ودفعهم إلى ترك أماكن سكنهم، تمثل أفعالا ترقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان. ويأتي هذا الطرح في سياق تصاعد التحذيرات الدولية من آثار الحرب على البنية السكنية والنسيج الاجتماعي في القطاع، وسط استمرار موجات النزوح وتآكل مقومات الحياة الأساسية.
ما الأساس القانوني لوصف تدمير المنازل والتهجير القسري بأنه جريمة حرب؟
التوصيف الذي طرحه عبدالعاطي لا ينفصل عن قواعد القانون الدولي الإنساني. فاللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أن الترحيل أو النقل القسري للسكان المدنيين يعد محظورا، وأنه يمكن أن يشكل جريمة حرب في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. كما تشير مواد الحماية الخاصة بالمدنيين إلى حظر التدمير الواسع للممتلكات عندما لا تبرره ضرورة عسكرية مشروعة. كذلك توضح مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الإخلاء القسري وتدمير الممتلكات والتهجير المرتبط بالنزاع قد يرقى، في ظروف معينة، إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وجرائم حرب.
وفي السياق نفسه، وثقت هيئات أممية خلال 2026 أن إجراءات من بينها التهجير القسري، وتدمير المنازل، ومصادرة الأراضي، والقيود على الحركة تبدو متصلة بمحاولات تغيير الواقع الديموغرافي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهو ما يزيد من ثقل التوصيف القانوني الذي يستخدمه حقوقيون فلسطينيون ودوليون عند الحديث عن نمط الانتهاكات الجارية.
غزة بين النزوح المتكرر وتدمير الممتلكات
البيانات الأممية الحديثة تظهر أن الحديث عن النزوح ليس وصفا نظريا، بل واقع ميداني متواصل. فمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أشار في تقاريره خلال يوليو 2026 إلى أن السكان في غزة يعيشون في مساحة تقل عن نصف مساحة القطاع، مع استمرار تعرضهم للغارات والعمليات العسكرية والقيود على الحركة، بما يؤدي إلى نزوح جديد أو ممتد ويحد من الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى. كما رصد المكتب وجود عشرات مراكز الإيواء الجماعية ومواقع نزوح تضم عشرات الآلاف من الأسر، في ظل هشاشة شديدة في أوضاع الحماية والخدمات.
وفي أحد تقاريره، أشار المكتب إلى أن عمليات العنف والقيود المفروضة ألحقت أضرارا بالمنازل والبنية التحتية، وأسهمت في النزوح المستمر، بينما تحدثت تقارير أخرى عن إصلاحات طارئة لمئات الوحدات السكنية المتضررة فقط، وهو ما يعكس اتساع فجوة الاحتياج مقارنة بما يتم ترميمه فعليا على الأرض.
مؤشرات إنسانية مقلقة
- 23 يوليو 2026: أشار تقرير أممي إلى وجود نحو 28 ألف أسرة، بما يعادل 138,258 شخصا، في 181 مركزا جماعيا غير تابع للأونروا جرى تحليلها خلال فترة الرصد.
- 10 يوليو 2026: أكدت الأمم المتحدة أن سكان غزة محصورون في أقل من نصف مساحة القطاع مع تعرضهم لمخاطر النزوح المستمر.
- 19 يونيو 2026: حذرت الأمم المتحدة من إجراءات تبدو موجهة لتغيير التركيبة الديموغرافية، من بينها التهجير القسري وتدمير المنازل.
الموقف المصري: رفض قاطع لأي تهجير للفلسطينيين
بالنسبة للقارئ المصري، تكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية لأنها تتقاطع مع الموقف الرسمي المصري الثابت الرافض لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية. فقد كررت الرئاسة المصرية ووزارة الخارجية ورئاسة الوزراء خلال 2025 التأكيد أن أي نقل قسري للفلسطينيين يمثل ظلما لا يمكن القبول به، وأن مصر لن تكون طرفا في أي مسار يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر الإبعاد أو إعادة التوطين خارج الأرض الفلسطينية.
كما شددت القاهرة في أكثر من مناسبة على أن الحل يرتبط بوقف إطلاق النار، وضمان دخول المساعدات، ودعم مسار سياسي يقوم على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وتبرز أهمية هذا الموقف في ظل محاولات متكررة لطرح سيناريوهات مرتبطة بإفراغ غزة من سكانها أو دفعهم إلى الهجرة تحت ضغط الحرب وفقدان المأوى والخدمات.
لماذا تتسع دائرة التحذير الآن؟
اتساع التحذيرات يعود إلى أن تدمير المنازل لا يعني فقط خسارة مبانٍ سكنية، بل يعني أيضا تفكيك المجتمعات المحلية، وتعطيل التعليم، وإضعاف الرعاية الصحية، وقطع الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تحفظ بقاء الأسر في أرضها. وعندما يتكرر النزوح مرات متعددة في مساحة محدودة تعاني أصلا من نقص المساعدات والخدمات، يصبح خطر الإخلاء الدائم أعلى، وهو ما يفسر تشديد الحقوقيين على خطورة الجمع بين القصف، والهدم، ومنع العودة الآمنة، وغياب الحماية الكافية للمدنيين.
كما أن لجان التحقيق الأممية المستقلة تحدثت في تقاريرها عن أنماط من الانتهاكات الجسيمة بحق الفلسطينيين، بما يشمل التهجير من الأرض والاعتداء على المدنيين، وهو ما يضيف بعدا تحقيقيا ومؤسسيا للتوصيفات الحقوقية المتداولة في الخطاب العام.
بين الخطاب الحقوقي والواقع الميداني
تصريحات صلاح عبدالعاطي تعكس اتجاها حقوقيا يعتبر أن ما يجري لم يعد قابلا للقراءة فقط باعتباره أثرا جانبيا للحرب، بل باعتباره نمطا منظما من الأفعال التي تمس المدنيين بشكل مباشر عبر استهداف المساكن، ودفع الأسر إلى الانتقال القسري من مكان إلى آخر، وحرمانها من الاستقرار والأمان. هذا التقييم يزداد حضورا كلما تعززت الشهادات الميدانية والبيانات الأممية التي تتحدث عن تكرار النزوح، وتضرر المساكن، وتدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
وفي المحصلة، فإن الجدل لم يعد يدور فقط حول حجم الدمار، بل حول المسؤولية القانونية والسياسية المترتبة على هذا الدمار، خاصة عندما يقترن بإجبار السكان على مغادرة منازلهم وعدم توافر ضمانات فعلية لعودتهم الآمنة. ومن هنا تكتسب دعوات التوثيق والمحاسبة أهمية متزايدة، بالتوازي مع الموقف المصري الذي يربط بين حماية المدنيين ورفض التهجير والحفاظ على جوهر القضية الفلسطينية بوصفها قضية أرض وحقوق وطنية غير قابلة للتصفية.