Akhbar Cairo

طلب إحاطة في البرلمان بعد تراجع مصر بمؤشر الفساد

تحرك برلماني جديد بعد ثبات ترتيب مصر في مؤشر مدركات الفساد

شهد مجلس النواب تحركًا رقابيًا جديدًا بعد تقدم الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة عاجل موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء، على خلفية استمرار حصول مصر على 30 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد، مع بقائها في المركز 130 عالميًا من بين 182 دولة وإقليمًا وفق الصفحة الخاصة بمصر على موقع منظمة الشفافية الدولية. ويأتي هذا الجدل بينما تقول الجهات الرسمية إن الدولة تمضي في تنفيذ مراحل متتالية من الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي انطلقت لأول مرة في 9 ديسمبر 2014.

التحرك البرلماني أعاد الملف إلى الواجهة داخل الشأن العام المصري، خصوصًا مع مرور نحو عشر سنوات على إطلاق أول استراتيجية رسمية متكاملة لمواجهة الفساد، ومع انتقال الدولة لاحقًا إلى مراحل جديدة شملت استراتيجية 2019-2022 ثم المرحلة الثالثة الممتدة من 2023 إلى 2030، بحسب ما تنشره هيئة الرقابة الإدارية.

ماذا قال طلب الإحاطة؟

بحسب ما نُشر عن الطلب، فإن البياضي طالب الحكومة بتقديم كشف حساب واضح بشأن ما تحقق فعليًا من خطط مكافحة الفساد، مع إعلان نتائج ملموسة يمكن قياسها، بدل الاكتفاء بالإطار الاستراتيجي أو الأهداف العامة. كما ركز طلب الإحاطة على أسئلة تتعلق بحجم الأموال العامة التي تم استردادها، وعدد وقائع الفساد التي كُشفت، وما انتهت إليه التحقيقات والأحكام النهائية في القضايا المرتبطة بإهدار المال العام.

ويكتسب هذا الطلب أهمية خاصة لأن صاحبه ربط بين ثبات درجة مصر عند 30 نقطة وبين التساؤل حول العائد العملي من الاستراتيجيات الرسمية التي تم إطلاقها على مدار السنوات الماضية. كما طالب بتوضيح ما إذا كانت هناك مراجعة لأسباب التراجع مقارنة بسنوات سابقة، وما إذا كانت الحكومة تعتزم تقديم مؤشرات أداء أكثر شفافية أمام البرلمان والرأي العام.

ترتيب مصر على المؤشر: ماذا تعني الأرقام؟

مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية يقيس تصورات خبراء ورجال أعمال بشأن مستوى الفساد في القطاع العام، وتُمنح الدول درجات من 0 إلى 100، بحيث تعني الدرجة الأعلى إدراكًا أقل للفساد. ووفق بيانات المنظمة الخاصة بمصر، سجلت البلاد هذا العام 30/100 من دون تغير عن العام السابق، وجاء ترتيبها 130 من أصل 182.

ورغم أن المؤشر لا يُعد حكمًا قضائيًا على وقائع بعينها، فإنه يُستخدم دوليًا باعتباره أحد أبرز المؤشرات المرجعية في تقييم الشفافية والحوكمة وكفاءة المؤسسات العامة. لهذا السبب، فإن بقاء مصر عند نفس الدرجة يفتح بابًا للنقاش حول مدى انعكاس جهود الإصلاح الإداري والرقمنة والضبط الرقابي على الصورة العامة المتشكلة لدى المؤسسات الدولية والفاعلين الاقتصاديين.

الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد.. ثلاث مراحل منذ 2014

الجهة الرسمية الأبرز في هذا الملف هي هيئة الرقابة الإدارية، التي توضح على موقعها أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد أُطلقت يوم 9 ديسمبر 2014 بالتزامن مع اليوم الدولي لمكافحة الفساد. وتشير الهيئة إلى أن الخطة تطورت عبر ثلاث مراحل: الأولى من 2014 إلى 2018، والثانية من 2019 إلى 2022، ثم المرحلة الثالثة من 2023 إلى 2030.

كما تعرض الهيئة تقارير متابعة وتقارير ختامية للمرحلة الثانية، بما يعكس وجود إطار مؤسسي منظم للمتابعة والتقييم. وفي السياق نفسه، تنشر الهيئة العامة للاستعلامات مواد تعريفية تؤكد أن الدولة ربطت ملف مكافحة الفساد بأهداف أوسع مثل رؤية مصر 2030، والحوكمة، والتحول الرقمي، وتحسين الخدمات العامة، وتقليل الاحتكاك المباشر بين طالب الخدمة ومقدمها.

لماذا يثير الملف اهتمامًا واسعًا في مصر؟

الحديث عن الفساد في مصر لا ينفصل عن قضايا يومية تهم المواطن مباشرة، مثل كفاءة الإنفاق العام، وعدالة توزيع الخدمات، ومناخ الاستثمار، وتكلفة المشروعات، ومستوى الثقة في المؤسسات. ولهذا يلفت طلب الإحاطة الانتباه لأنه لا يتوقف عند رقم دولي فقط، بل يربط بين المؤشر وبين أسئلة داخلية تمس الاقتصاد والخدمات والحوكمة.

وفي العادة، تنعكس ملفات النزاهة والشفافية على تقييمات المستثمرين والمؤسسات الدولية لبيئة الأعمال، كما تؤثر على صورة الجهاز الإداري للدولة وقدرته على إنفاذ القواعد ومنع تضارب المصالح. ومن هنا تبدو المطالبة البرلمانية بمزيد من الإفصاح عن حصيلة مكافحة الفساد محاولة لنقل النقاش من المستوى العام إلى مستوى الأرقام والنتائج القابلة للفحص.

أبرز النقاط التي يطالب البرلمان بتوضيحها

  • تفسير استمرار مصر عند 30 نقطة في مؤشر مدركات الفساد.
  • عرض نتائج الاستراتيجية الوطنية بالأرقام لا بالشعارات العامة.
  • إعلان حجم الأموال المستردة من وقائع إهدار المال العام أو الاستيلاء عليه.
  • توضيح عدد القضايا التي جرى اكتشافها وإحالتها للتحقيق والفصل فيها.
  • بيان أثر ملاحظات الأجهزة الرقابية وكيفية التعامل معها مؤسسيًا.
  • شرح الضمانات المرتبطة بالشفافية ومنع تضارب المصالح وحماية المبلغين.

بين المؤشرات الدولية والرواية الرسمية

من المهم هنا التمييز بين مسارين: الأول هو المؤشرات الدولية التي تقيس الانطباعات المدعومة ببيانات متعددة عن نزاهة القطاع العام، والثاني هو الرواية الرسمية التي تستند إلى برامج الإصلاح المؤسسي وتطوير الخدمات والرقابة والرقمنة. وبين المسارين، يظل التحدي الأساسي هو تحويل الجهد الإداري والتشريعي إلى تحسن محسوس وقابل للقياس في المؤشرات، وفي تجربة المواطن اليومية مع المرافق والخدمات.

ولهذا، فإن الجلسات البرلمانية المقبلة قد تشهد نقاشًا أوسع حول ما إذا كانت مصر تحتاج إلى تحديث أدوات القياس المحلية، أو تعزيز الإفصاح الدوري عن نتائج الاستراتيجية، أو توسيع نشر البيانات المتعلقة بالمحاسبة واسترداد الأموال العامة، بما يساعد على بناء صورة أوضح لدى الداخل والخارج معًا.

ما المتوقع خلال الفترة المقبلة؟

إذا أُدرج طلب الإحاطة على جدول المناقشات، فمن المرجح أن تتجه الأنظار إلى رد الحكومة بشأن حصيلة السنوات العشر الماضية في هذا الملف، وخاصة ما يتعلق بالأثر الفعلي للمرحلة الأولى والثانية من الاستراتيجية، وما إذا كانت المرحلة الثالثة 2023-2030 ستشهد آليات مختلفة للمتابعة والإفصاح والقياس.

وفي كل الأحوال، يعكس هذا التطور أن ملف مكافحة الفساد في مصر سيظل حاضرًا في النقاش العام، ليس فقط باعتباره عنوانًا سياسيًا أو إداريًا، بل لأنه يرتبط مباشرة بمطالب المصريين في الخدمة الجيدة، والعدالة، وكفاءة الإنفاق، وشفافية المؤسسات. ومع بقاء مصر عند 30 نقطة في المؤشر الدولي، يبدو أن الضغوط من أجل تقديم نتائج أكثر وضوحًا ستزداد خلال الفترة المقبلة، سواء داخل البرلمان أو في المجال العام الأوسع.