Akhbar Cairo

ضوابط أمنية جديدة بالمحاكم: بين الانضباط والحق في المعرفة

وزارة العدل تشدد إجراءات الأمن داخل المحاكم

تتجه وزارة العدل المصرية إلى إحكام السيطرة التنظيمية داخل دور المحاكم عبر حزمة ضوابط أمنية جديدة، في مقدمتها منع التصوير داخل المقار القضائية أثناء أداء العاملين لمهامهم، مع تشديد إجراءات الدخول والتحقق من هويات المترددين وتسجيل بياناتهم. ويأتي ذلك ضمن كتاب دوري حمل رقم 17 بشأن تعزيز الإجراءات الأمنية داخل دور المحاكم، بحسب ما تداولته تغطيات صحفية مصرية استندت إلى مضمون التعليمات الجديدة. وتنسجم هذه الخطوة مع مسار أوسع تتبناه الدولة لتحديث بيئة العمل القضائي وتأمينها بالتوازي مع التوسع في الرقمنة والخدمات الإلكترونية.

ما الذي تغير عمليًا داخل مقار العدالة؟

الرسالة الأساسية في الضوابط الجديدة واضحة: المحكمة ليست فقط ساحة لتطبيق القانون، بل أيضًا منشأة سيادية تتطلب مستوى أعلى من الانضباط في الحركة والتوثيق البصري والوصول إلى المكاتب والقاعات. لذلك يبرز حظر التصوير بالهواتف المحمولة أو بأي أجهزة أخرى كإجراء يستهدف الحد من تسرب الصور والمقاطع من داخل المقرات، خاصة في بيئة تتعامل يوميًا مع أوراق قضائية وبيانات شخصية ووقائع حساسة. وفي الوقت نفسه، يشير تشديد التحقق من هوية الزائرين وتسجيل بياناتهم إلى توجه أكثر صرامة في إدارة الدخول، بما يقلص من العشوائية والزحام غير المنضبط داخل المجمعات القضائية.

ومن الناحية العملية، لا يبدو هذا التوجه منفصلًا عن خبرة سابقة راكمتها مؤسسات العدالة في ملف التأمين. فقد شهدت السنوات الماضية خططًا لتدعيم المحاكم بأجهزة تفتيش وكاميرات مراقبة ودوائر متابعة داخلية، وهو ما ظهر في تغطيات سابقة عن جهود تأمين المداخل والقاعات ومحيط المحاكم. الجديد الآن أن التعليمات تبدو أقرب إلى إعادة ضبط سلوك الاستخدام اليومي للمكان القضائي، وليس فقط الاكتفاء بالأدوات الأمنية التقليدية.

لماذا الآن؟

القراءة السياسية والإدارية للقرار تشير إلى أن المسألة تتجاوز مجرد منع التصوير بوصفه سلوكًا فرديًا. فالمحاكم في مصر تشهد منذ سنوات عملية تطوير تشمل ميكنة الخدمات، وتداولًا إلكترونيًا لبعض الإجراءات، وربطًا تقنيًا بين جهات العدالة المختلفة. وقد أكدت وزارة العدل، في أكثر من مناسبة، أن تحديث البنية القضائية وتهيئة بيئة العمل داخل المحاكم جزء من خطة أوسع لرفع الكفاءة وتسريع التقاضي. كما أُطلقت خلال الأسابيع الأخيرة خدمات تكامل إلكتروني بين النيابة العامة ومحاكم الجنايات، بما يعكس اتجاها متناميًا نحو بيئة قضائية أكثر تنظيمًا وأعلى حساسية تجاه أمن البيانات وتدفق المعلومات.

في هذا السياق، يصبح منع التصوير مفهومًا بوصفه أحد وجوه حوكمة المجال القضائي. فكلما توسعت المؤسسات في الاعتماد على النظم الرقمية المؤمنة، زادت الحاجة إلى التحكم في المنافذ غير الرسمية لتداول المعلومات، بما فيها الصور الملتقطة على الهواتف المحمولة أو المقاطع المتداولة خارج الإطار المؤسسي. هذا لا يتعلق فقط بهيبة المحكمة، بل أيضًا بسلامة الإجراءات، وخصوصية المتقاضين، وحماية الموظفين وأعضاء الهيئات القضائية من أي استخدام خارج السياق لما يجري داخل المقرات.

بين الأمن والشفافية: أين يقع التوازن؟

من زاوية "تحليلات ورأي"، القرار يطرح سؤالًا حساسًا: كيف يمكن تعزيز الأمن داخل المحاكم من دون أن يتحول ذلك إلى انغلاق كامل على المجتمع أو إلى مساحة رمادية في ما يخص الحق في المعرفة؟ الإجابة هنا ليست بسيطة. فالمحكمة بطبيعتها ليست مكانًا عامًا بالمفهوم المطلق، بل فضاء منظم تحكمه قواعد إجرائية صارمة. لكن في المقابل، تظل العدالة في أي دولة حديثة بحاجة إلى قدر من العلنية والوضوح يرسخ الثقة لدى المواطنين.

لذلك، فإن نجاح الضوابط الجديدة لن يُقاس فقط بمدى المنع أو التشديد، بل بقدرة الإدارة القضائية على وضع قواعد معلنة ومفهومة تفرّق بين الاستخدام العشوائي أو الضار للتصوير، وبين الحاجة إلى تنظيم حضور الإعلام أو توثيق بعض الوقائع وفق أطر قانونية واضحة. فالمطلوب ليس إغلاق المجال، بل تنظيمه. وهذه نقطة فارقة بين قرار أمني يحقق الاستقرار، وقرار إداري قد يُساء فهمه إذا غابت عنه التفسيرات الإجرائية الكافية.

كاميرات المراقبة: حماية مشروعة أم عبء على الخصوصية؟

تفعيل كاميرات المراقبة داخل المحاكم يبدو امتدادًا طبيعيًا لفلسفة التأمين الحديثة، لا سيما أن التشريعات المصرية في مجالات أخرى أقرت من حيث المبدأ استخدام الكاميرات لأغراض الحماية والانضباط. فالقانون رقم 151 لسنة 2019 بشأن المحال العامة ألزم المحال بتركيب كاميرات مراقبة داخلية وخارجية وفق الاشتراطات المنظمة، بما يعكس حضور هذا المنطق في الإدارة العامة للمرافق والمساحات المفتوحة للجمهور. ورغم اختلاف طبيعة المحاكم عن المحال العامة، فإن الفكرة المشتركة تتمثل في أن المراقبة أصبحت أداة إدارة وحماية، لا مجرد وسيلة توثيق.

لكن الحساسية هنا مضاعفة. فالمحاكم تتعامل مع نزاعات أسرية، وقضايا جنائية، وبيانات شخصية، وشهادات قد تمس حياة الأفراد وسمعتهم مباشرة. ومن ثم، فإن أي توسع في استخدام الكاميرات يجب أن يرتبط بضوابط صارمة تتعلق بمناطق التغطية، وحفظ التسجيلات، وجهات الاطلاع عليها، ومدة الاحتفاظ بها. الأمن ضروري، لكن الخصوصية القضائية ليست ترفًا. ومن دون هذا التوازن، قد تنشأ مخاوف مشروعة لدى المتقاضين والعاملين على السواء.

ما الذي يعنيه القرار للمواطن والمحامي والموظف؟

  • للمواطن: عليه توقع إجراءات دخول أكثر انضباطًا، تشمل إبراز الهوية وتسجيل البيانات والالتزام بعدم التصوير داخل المقرات.
  • للمحامي: القرار قد يضيف طبقة تنظيمية جديدة إلى الحركة داخل المجمعات القضائية، بما يتطلب وضوحًا في آليات تطبيق التعليمات على أصحاب الصفة والحضور المهني.
  • للموظف والعامل بالمحكمة: الضوابط الجديدة تمنح الإدارة سندًا أقوى لمواجهة تسرب الصور أو استخدام الهواتف أثناء العمل في بيئة يفترض أن تكون شديدة الانضباط.
  • للمنظومة ككل: إذا اقترنت الإجراءات بتحسين الخدمات الرقمية وتقليل التكدس، فقد ترفع الكفاءة بدلًا من أن تتحول إلى عبء يومي إضافي.

الخلاصة: القرار مفهوم.. لكن الاختبار في التطبيق

من حيث المبدأ، يصعب الاعتراض على سعي وزارة العدل إلى حماية دور المحاكم من الفوضى والتسريب والاختراقات السلوكية أو الأمنية. كما أن الاتجاه ينسجم مع خطاب رسمي أوسع عن تحديث العدالة المصرية وتأمين بنيتها المادية والرقمية. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الضوابط ستظهر في طريقة تطبيقها: هل ستكون موحدة وواضحة وعادلة؟ هل ستراعي خصوصية العمل القضائي من دون تعسف؟ وهل ستُدمج ضمن رؤية خدمية أوسع تقلل الزحام وتُيسر الإجراءات بدلًا من أن تضيف طبقات جديدة من التعقيد؟

في النهاية، تحتاج المحاكم المصرية إلى معادلة دقيقة: هيبة وانضباط وأمن من جهة، وثقة ووضوح واحترام لحقوق المتعاملين من جهة أخرى. وإذا نجحت وزارة العدل في إدارة هذه المعادلة، فقد تتحول الضوابط الجديدة من مجرد تعليمات أمنية إلى خطوة مؤثرة في إعادة تعريف العلاقة بين المواطن ومرفق العدالة في مصر.