طهران تهاجم الغارات الأمريكية السعودية داخل العراق
طهران تندد بضربات داخل العراق وتصفها بانتهاك للسيادة
دخلت الأزمة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها منعطفًا جديدًا بعد إعلان طهران إدانة الضربات التي نُفذت داخل الأراضي العراقية، والتي نُسبت إلى الولايات المتحدة والسعودية، معتبرة أن استهداف مواقع في العراق يمثل خرقًا لسيادة دولة مستقلة ومخالفة صريحة للقانون الدولي. وتأتي هذه المواقف في سياق توتر متسارع يضع العراق مجددًا في قلب الاشتباك الإقليمي بين قوى كبرى ولاعبين إقليميين، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أمن المشرق والخليج معًا.
وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس في تقارير منشورة يومي 28 و29 يوليو 2026، فإن القوات الأمريكية والسعودية نفذت ضربات استهدفت فصائل مدعومة من إيران داخل العراق، في وقت شدد فيه مسؤول أمريكي على أن هذه العملية جاءت بعد هجوم صاروخي إيراني، مع تأكيده أن الحدثين لم يكونا جزءًا من عملية واحدة مترابطة. التقارير نفسها ربطت الضربات بحالة التصعيد الأوسع التي تشهدها المنطقة منذ شهور، خصوصًا مع تنامي الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ عبر عدة ساحات.
ما الذي قالته إيران؟
الخطاب الإيراني الرسمي في الأيام الأخيرة ركّز بصورة متكررة على فكرة أن واشنطن تنتهك القانون الدولي وتتصرف خارج الأطر الدبلوماسية. وفي هذا السياق، كرر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده تنظر بقدر كبير من الريبة إلى السلوك الأمريكي، معتبرًا أن الولايات المتحدة سبق أن “خانَت الدبلوماسية” وانتهكت وحدة الأراضي الإيرانية في مناسبات سابقة، وفق ما نقلته وكالة إرنا الرسمية الناطقة بالإنجليزية عن مؤتمره الصحفي. هذا السياق يفسر اللغة الحادة التي استخدمتها طهران في إدانة الضربات داخل العراق، حتى مع غياب نص رسمي متاح على نطاق واسع يتضمن جميع تفاصيل البيان المنسوب إليها بشأن هذه الواقعة تحديدًا.
لكن اللافت أن الصياغة الواردة في الخبر الأصلي حول استهداف “مقار مؤسسات حكومية ورسمية” لم يتسنَّ التحقق منها عبر مصدر أولي موثوق ومتاح علنًا؛ لذلك لا يمكن الجزم بها مهنيًا. المتاح من المصادر الدولية يشير إلى أن الضربات استهدفت فصائل موالية لإيران داخل العراق، لا سيما قرب الحدود الشمالية للسعودية، وهو ما يجعل تدقيق طبيعة الأهداف مسألة أساسية في التغطية الصحفية، خصوصًا بالنسبة لقارئ يتابع من مصر تطورات الأمن الإقليمي وتداعياتها على المنطقة العربية.
العراق بين نارين
العراق وجد نفسه مرة أخرى في موقع الدولة التي تُستَخدم أراضيها أو مجالها كمساحة اشتباك غير مباشر. وكالة الأنباء العراقية الرسمية نشرت خلال الأشهر الأخيرة أكثر من موقف حكومي وسياسي يؤكد رفض بغداد استخدام الأراضي العراقية منطلقًا لأي عمليات تستهدف دولًا عربية مجاورة، وفي مقدمتها السعودية. كما أعلنت الخارجية العراقية في مايو 2026 قلقها من تقارير تحدثت عن استهداف المملكة بطائرات مسيّرة، مؤكدة أنها لم ترصد معلومات حاسمة عبر الوسائل الدفاعية العراقية بشأن تلك الواقعة، ودعت في الوقت نفسه إلى التعاون مع الرياض لتبادل المعلومات.
هذا الموقف العراقي لا ينفصل عن ضغوط أمنية وسياسية كبيرة. فبحسب وكالة الأنباء العراقية أيضًا، صدرت توجيهات حكومية بفتح تحقيقات في الاعتداءات التي طالت السعودية والإمارات، مع تأكيد ملاحقة أي متورط إذا ثبت استخدام أراضي العراق في تنفيذ الهجمات. وتظهر هذه البيانات أن بغداد تحاول، على الأقل رسميًا، تثبيت معادلة مفادها أن السيادة العراقية لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين إيران وخصومها الإقليميين أو الدوليين.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
رغم أن الحدث يدور جغرافيًا بين العراق والخليج وإيران، فإن انعكاساته أوسع بكثير. مصر تتابع عن قرب أي توتر يهدد استقرار المشرق العربي والخليج، لأن أي اضطراب كبير في هذه الدائرة يضغط على ملفات الطاقة، والنقل البحري، وأسعار الشحن، وأمن البحر الأحمر، وحتى مناخ الاستثمار الإقليمي. ومن هذه الزاوية، فإن التصعيد داخل العراق لا يُقرأ كخبر عابر، بل كجزء من مشهد أمني متصل يمتد من الخليج إلى الممرات البحرية الحيوية التي تمس الاقتصاد المصري والعربي.
كما أن القارئ في مصر يدرك أن الحفاظ على مؤسسات الدول الوطنية في المنطقة، ومنها العراق، لم يعد مسألة سياسية فقط، بل ضرورة استراتيجية لمنع تمدد الفوضى العابرة للحدود. ولهذا تبدو مسألة احترام سيادة العراق، سواء من جهة الضربات العسكرية أو من جهة استخدام أراضيه لإطلاق هجمات، بندًا محوريًا في أي نقاش جاد حول تهدئة الإقليم.
سياق إقليمي أكثر تعقيدًا
المشهد لا يتوقف عند الضربات داخل العراق. ففي 27 يوليو 2026، تحدثت تقارير إعلامية عن اعتراض السعودية طائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية، مع اتهامات بأن مصدرها فصائل مدعومة من إيران انطلقت من العراق. كما أدان مجلس التعاون الخليجي هذه الهجمات، واعتبرها تصعيدًا خطيرًا يهدد أمن المنطقة. هذه الخلفية تساعد في فهم لماذا أصبحت الأراضي العراقية نقطة حساسة في معادلة الردع والرد المضاد بين الأطراف المختلفة.
وفي المقابل، تصر طهران في خطابها السياسي والدبلوماسي على أنها تتصرف وفق ما تسميه حق الدفاع عن النفس، وهي العبارة التي تكررت في بيانات لمسؤولين إيرانيين أمام الأمم المتحدة وفي تصريحات رسمية نقلتها إرنا. غير أن هذا الطرح يصطدم باعتراضات عربية ودولية تتهم إيران بتوسيع نطاق النزاع إلى دول أخرى في المنطقة، بينها العراق والسعودية والأردن ودول خليجية أخرى. الأمين العام للأمم المتحدة نفسه كان قد أدان في وقت سابق هجمات إيرانية قال إنها انتهكت سيادة عدة دول في الإقليم.
ماذا بعد؟
السيناريو الأقرب، استنادًا إلى المعطيات الحالية، هو استمرار حرب الرسائل المحدودة أكثر من الانزلاق إلى مواجهة شاملة ومعلنة على الأرض العراقية. غير أن هذا الاستنتاج يبقى تقديرًا تحليليًا، لا حقيقة نهائية، لأن وتيرة الأحداث خلال يوليو 2026 أثبتت أن المنطقة قابلة للانتقال السريع من التهدئة النسبية إلى الضربات المباشرة. التقارير الأخيرة من أسوشيتد برس تحدثت بالفعل عن توقف مؤقت أو تباطؤ في بعض جولات الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران، لكن من دون الوصول إلى تسوية مستقرة أو إطار أمني جديد يضمن عدم تكرار الاشتباك.
في المحصلة، فإن إدانة إيران للضربات الأمريكية السعودية داخل العراق تعكس أكثر من مجرد اعتراض دبلوماسي؛ إنها جزء من معركة سرديات وسيادة ونفوذ تدور فوق أراضي دولة عربية ما زالت تحاول تثبيت توازنها الداخلي والخارجي. وبينما تتمسك بغداد برفض تحويل أراضيها إلى منصة هجوم أو هدف مفتوح، يبقى السؤال الأهم: هل ينجح العراق في تحييد نفسه عن الصراع، أم يظل ساحة اختبار دائمة لمعادلات القوة في الشرق الأوسط؟
- التاريخ الأبرز: 28 و29 يوليو 2026 شهدتا تقارير مؤكدة عن ضربات أمريكية سعودية داخل العراق.
- الموقف العراقي: فتح تحقيقات ورفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار.
- الموقف الإيراني: اعتبار السلوك الأمريكي انتهاكًا للقانون الدولي والتشكيك في جدية واشنطن الدبلوماسية.
- البعد الإقليمي: الهجمات على السعودية والردود المرتبطة بها ترفع حساسية الملف العراقي في أمن الخليج.