طهران بين التشدد والبراغماتية: أين غابت الحكمة السياسية؟
طهران في لحظة اختبار: الدولة أم منطق الشعارات؟
حين يُطرح عنوان مثل الحكمة السياسية الغائبة في طهران، فالمقصود ليس مجرد سجال نظري حول أسلوب الحكم في إيران، بل سؤال عملي يتعلق بكيفية إدارة دولة تواجه في وقت واحد ضغوطًا اقتصادية قاسية، وتعقيدات في الملف النووي، ومواجهة مفتوحة أو شبه مفتوحة مع الولايات المتحدة وحلفائها، فضلًا عن انعكاسات ذلك على أمن الخليج وحركة التجارة والطاقة في المنطقة. وفي هذا السياق، تبدو الأزمة الإيرانية أكبر من مجرد خلاف دبلوماسي؛ إنها اختبار لقدرة صانع القرار في طهران على الموازنة بين الاعتبارات الأيديولوجية ومتطلبات البقاء السياسي والاقتصادي. وفق ما نقلته تقارير دولية حديثة، فإن القيادة الإيرانية تقر علنًا بأن العقوبات والاضطرابات في سعر العملة والتضخم والبطالة باتت من أبرز التحديات الداخلية التي تتطلب تحركًا سريعًا، وهو اعتراف يكشف حجم الضغوط المتراكمة داخل البلاد.
الملف النووي: العقدة التي لا تختفي
لا يمكن فهم مأزق طهران من دون التوقف عند البرنامج النووي الإيراني، بوصفه نقطة الاشتباك الرئيسية بينها وبين الغرب. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية أفادت في يونيو 2026 بأنها لم تعد قادرة على تقديم صورة دقيقة عن حجم ومكان مخزون اليورانيوم المخصب في إيران، كما شددت في تقرير آخر على ضرورة التزام طهران الكامل باتفاقات الضمانات وعدم تعليقها تحت أي ظرف. هذا التطور لا يعني فقط تصاعد الشكوك الدولية، بل يضع إيران أمام معادلة معقدة: كلما توسعت فجوة الثقة، تقلصت فرص التسوية السياسية وارتفعت كلفة المراهنة على الغموض.
ومن زاوية سياسية، فإن الحكمة هنا كانت تقتضي من طهران تقليل مساحات الالتباس مع الوكالة الدولية، لأن أي فراغ معلوماتي في ملف بهذه الحساسية يتحول سريعًا إلى مادة للضغط والعقوبات وربما لتبرير خطوات أشد قسوة. وفي الإقليم، يدرك المتابع العربي أن استمرار هذا التوتر لا يبقى محصورًا داخل الحدود الإيرانية، بل ينعكس مباشرة على حركة الملاحة وأسعار الطاقة ومناخ الاستثمار في الشرق الأوسط كله.
مضيق هرمز: ورقة ضغط أم عبء استراتيجي؟
أحد أبرز مظاهر التصعيد خلال 2026 ارتبط بمضيق هرمز، وهو شريان حيوي للتجارة والطاقة عالميًا، ويكتسب أهمية خاصة للدول العربية المطلة على الخليج وللاقتصادات المستوردة للطاقة في المنطقة. وخلال الأيام الأخيرة، تحدثت تقارير عن اتجاه إيران إلى إعلان منطقة استبعاد قرب المضيق، في وقت سبقت فيه اتهامات وهجمات متبادلة رفعت مستوى التوتر البحري. كما أدانت مصر رسميًا في يوليو 2026 استهداف ناقلات سعودية وقطرية، وأكدت رفضها أي أعمال تمس سيادة الدول الشقيقة أو تهدد الاستقرار الإقليمي.
هنا تحديدًا تظهر الفجوة بين منطق القوة ومنطق الدولة. فالتلويح بالممرات البحرية قد يمنح أوراق ضغط تكتيكية قصيرة الأجل، لكنه يضاعف عزلة إيران ويدفع قوى إقليمية ودولية إلى بناء اصطفافات أوسع ضدها. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أي اضطراب طويل في الخليج لا يُقرأ فقط من زاوية الجغرافيا البعيدة، بل من زاوية تأثيره على أسواق الطاقة، وتكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد، واستقرار الإقليم الذي يرتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية والأمنية العربية.
مسعود بزشكيان ومحاولة الإمساك بالخيط الرفيع
في قلب هذا المشهد يقف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي يقدَّم في كثير من المتابعات بوصفه وجهًا أكثر ميلًا إلى البراغماتية مقارنة بخطابات التشدد التقليدية. بزشكيان، الذي يشغل الرئاسة منذ 2024، وجد نفسه منذ الشهور الأولى أمام ملفات تفوق قدرة أي رئيس إيراني على الحسم منفردًا، لأن بنية النظام في إيران توزع النفوذ بين مؤسسات متعددة، سياسية وأمنية ودينية. ومع ذلك، فإن صورته السياسية ما تزال مرتبطة بسؤال: هل يستطيع تحويل خطاب التهدئة إلى سياسات قابلة للتنفيذ؟
المؤشرات المتاحة تقول إن طهران أرسلت في فترات مختلفة إشارات إلى الاستعداد للالتزام بتفاهمات إذا التزم الطرف المقابل، لكن هذه الإشارات كثيرًا ما اصطدمت بتطورات ميدانية وتصريحات تصعيدية متبادلة. وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن غياب الحكمة السياسية مرتبطًا بعدم القدرة على تثبيت مسار تفاوضي مستقر، لا بمجرد وجود خلاف مع واشنطن. فالأزمة ليست في الدفاع عن المصالح الوطنية، بل في تكلفة إدارة هذا الدفاع بطريقة تُفقد الدولة هامش المناورة.
الاقتصاد الإيراني يدفع الثمن الأكبر
أخطر ما في المشهد الإيراني الحالي أن عبء الصراع لم يعد سياسيًا أو عسكريًا فقط، بل بات اجتماعيًا ومعيشيًا أيضًا. فبحسب تقارير استندت إلى مصادر مطلعة، تواجه إيران ضغوطًا شديدة نتيجة العقوبات، والاختناقات المالية، وتقلبات العملة، فضلًا عن أعباء إعادة الإعمار بعد أشهر من التوتر والضربات. وتؤكد هذه المعطيات أن أي دولة، مهما رفعت سقف الخطاب، لا تستطيع تجاهل حقائق الاقتصاد طويلًا.
ومن منظور عربي أوسع، فإن هذا التدهور لا يخص الإيرانيين وحدهم. فكل هزة كبيرة في الاقتصاد الإيراني أو في أمن الخليج تترك أثرًا مباشرًا على المنطقة، سواء عبر التجارة أو أسعار النفط أو مناخ الاستقرار السياسي. لذلك، تبدو الحكمة السياسية هنا مرتبطة بإطفاء بؤر التوتر قبل أن تتحول إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتجاوز قدرة الجميع على الاحتواء.
لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟
بالنسبة إلى مصر، لا يُتابَع الملف الإيراني باعتباره شأنًا بعيدًا. القاهرة شددت في أكثر من مناسبة خلال 2026 على رفض التصعيد، وأكدت دعمها لخفض التوتر والعودة إلى التفاوض، كما أعلنت استعدادها لاستضافة اجتماعات مرتبطة بالملف الإيراني في إطار السعي إلى التهدئة. هذا الموقف يعكس رؤية مصرية تعتبر أن استقرار الممرات البحرية وأمن الخليج جزء من معادلة الأمن العربي الأشمل.
- أولًا: أي توتر في الخليج يضغط على الاقتصاد الإقليمي.
- ثانيًا: اتساع الصدام بين طهران وواشنطن يرفع احتمالات الفوضى العابرة للحدود.
- ثالثًا: تراجع فرص التفاوض في الملف النووي يضاعف مخاطر المواجهة طويلة الأمد.
الخلاصة: الحكمة ليست ضعفًا
المعضلة الحقيقية في طهران اليوم ليست نقص أدوات الضغط، بل نقص القدرة على توظيفها ضمن استراتيجية سياسية رشيدة تقلل الخسائر وتفتح باب التسويات الممكنة. فالحكمة السياسية لا تعني التراجع عن المصالح، بل تعني ترتيب الأولويات: حماية الداخل، تجنب العزلة، وتفادي تحويل أوراق القوة إلى أسباب استنزاف دائم. وفي منطقة أنهكتها الحروب، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من الحكمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وإذا كانت طهران تريد بالفعل تثبيت موقعها الإقليمي، فربما يكون الطريق الأقصر ليس عبر رفع منسوب التحدي، بل عبر إظهار قدرة حقيقية على إدارة الصراع بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة.