Akhbar Cairo

طارق فهمي: إسرائيل قد تعيد تشكيل صراع واشنطن وطهران

إسرائيل بين التهدئة والتصعيد في المواجهة الأمريكية الإيرانية

تفتح تصريحات الدكتور طارق فهمي بابًا واسعًا لقراءة أكثر تعقيدًا للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن أن إسرائيل قد لا تكتفي بدور المراقب أو الشريك غير المعلن، بل قد تتحرك بوصفها طرفًا قادرًا على إعادة صياغة قواعد الاشتباك نفسها. وفي توقيت تتداخل فيه التحركات العسكرية مع المفاوضات غير المستقرة، تبدو هذه القراءة مهمة للقارئ المصري الذي يتابع بقلق تأثير أي انفجار جديد في الإقليم على البحر الأحمر والملاحة والطاقة وأمن المنطقة الأوسع.

فهمي، أستاذ العلوم السياسية، حذر في تصريحات منشورة خلال الأسابيع الماضية من أن انضمام إسرائيل إلى الجانب الأمريكي أو توسيعها بنك الأهداف ضد إيران قد يقود إلى اتساع العمليات العسكرية، بما يرفع كلفة المواجهة على الجميع، ويدفع المشهد من حالة التصعيد المنضبط إلى مرحلة أكثر خطورة. كما أشار إلى أن واشنطن وطهران تتحركان داخل مساحة شديدة الحساسية، حيث لا تزال احتمالات التفاوض قائمة، لكن من دون ضمانات حقيقية تمنع العودة إلى الضربات المتبادلة.

ماذا قال طارق فهمي؟

جوهر الموقف الذي طرحه فهمي يقوم على أن إسرائيل قد تغيّر معادلة الحرب بين أمريكا وإيران عبر مسارين متوازيين: الأول عسكري، من خلال الدفع نحو توسيع الأهداف أو استهداف مواقع أكثر حساسية داخل إيران؛ والثاني سياسي، عبر زيادة الضغط على دوائر القرار في واشنطن لعدم الاكتفاء بتهدئة مؤقتة أو تفاهمات مرحلية. وبحسب قراءته، فإن تل أبيب تنظر إلى الملف الإيراني باعتباره قضية أمن قومي ممتدة، وليس مجرد أزمة ظرفية يمكن تجميدها بوقف إطلاق نار محدود.

وفي مداخلة منشورة بتاريخ 8 أبريل 2026، تحدث فهمي عن تضارب في الخطاب الأمريكي، واعتبر أن أي تهدئة لا تستند إلى تفاهمات راسخة قد تبقى مجرد خطوة مؤقتة. كما لفت إلى أن بوصلة التحرك الإسرائيلي قد تتجه إلى الأهداف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم المخصب، وهو ما يفسر مخاوفه من أن تؤدي الحسابات الإسرائيلية إلى تعقيد مسار التهدئة بدلًا من تثبيته.

ما الذي جرى بين واشنطن وطهران؟

المعطيات الرسمية الأمريكية تُظهر أن المواجهات التي بدأت في 28 فبراير 2026 انتهت بوقف إطلاق نار أمر به الرئيس الأمريكي في 7 أبريل 2026. كما قالت الإدارة الأمريكية إن هذا المسار تزامن مع إعادة فتح مضيق هرمز والتفاوض على تفاهم أوسع. هذه النقطة مهمة لأنها تؤكد أن الحديث عن التهدئة لم يكن مجرد تكهنات إعلامية، بل استند إلى وثائق ومواقف صادرة عن البيت الأبيض نفسه.

لكن التهدئة لم تُنهِ الشكوك. فخلال أغسطس 2026، تحدثت تقارير دولية عن استمرار مفاوضات غير مستقرة بشأن مضيق هرمز، مع إقرار أمريكي وإيراني بأن الاتفاق قريب لكنه ما زال هشًا، فيما ظلت التطورات الميدانية في الإقليم، خاصة ما يتصل بإسرائيل ولبنان والبحر الأحمر، عاملًا ضاغطًا على أي تسوية محتملة. هذا يعني أن المشهد الذي تحدث عنه فهمي قبل أشهر لا يزال حاضرًا: وقف إطلاق نار قابل للاهتزاز، ومفاوضات تحت الضغط، ودور إسرائيلي يصعب عزله عن المسار كله.

لماذا تخشى واشنطن من توسيع الدور الإسرائيلي؟

الولايات المتحدة تنظر عادة إلى أي تصعيد إسرائيلي مباشر ضد إيران من زاويتين: الأولى تتعلق بإمكانية جر القوات الأمريكية إلى مواجهة أوسع، والثانية ترتبط بتهديد الممرات البحرية والطاقة. وبالنسبة لمصر، فإن أي اضطراب كبير في الإقليم ينعكس فورًا على حسابات الأمن البحري في البحر الأحمر، وعلى كلفة الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تهم الاقتصاد المصري والرأي العام معًا.

ومن هذا المنطلق، تبدو ملاحظة فهمي بشأن “التعتيم على العمليات” ذات مغزى؛ فكلما زادت الضربات غير المعلنة أو العمليات ذات الطابع الاستخباراتي، أصبح من الأصعب ضبط ردود الفعل أو احتواء التصعيد سياسيًا. إسرائيل، وفق هذا التصور، قد تتحرك أحيانًا على قاعدة فرض وقائع جديدة ثم ترك واشنطن تتعامل مع النتائج. وهذه واحدة من أكثر الزوايا حساسية في الأزمة، لأنها تنقل مركز الثقل من التفاوض إلى إدارة التداعيات.

إيران وأوراق الضغط الإقليمية

في المقابل، لا تبدو طهران بلا أدوات. فهمي أشار إلى أن إيران تحتفظ بأوراق ضغط نظرية وعملية، وأنها لم تستخدم كل ما لديها في المواجهة. كما أن الإدارة الأمريكية نفسها تقول إن إيران ما تزال مصدر تهديد للمصالح الأمريكية والإقليمية، مع استمرار القلق من برنامجها النووي والصاروخي ومن دور الحرس الثوري وشبكات الحلفاء الإقليميين.

وإذا أضيف إلى ذلك ملف الملاحة في مضيق هرمز، تتضح خطورة أي تحرك غير محسوب. فالممر ليس مجرد تفصيل جغرافي، بل شريان عالمي للطاقة والتجارة. لذلك، فإن أي ضربة توسع المواجهة بين إسرائيل وإيران قد تدفع المنطقة كلها إلى مرحلة تتجاوز الحرب التقليدية نحو تعطيل الملاحة ورفع كلفة الإمدادات وإرباك العواصم العربية والأفريقية المطلة على المسارات البحرية الحيوية.

قراءة مصرية للمشهد الأوسع

من زاوية مصرية وأفريقية، لا يمكن فصل التوتر الأمريكي الإيراني عن التداعيات الممتدة على الإقليم المحيط بمصر، من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فالقاهرة تتعامل دائمًا مع الاستقرار الإقليمي باعتباره جزءًا من أمنها القومي، خصوصًا في ما يرتبط بحركة التجارة الدولية وسلامة الممرات البحرية. ولهذا فإن أي دور إسرائيلي يدفع نحو توسيع المواجهة لا يظل شأنًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران، بل يتحول إلى عامل ضغط على بيئة إقليمية أوسع تمس المصالح العربية والأفريقية مباشرة.

كما أن استمرار الغموض في المفاوضات، وتضارب التصريحات، ووجود وساطات متحركة بين أكثر من طرف، كلها مؤشرات على أن المنطقة لم تصل بعد إلى تسوية مستقرة. ووفق ما طرحه فهمي في أكثر من مناسبة، فإن الأزمة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة: تهدئة مؤقتة، تفاوض جديد، أو عودة إلى العمل العسكري إذا رأت إسرائيل أن واشنطن تميل إلى حلول مرحلية لا تستجيب بالكامل لأولوياتها الأمنية.

الخلاصة

تصريحات طارق فهمي لا تكتفي بوصف التوتر بين أمريكا وإيران، بل تضع إسرائيل في قلب المعادلة بوصفها طرفًا قد يسرّع التصعيد أو يربك أي تهدئة قائمة. وبين وقف إطلاق النار المعلن في 7 أبريل 2026، والمفاوضات الهشة التي استمرت بعده، والضغوط الإسرائيلية المتواصلة، يظل المشهد مفتوحًا على سيناريوهات متباينة. الرسالة الأساسية هنا أن الأزمة لم تعد مجرد صراع مباشر بين واشنطن وطهران، بل شبكة مصالح وضغوط وعمليات حسابها شديد التعقيد، وأي تغيير فيها ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى فضائه العربي والأفريقي الأوسع.