Akhbar Cairo

ضغوط حقوقية على الكونجرس لوقف توسيع الشراكة العسكرية مع إسرائيل

جدل متجدد في واشنطن حول المادة 219

عادت العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى واجهة السجال السياسي في واشنطن، بعد تحرك جماعي قادته 56 منظمة حقوقية ومدنية طالبت فيه الكونجرس بحذف المادة 219 من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن البند محل الخلاف لا يتناول مجرد تعاون عسكري اعتيادي، بل يفتح الباب أمام صياغات أعمق للتكامل التكنولوجي والصناعي الدفاعي بين البلدين.

وبحسب ما أوردته رويترز في 3 سبتمبر 2026، فإن المنظمات بعثت برسالة إلى قيادات لجان القوات المسلحة في مجلسي النواب والشيوخ، محذرة من أن الإبقاء على المادة 219 يعني المضي نحو شراكات في المشروعات المشتركة واتفاقات الترخيص والتصنيع المشترك داخل الولايات المتحدة مع الصناعة العسكرية الإسرائيلية. كما ربطت الرسالة هذا التوجه بالمخاوف الحقوقية المتصاعدة بشأن سلوك إسرائيل في غزة والضفة الغربية المحتلة.

ما الذي تنص عليه المادة 219؟

الاسم المتداول للبند هو مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ووفق الوثائق البرلمانية الأمريكية الخاصة بمشروع H.R. 8800، فإن هذا النص طُرح ضمن نسخة مجلس النواب من قانون الدفاع لعام 2027، فيما ظهر نص موازٍ له في المسار التشريعي داخل مجلس الشيوخ أيضاً. وتشير المواد الإجرائية المنشورة من لجنة القواعد في مجلس النواب إلى أن تعديلاً قاده النائب الجمهوري توماس ماسي، وشاركه فيه نواب من بينهم رو خانا وجيم ماكغفرن ورشيدة طليب، استهدف صراحة حذف المادة 219 من المشروع.

من الناحية العملية، يرى مؤيدو الإلغاء أن النص يتجاوز التعاون الدفاعي التقليدي إلى دمج مؤسسي أعمق في مجالات مثل البحث والتطوير والاختبارات والإنتاج المشترك، بما قد يجعل العلاقة أقل خضوعاً للرقابة السياسية المعتادة. أما المؤيدون للمادة، فيقدمونها باعتبارها آلية لتحديث الشراكة الأمنية وتوسيع الاستفادة الأمريكية من التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية. هذا التباين يفسر لماذا تحول بند يبدو فنياً إلى معركة سياسية وقيمية مفتوحة.

لماذا تتحرك المنظمات الحقوقية الآن؟

التوقيت ليس منفصلاً عن المشهد الأوسع. فمنذ اندلاع الحرب في غزة بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، تصاعدت داخل الولايات المتحدة موجة انتقادات تربط الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل بمسائل القانون الدولي الإنساني والمساءلة. منظمات مثل هيومن رايتس ووتش اعتبرت أن إدراج مثل هذا البند داخل قانون دفاع سنوي “إجباري المرور” سيمنح ترتيبات بعيدة المدى فرصة العبور السياسي في لحظة يفترض فيها، من وجهة نظرها، إعادة تقييم العلاقة العسكرية لا توسيعها.

كما أن منظمات أمريكية أخرى، بينها مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، ذهبت أبعد من ذلك ووصفت المادة بأنها خطوة نحو “دمج” دفاعي واستخباراتي طويل الأمد، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل المجتمع المدني والجامعات الأمريكية لمراجعة حجم ونوعية المساندة العسكرية المقدمة لإسرائيل.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه المناقشة بعيدة جغرافياً لكنها تمس ملفاً شديد الصلة بالمنطقة: كيف تُدار موازين القوة في الشرق الأوسط؟ وأي أدوات تستخدمها واشنطن للحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري؟ هنا لا يدور النقاش حول بند قانوني فحسب، بل حول الرسالة السياسية التي يبعث بها الكونجرس في لحظة إقليمية مشتعلة.

داخل الكونجرس: انقسام لا يمكن تجاهله

المثير في هذا الملف أن الخلاف لم يعد محصوراً بين ناشطين حقوقيين ومؤسسات الضغط التقليدية، بل دخل صلب المؤسسة التشريعية الأمريكية. فالسجلات البرلمانية والمواد الإجرائية تظهر أن مجلس النواب ناقش مشروع قانون الدفاع لعام 2027 خلال يوليو 2026، وأن المادة 219 كانت محل تعديلات مقترحة، من بينها مقترح لإزالتها بالكامل وآخر لتخفيف لغتها عبر حذف كلمة “integration” أو “الاندماج”. هذا وحده يكشف أن الجدل تجاوز الهامش وأصبح معترفاً به داخل آليات التشريع نفسها.

ويكتسب دور رئيس مجلس النواب مايك جونسون أهمية رمزية ومؤسسية هنا، بصفته على رأس المجلس الذي مرّت عبره النسخة المعنية من التشريع. ووفق الموقع الرسمي لمجلس النواب، لا يزال جونسون يشغل منصب رئيس المجلس حتى الآن.

ما وراء البند: من المساعدات إلى التشبيك الصناعي

أحد أسباب حساسية المادة 219 أنها تأتي في سياق علاقة عسكرية قائمة بالفعل منذ عقود. فالنقاش الحالي لا يبدأ من الصفر؛ الولايات المتحدة تقدم لإسرائيل مساعدات عسكرية سنوية كبيرة، والمنظمات المعارضة تشير إلى أن القيمة المتداولة لهذه المساعدات تبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً بموجب الالتزامات الأمريكية طويلة الأمد، وهو ما يجعل أي خطوة نحو التصنيع المشترك أو الدمج التقني أشبه بانتقال من الدعم إلى التشبيك البنيوي.

من زاوية تحليلية، هذا التحول مهم للغاية. الدعم المالي أو صفقات السلاح يمكن نظرياً تعديلها أو تقليصها بقرار سياسي لاحق. أما إدخال شراكات ترخيص وإنتاج مشترك وتدفقات تقنية واستخباراتية في هياكل مؤسسية، فهو يجعل فك الارتباط أصعب وأكثر كلفة. لذلك ترى المنظمات الحقوقية أن المادة 219 ليست بنداً تفصيلياً، بل محاولة لإضفاء طابع دائم على مستوى جديد من الارتباط العسكري.

لماذا يهم هذا مصر والمنطقة؟

من منظور مصري وعربي، يتجاوز أثر هذا الجدل حدود واشنطن. فكل توسيع للشراكة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ينعكس على معادلات الردع، وعلى سوق السلاح والتكنولوجيا الأمنية، وعلى طريقة تعامل الإدارات الأمريكية المقبلة مع ملفات غزة والضفة ولبنان. وفي الإقليم، لا يُقرأ هذا النوع من التشريعات فقط باعتباره تعاوناً بين حليفين، بل كجزء من إعادة هندسة بنية الأمن الإقليمي.

كما أن توقيت الجدل يكتسب وزناً إضافياً لأن الرأي العام العربي، والمصري تحديداً، يتابع بدقة كيف تُترجم المواقف الأمريكية داخل المؤسسات لا في التصريحات وحدها. هنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل بدأت قطاعات من المجتمع الأمريكي ومشرعين داخل الكونجرس فعلاً في الانتقال من انتقاد الحرب إلى محاولة تقييد أدوات الدعم المؤسسي لإسرائيل؟

سيناريوهات ما بعد الضغوط الحالية

حتى الآن، لا يعني تحرك 56 منظمة أن المادة 219 ستحذف تلقائياً. فمشروع قانون الدفاع الأمريكي يمر بمسار تفاوضي معقد بين مجلسي النواب والشيوخ، وغالباً ما تُعاد صياغة البنود المختلف عليها خلال مراحل لاحقة. لكن مجرد انتقال الاعتراض من بيانات صحفية إلى رسائل منظمة وتعديلات برلمانية مقترحة يعكس تغيراً ملموساً في طبيعة النقاش الأمريكي حول إسرائيل.

  • السيناريو الأول: حذف المادة كلياً تحت ضغط التحالفات الحقوقية وبعض النواب من الحزبين.
  • السيناريو الثاني: الإبقاء عليها مع تعديل اللغة لتخفيف دلالات “الاندماج” الواسع.
  • السيناريو الثالث: تمريرها ضمن تسوية أكبر داخل قانون الدفاع، وهو ما تخشاه المنظمات الحقوقية تحديداً.

خلاصة تحليلية

ما يجري في واشنطن اليوم ليس مجرد نقاش تقني حول مادة في مشروع قانون، بل اختبار سياسي لحدود التحول داخل الولايات المتحدة نفسها. فبعد سنوات كان فيها الحديث عن أمن إسرائيل يحظى بإجماع شبه تلقائي، أصبح السؤال المطروح الآن أكثر تعقيداً: هل ينبغي توسيع الشراكة العسكرية في ذروة الانتقادات الموجهة إلى الحرب على غزة، أم أن اللحظة تفرض مراجعة هذا المسار؟

بالنسبة لقسم تحليلات ورأي، فإن الأهمية الحقيقية للقضية لا تكمن فقط في مصير المادة 219، بل في كونها مؤشراً على تصدع متزايد داخل الخطاب الأمريكي حول إسرائيل. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد لا تكون المعركة المقبلة حول بند واحد، بل حول طبيعة العلاقة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية كلها في السنوات القادمة.