ضغوط أمريكية متصاعدة على نتنياهو لاحتواء جبهات غزة ولبنان وإيران
خلاف يتجاوز التكتيك إلى تصور نهاية الصراع
تشير المعطيات المتداولة في الأسابيع الأخيرة إلى أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تمر بمرحلة أكثر تعقيدًا من مجرد اختلاف في أسلوب إدارة المعارك. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) تبدو معنية، وفق مواقف وتصريحات أمريكية وتقارير متقاطعة، بدفع مسار يخفف الاشتباك المتزامن على جبهات غزة ولبنان وإيران، بينما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التمسك بهامش أوسع من العمل العسكري والمناورة السياسية. وهذا الفارق لم يعد فنيًا، بل يمس السؤال الأكبر: كيف ومتى تتوقف الحروب المفتوحة في الإقليم؟
اللافت هنا أن الحديث لم يعد مقتصرًا على غزة وحدها. فالمقاربة الأمريكية في 2026 اتسعت لتربط بين مسار التهدئة في القطاع، وتثبيت التفاهمات على الجبهة اللبنانية، ومنع انزلاق الملف الإيراني إلى موجة تصعيد جديدة. ومن هذه الزاوية، تبدو الضغوط الأمريكية على إسرائيل جزءًا من محاولة أوسع لإعادة ضبط الإيقاع الإقليمي، لا مجرد خلاف ظرفي مع حكومة نتنياهو.
ما الذي أمكن التحقق منه؟
المؤكد من المصادر الرسمية والتقارير الصحفية الموثوقة أن نتنياهو زار واشنطن يوم 27 يوليو 2026، وقال قبيل مغادرته إنه سيبحث مع ترامب “جميع القضايا الراهنة”، وعلى رأسها إيران. كما أن تقارير مصرية وإسرائيلية وأمريكية تحدثت في التوقيت نفسه عن أجواء توتر وخلافات حول غزة وإيران وملفات إقليمية أخرى، بينها لبنان وسوريا. وفي تغطية مصرية، وصفت بوابة الأهرام الزيارة بأنها جاءت محملة بـ“سلة مطالب” إسرائيلية، مقابل امتعاض أمريكي ورغبة في طرح ملفات التهدئة والضبط الإقليمي على الطاولة.
كذلك، هناك مؤشرات واضحة على أن البيت الأبيض كان منخرطًا خلال صيف 2026 في إدارة ملفات مترابطة تخص لبنان وإيران. فقد نشر البيت الأبيض مواد رسمية عن لقاء ترامب مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في 21 يوليو 2026، وهو ما يعكس أن الملف اللبناني لم يكن هامشيًا في الحسابات الأمريكية. وعلى الجبهة الإيرانية، واصلت الإدارة الأمريكية في بياناتها العلنية الحديث عن “أقصى ضغط” مع الإبقاء على باب التفاهم مفتوحًا، وهو ما يفسر سعيها لمنع أي طرف، بما في ذلك إسرائيل، من إفشال ترتيبات تراها واشنطن مفيدة لمصالحها الأوسع.
غزة: عقدة السياسة قبل الميدان
في ملف غزة، تبدو المعضلة الأساسية أن واشنطن تريد مسارًا قابلًا للتسويق سياسيًا والاحتواء إنسانيًا، بينما تتحرك حكومة نتنياهو وفق حسابات داخلية أشد تصلبًا. تقارير منشورة في يونيو 2026 تحدثت عن وثيقة أمريكية تتناول إعادة إعمار غزة والمضي في ترتيبات ميدانية حتى من دون تحقيق الشرط الإسرائيلي التقليدي الخاص بنزع سلاح حماس فورًا. وإذا صحت القراءة العامة لهذه التسريبات، فإنها تكشف عن فجوة جوهرية: واشنطن تبحث عن صيغة توقف الاستنزاف وتفتح باب “اليوم التالي”، في حين يخشى نتنياهو أن أي تهدئة غير مشروطة ستُفسَّر داخليًا كتنازل سياسي.
هذا الخلاف ليس بسيطًا بالنسبة لمصر. فالقاهرة، بحكم الجغرافيا والدور الوسيط وحدودها المباشرة مع قطاع غزة، معنية بأي تفاهمات تتصل بالإغاثة، وإعادة الإعمار، وضبط الأمن، ومنع التهجير القسري. لذلك فإن أي تعثر بين واشنطن وتل أبيب في ملف التهدئة ينعكس مباشرة على بيئة التحرك المصرية، سواء على مستوى الوساطة أو على مستوى إدارة تداعيات الحرب الإنسانية والأمنية.
لبنان: التهدئة الهشة واختبار “حرية الحركة” الإسرائيلية
أما في لبنان، فالمشهد لا يقل حساسية. تقارير عدة خلال 2026 تحدثت عن سعي أمريكي لتثبيت مسار تسوية أو تفاهمات أمنية تمنع العودة إلى حرب واسعة على الحدود. كما تناولت مصادر إسرائيلية وأمريكية فكرة تمسك إسرائيل بما تسميه “حرية العمل” ضد التهديدات، بما في ذلك داخل الساحة اللبنانية. هذه النقطة بالذات تبدو مركزية في التوتر مع واشنطن: الإدارة الأمريكية قد تقبل بترتيبات أمنية مشددة، لكنها لا تريد أن يبقى المجال مفتوحًا أمام عمليات توسع الاشتباك وتنسف أي تفاهم يتم التوصل إليه.
من منظور تحليلي، فإن لبنان بالنسبة لواشنطن ليس مجرد جبهة إضافية، بل ساحة اختبار لمدى قدرة الإدارة الأمريكية على فرض إيقاع سياسي على حليفها الإسرائيلي. فإذا عجزت عن ضبط السلوك الإسرائيلي هناك، سيكون من الصعب إقناع أي طرف إقليمي بأن التفاهمات الأمريكية قابلة للحياة على المدى المتوسط.
إيران: بين الردع والتسوية
الجبهة الثالثة هي الأكثر تعقيدًا: إيران. خطاب ترامب العلني خلال يوليو 2026 حافظ على نبرة صارمة تجاه البرنامج النووي الإيراني، مع تأكيد متكرر أن طهران “لن تمتلك سلاحًا نوويًا”. لكن التوازي بين التشدد اللفظي ووجود قنوات تفاوض أو ترتيبات احتواء يوحي بأن واشنطن تفضل إدارة الصراع لا تفجيره. هنا يظهر القلق الأمريكي من أن تذهب إسرائيل أبعد مما تريده الإدارة، سواء عبر الضغط لتوسيع المواجهة أو عبر تعطيل أي مخرج تفاوضي لا يرضي حكومة نتنياهو بالكامل.
هذه النقطة تفسر سبب الربط بين غزة ولبنان وإيران في آن واحد. فبالنسبة لواشنطن، لا يمكن بناء تهدئة جزئية على جبهة مع ترك الجبهات الأخرى مفتوحة على المجهول. أما بالنسبة لنتنياهو، فربما يرى أن فصل الساحات أو استخدام إحداها للضغط في الأخرى يمنحه أوراق تفاوض أقوى. من هنا يبدو الخلاف بنيويًا، لا إعلاميًا فقط.
لماذا تتزايد الفجوة الآن؟
هناك ثلاثة أسباب رئيسية تفسر اتساع المسافة بين الطرفين. أولًا، أن إدارة ترامب تريد إظهار قدرتها على فرض مقاربتها الإقليمية الخاصة، لا أن تبدو تابعة بالكامل لأولويات الحكومة الإسرائيلية. ثانيًا، أن كلفة الحروب الممتدة على أكثر من جبهة أصبحت أعلى سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، حتى بالنسبة لحلفاء إسرائيل. ثالثًا، أن نتنياهو نفسه يتحرك تحت ضغط حسابات داخلية معقدة، تجعل أي مرونة في غزة أو لبنان أو إيران قابلة للاستخدام ضده من خصومه أو من حلفائه الأكثر تشددًا.
- في غزة: الخلاف يدور حول شروط التهدئة وشكل “اليوم التالي”.
- في لبنان: التباين يتمحور حول حدود الردع وحرية العمل العسكري.
- في إيران: النزاع يتعلق بمدى أولوية التسوية مقابل الإبقاء على التهديد العسكري.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا ينبغي التعامل مع هذا الخلاف باعتباره شأنًا أمريكيًا إسرائيليًا داخليًا. فكل تحول في توازن القرار بين واشنطن وتل أبيب ينعكس على خرائط التهدئة، وعلى مستقبل المعابر والمساعدات، وعلى احتمالات اتساع الصراع شمالًا نحو لبنان أو شرقًا نحو إيران. كما أن مصر، التي تتمسك برفض تهجير الفلسطينيين وبضرورة الوصول إلى تسوية توقف الحرب وتفتح أفقًا سياسيًا، تجد نفسها أمام لحظة إقليمية دقيقة: ضغوط أمريكية موجودة فعلًا، لكنها لم تتحول بعد إلى إلزام سياسي حاسم على إسرائيل.
الخلاصة أن الحديث عن ضغط أمريكي لإنهاء الحروب في غزة ولبنان وإيران ليس بلا أساس، لكنه أيضًا ليس إعلانًا عن حسم وشيك. ما نراه حتى الآن هو صراع إرادات داخل المعسكر الواحد: واشنطن تريد إغلاق بؤر الاشتعال أو على الأقل تجميدها، بينما يسعى نتنياهو إلى تحسين شروطه قبل أي إغلاق. وبين المقاربتين، تظل المنطقة كلها، ومصر في القلب منها، معنية بمتابعة كل تفصيلة لأن نتائج هذا الاشتباك السياسي قد تحدد شكل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.