Akhbar Cairo

طهران تحمل إسرائيل مسؤولية جرّ واشنطن إلى مهاجمة إيران

طهران ترفع سقف الاتهام في مواجهة واشنطن وتل أبيب

صعّدت إيران لهجتها السياسية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما أكد مسؤولون إيرانيون أن الهجمات الأمريكية على الأراضي الإيرانية لم تكن منفصلة عن الدور الإسرائيلي، بل جاءت – وفق الرواية الإيرانية – نتيجة مباشرة لتحركات تل أبيب وضغوطها. ويعكس هذا الموقف اتجاهاً إيرانياً متكرراً يقوم على تحميل إسرائيل مسؤولية توسيع دائرة الصراع في المنطقة، مع التأكيد على أن واشنطن دخلت على خط المواجهة العسكرية بما يخدم الأهداف الإسرائيلية.

وفي صدارة هذه التصريحات، برز موقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي قال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إن “الهجوم غير القانوني” الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران هو السبب الرئيسي لحالة انعدام الأمن في المنطقة ومضيق هرمز. ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة لأنه يربط بين الضربات العسكرية المباشرة وبين التداعيات اللاحقة على أمن الملاحة والطاقة في الخليج، وهي ملفات تهم دول المنطقة كلها، بما فيها مصر من زاوية أمن البحر الأحمر وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة.

ما الذي تقوله إيران تحديداً؟

الخطاب الإيراني في هذه المرحلة يقوم على ثلاث رسائل أساسية. الأولى أن الهجمات الأمريكية لم تكن عملاً منفصلاً أو رداً محدوداً، بل جزءاً من سياق أوسع تشترك فيه إسرائيل والولايات المتحدة. والثانية أن المسار الدبلوماسي تعرّض للتعطيل بسبب هذا التنسيق العسكري. أما الرسالة الثالثة فتتمثل في تحميل الطرفين مسؤولية ما آلت إليه أوضاع الملاحة الإقليمية، خصوصاً في مضيق هرمز الذي يظل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ووفق ما أوردته وكالة IRNA الإيرانية، شدد عراقجي على أن ما يحدث في الخليج ومضيق هرمز هو نتيجة مباشرة للتحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران. كما نقلت الوكالة عن مسؤولين إيرانيين آخرين أن طهران ترى أن واشنطن اختارت الاستمرار في الحرب “عبر إسرائيل” بدلاً من الذهاب إلى تثبيت التهدئة.

توقيت حساس بعد شهور من التصعيد

تأتي هذه التصريحات في سياق إقليمي بالغ الحساسية، بعد سلسلة تطورات شهدها عام 2026، من بينها اتساع نطاق الضربات المتبادلة، وتزايد المخاوف من جرّ دول المنطقة إلى مواجهات مفتوحة. وبحسب تقارير دولية حديثة، فإن الحرب التي بدأت بهجمات أمريكية وإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026 فتحت الباب أمام جولات متلاحقة من الردود العسكرية والضربات العابرة للحدود، وهو ما جعل أي حديث عن تهدئة دائمة أمراً أكثر تعقيداً.

وكالة أسوشيتد برس أشارت في أكثر من تغطية حديثة إلى أن النزاع بين واشنطن وطهران عاد ليتصاعد خلال يوليو 2026، مع تنفيذ الولايات المتحدة ضربات جديدة قالت إنها تستهدف تقليص قدرات إيران على تهديد الملاحة في المضيق، بينما ردت طهران بإجراءات وعمليات اعتبرتها دفاعاً عن نفسها ومصالحها الإقليمية.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

قد تبدو المواجهة بعيدة جغرافياً عن مصر، لكنها في الحقيقة تمس مصالح المنطقة العربية بشكل مباشر. فكل تصعيد في الخليج ينعكس سريعاً على أسواق النفط والغاز، وعلى تكلفة الشحن والتأمين البحري، وعلى حركة التجارة في الممرات المرتبطة بقناة السويس. ومع اعتماد الاقتصاد العالمي على تدفقات الطاقة والتجارة البحرية، فإن أي اضطراب في هرمز لا يبقى محصوراً داخل الخليج، بل يمتد أثره إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر أيضاً.

ومن زاوية مصرية، فإن استمرار الاشتباك السياسي والعسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يضيف ضغوطاً جديدة على بيئة إقليمية تعاني أصلاً من أزمات في غزة ولبنان وسوريا والبحر الأحمر. لذلك تبدو متابعة هذه التصريحات الإيرانية ضرورية لفهم الصورة الأوسع: هل نحن أمام رسائل تفاوضية قاسية، أم أمام تمهيد لجولة تصعيد جديدة؟

مضيق هرمز في قلب الأزمة

لا يمكن فصل اتهامات طهران لإسرائيل عن ملف الملاحة في مضيق هرمز. فإيران تعتبر أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية هي التي دفعت الأوضاع إلى هذا المستوى من التوتر، بينما تقول واشنطن إن عملياتها العسكرية تستهدف حماية السفن التجارية وضمان حرية المرور. هذا التناقض في السرديتين يجعل المضيق نقطة اشتباك سياسي وعسكري في آن واحد.

وتشير بيانات حديثة نشرتها أسوشيتد برس إلى أن المضيق كان قبل اندلاع الحرب يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المتداولة عالمياً، ما يوضح لماذا تتابع العواصم العربية والاقتصادات المستوردة للطاقة أي توتر هناك بقلق بالغ. كما أفادت الوكالة بأن حوادث استهداف سفن قرب عُمان ومضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة زادت من هشاشة الوضع الأمني في الممر البحري.

هل هو اتهام سياسي أم توصيف لمسار الحرب؟

اللافت في الموقف الإيراني أنه لا يكتفي بإدانة الهجوم الأمريكي، بل يربطه بقرار إسرائيلي أوسع لتوسيع المعركة. ووفق هذه القراءة، فإن تل أبيب لا تتحرك فقط كطرف مباشر في الصراع، وإنما كعامل دافع لواشنطن نحو المزيد من الانخراط العسكري. هذا الخطاب يخدم طهران داخلياً وخارجياً؛ داخلياً عبر إظهار الصراع باعتباره عدواناً مركباً، وخارجياً عبر محاولة كسب تعاطف إقليمي ودولي على أساس أن الحرب تجاوزت حدود الردع التقليدي.

وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة الحديث عن أن ضرباتها مرتبطة بحماية الملاحة الدولية والرد على تهديدات إيرانية، بينما تتعامل إسرائيل مع إيران باعتبارها مصدر الخطر الرئيسي على أمنها. وبين السرديات الثلاث، تبقى الحقيقة الأوضح أن المنطقة دخلت مرحلة أكثر سيولة، وأن فرص الاحتواء لا تزال مرتبطة بقدرة الأطراف على العودة إلى قنوات التفاوض.

ماذا نعرف عن عباس عراقجي؟

يُعد عباس عراقجي أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية في إيران، ويتولى منصب وزير الخارجية منذ أغسطس 2024. وقد ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بملفات التفاوض المعقدة، سواء المتعلقة بالعلاقة مع الغرب أو بالأزمات الإقليمية. ولهذا فإن تصريحاته بشأن مسؤولية إسرائيل عن جرّ الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران لا تُقرأ باعتبارها تعليقاً عابراً، بل باعتبارها جزءاً من الموقف الرسمي الإيراني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة احتمالات:

  • استمرار التصعيد المحدود: عبر ضربات متبادلة ورسائل عسكرية محسوبة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
  • العودة إلى التفاوض: إذا نجحت الوساطات الإقليمية والدولية في إعادة تثبيت تفاهمات وقف النار أو خفض التوتر.
  • اتساع رقعة المواجهة: وهو السيناريو الأخطر، خاصة إذا تضررت الممرات البحرية أو انخرطت أطراف إقليمية إضافية بصورة مباشرة.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على قرب تسوية شاملة، لكن المؤكد أن التصريحات الإيرانية الأخيرة تعكس إصرار طهران على تثبيت روايتها: أن إسرائيل كانت العامل الأساسي وراء إدخال الولايات المتحدة في الهجوم على إيران، وأن كلفة هذا المسار لا تتحملها طهران وحدها، بل المنطقة بأكملها.

خلاصة المشهد

اتهام مسؤولين إيرانيين لإسرائيل بأنها السبب وراء الهجوم الأمريكي على إيران ليس مجرد توصيف سياسي، بل جزء من معركة السرديات الجارية بالتوازي مع المعركة الميدانية. وبينما ترى طهران أن ما جرى يكشف شراكة كاملة بين واشنطن وتل أبيب، تؤكد الولايات المتحدة أن عملياتها مبررة بحماية الأمن البحري وردع التهديدات. وفي الحالتين، تبقى النتيجة واحدة بالنسبة للمنطقة العربية: مزيد من القلق، ومزيد من الضغوط على الاستقرار الإقليمي، ومزيد من الأسئلة حول قدرة الشرق الأوسط على تفادي موجة تصعيد أوسع في الأشهر المقبلة.