Akhbar Cairo

ضربات متبادلة بين موسكو وكييف.. تهدئة فوق العاصمتين فقط

هدوء محدود فوق العاصمتين.. وتصعيد مستمر في الأطراف

تكشف الجولة الأخيرة من الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا عن مفارقة باتت تتكرر في هذه الحرب: كلما ارتفعت وتيرة الاتصالات السياسية، ظل الميدان محتفظًا بمنطقه الخاص. فخلال الساعات الأخيرة، أعلنت السلطات في البلدين وقوع هجمات جوية ليلية جديدة، لكن من دون أن تمتد إلى موسكو أو كييف، في توقيت يتزامن مع تحرك أمريكي جديد لإحياء مسار التفاوض. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن المغزى الأهم لا يتعلق فقط بما جرى في السماء، بل بما يعنيه هذا الاستثناء المؤقت للعاصمتين على صعيد موازين الردع وحدود الدبلوماسية.

الكرملين أعلن، عبر المتحدث دميتري بيسكوف، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يأمر بتنفيذ ضربات على كييف لمدة ثلاثة أيام تزامنًا مع زيارة المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو، في خطوة عُرضت باعتبارها إجراءً يسهّل جهود الوساطة ويضمن سلامة المفاوضين. وفي المقابل، أفادت تقارير دولية بأن أوكرانيا أيضًا امتنعت عن استهداف العاصمة الروسية خلال الفترة نفسها، ما يشي بوجود تفاهم عملي محدود لا يرقى إلى وقف إطلاق نار شامل، لكنه يكشف أن الطرفين ما زالا قادرين على ضبط بعض مستويات التصعيد عندما تتقاطع الضرورات العسكرية مع الرسائل السياسية.

ماذا حدث على الأرض؟

رغم استبعاد العاصمتين، لم تتوقف الحرب في الجبهات والمناطق الحساسة. ففي أوكرانيا، أعلن إيفان فيدوروف، رئيس الإدارة العسكرية في زابوريجيا، سقوط مصابين في المدينة الواقعة قرب خط المواجهة، وهو ما ينسجم مع نمط الضربات الروسية التي تواصل الضغط على المدن القريبة من مسرح العمليات المباشر. كما تحدثت السلطات الأوكرانية عن استهداف معبر أورليفكا النهري الدولي في منطقة أوديسا على الحدود مع رومانيا، ما أدى إلى إغلاقه بعد تعرض منشآت فيه لأضرار. هذا المعبر ليس مجرد نقطة عبور محلية، بل يمثل جزءًا من شريان لوجستي مهم يربط أوكرانيا بجوارها الأوروبي عبر نهر الدانوب والحدود الرومانية.

أهمية استهداف أورليفكا تتجاوز البعد العسكري المباشر. فمنذ اتساع الحرب على البنية التحتية الساحلية والموانئ، أصبحت منطقة أوديسا وممرات الدانوب البديلة ذات وزن اقتصادي واستراتيجي أكبر بالنسبة لكييف، خاصة مع حساسية ملف الصادرات وحركة الإمداد. وعندما تضرب روسيا هذه النقاط، فهي لا تراهن فقط على إرباك النقل، بل على توجيه رسالة إلى أوكرانيا وحلفائها بأن أي حديث عن تهدئة فوق العواصم لا يعني أن الشبكات الحيوية في الأقاليم خرجت من بنك الأهداف.

تهدئة شكلية أم اختبار نوايا؟

سياسيًا، يصعب التعامل مع تجنب موسكو وكييف كتحول نوعي في الحرب. الأكثر دقة أنه تجميد موضعي ومؤقت لنطاق محدد من الضربات، فرضته حسابات الوساطة الأمريكية لا أكثر. فالتقارير الواردة من موسكو تشير إلى أن المحادثات التي أجراها بوتين (@kremlin_russian على إنستغرام) مع ويتكوف وكوشنر وُصفت بأنها “مفيدة”، لكنها لم تسفر عن اختراق واضح أو إعلان تفاهم شامل. بكلمات أخرى، لا تزال الفجوة قائمة بين إدارة المخاطر الآنية وبين التوصل إلى صيغة سياسية تنهي الحرب أو حتى تخفضها بصورة مستدامة.

ومن زاوية تحليلية، فإن الاقتصار على حماية العاصمتين يعكس أولويات كل طرف في هذه المرحلة. موسكو تسعى إلى إظهار قدر من الانضباط أمام الوسطاء الأمريكيين من دون التخلي عن الضغط العسكري في الأقاليم الأوكرانية. أما كييف، فتدرك أن الامتناع عن ضرب موسكو مؤقتًا قد يخدم صورتها كشريك منفتح على المسار الدبلوماسي، خصوصًا في لحظة تحاول فيها الحفاظ على الزخم الغربي والأمريكي. لكن استمرار القصف في زابوريجيا وأوديسا يثبت أن مركز الثقل الحقيقي للحرب لم ينتقل إلى طاولة التفاوض بعد.

لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة؟

بالنسبة لمصر، لا تُقرأ الحرب الروسية الأوكرانية فقط من زاوية جيوسياسية بعيدة، بل من زاوية آثارها الممتدة على الاقتصاد العالمي، وأسواق الغذاء والطاقة، وحركة التجارة في البحر الأسود. الموقف المصري الرسمي ظل ثابتًا في الدعوة إلى الحلول السلمية والتسويات السياسية عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية. وزارة الخارجية المصرية جدّدت في أكثر من مناسبة خلال 2026 التأكيد على دعم الجهود الرامية إلى تسوية الأزمة، سواء في اتصالاتها مع الجانب الروسي أو الأوكراني.

من هنا، فإن أي تهدئة—even لو كانت محدودة جغرافيًا وزمنيًا—تستحق المتابعة من القاهرة، ليس لأنها تمثل انفراجًا مؤكدًا، بل لأنها قد تعطي مؤشرًا مبكرًا على اتجاهات الخريف المقبل: هل تتجه الحرب إلى تفاوض أكثر انتظامًا؟ أم إلى هدنة جزئية في ملفات محددة مثل استهداف العمق والعواصم، مقابل استمرار القتال الشرس على خطوط التماس والموانئ والبنية التحتية؟ حتى الآن، المعطيات تميل إلى الاحتمال الثاني.

قراءة في الرسائل المتبادلة

ما حدث خلال الساعات الماضية يمكن تلخيصه في ثلاث رسائل رئيسية:

  • أولًا: لدى موسكو وكييف القدرة على ضبط بعض أنماط الاستهداف عندما توجد مظلة تفاوضية دولية ضاغطة.
  • ثانيًا: هذا الضبط لا يعني تراجعًا في أهداف الحرب، بدليل استمرار الضربات في زابوريجيا ومنطقة أوديسا الحدودية.
  • ثالثًا: الوساطة الأمريكية عادت إلى الواجهة، لكن من دون مؤشرات كافية حتى الآن على اختراق سياسي حاسم أو اتفاق قريب لوقف شامل لإطلاق النار.

لذلك، فإن وصف ما جرى بأنه “تهدئة” يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. الأدق أنها إدارة انتقائية للتصعيد، تسمح للأطراف بتحسين شروط التفاوض أو كسب الوقت، من دون أن توقف ماكينة الحرب نفسها. وهذا النمط ليس جديدًا في الصراعات الطويلة؛ إذ غالبًا ما تبدأ الاختبارات الدبلوماسية بتفاهمات جزئية، ثم إما أن تتوسع تدريجيًا أو تنهار تحت ضغط الميدان. وفي الحالة الروسية الأوكرانية، يبدو أن الميدان لا يزال الطرف الأكثر نفوذًا.

الخلاصة

الحدث الأبرز ليس مجرد تبادل هجمات جديدة بين روسيا وأوكرانيا، بل أن الاستثناء هذه المرة شمل موسكو وكييف تحديدًا، في ظل وساطة أمريكية متجددة. لكن هذا الاستثناء لم يحمِ زابوريجيا، ولم يمنع استهداف معبر أورليفكا على الحدود مع رومانيا، ولم يبدد حقيقة أن الحرب ما تزال تدور بكامل قسوتها خارج سقف العاصمتين. من منظور تحليلي، نحن أمام هدنة شكلية فوق الرموز السيادية، لا وقفًا فعليًا للحرب. وحتى يثبت العكس، ستظل الجبهات والأطراف اللوجستية هي المعيار الحقيقي لقياس فرص السلام، لا عدد الليالي التي تنجو فيها العاصمتان من الصواريخ والمسيّرات.